القبور المبيضة: في الدور المتناقض للنخب الاجتماعية في قضية تسريب الأملاك الأرثذوكسية

٠٦ آذار ٢٠١٨

في مشادّة شهيرة للسيد المسيح مع الفريسيين يرويها إنجيل متى، يهاجم المسيح بعنف من كان يفترض بهم أن يكونوا ممثلين عن الرعية، بينما يعملون لأجل مصالحهم الخاصّة، متستِّرين بقدسية الموقع الذي يشغلونه، حيث يصفهم "بالقبور المبيَّضة، تبدو من الخارج جميلة، وهي في الداخل مملوءة عظام أموات ونجاسة".

سال كثير من الحبر حول قضية تسريب الأملاك الأرثودوكسيّة، وأكثره حول قضيَّة تعريب الكنيسة وتخليصها من الهيمنة الأجنبيَّة. إلا أنَّ جانباً مهماً من جوانب هذه القضية لم يحظ بما يكفي من الانتباه؛ وهو التناقضات الاجتماعيَّة داخل المجتمع الفلسطينيّ، وانعكاسها في قضية تسريب الأملاك الفلسطينيَّة من تحت وصاية الكنيسة اليونانيَّة الأرثذوكسيَّة إلى أيدي الاحتلال.

رغم وضوح الطابع الوطنيّ للقضية، إلا أنَّ الصورة في كثير من وسائل الإعلام المحليَّة، خاصة بعد احتجاجات عيد الميلاد الشرقيّ في بيت لحم، والمحاولات الشعبيَّة لمنع البطريرك ثيوفيلوس الثالث من دخول  كنيسة المهد، قُدِّمت على أنَّ مسيحيّي المدينة هم من قام بالاحتجاج، رغم المشاركة الواسعة من كل أطياف المجتمع. ما يعرفه كلّ فلسطينيّ وكل متابع للقضية، هو أنَّ حركة الاحتجاج لا تشمل المسيحيّين فقط. ومما عُرف بعد الاحتجاج، الذي جاء مفاجئاً بحجمه، أنَّ أطرافاً كثيرة، من مسلمين ومسيحيّين، حاولوا بالترغيب تارة وبالترهيب تارة، منع الاحتجاج من الوقوع، بالشكل الذي وقع فيه على الأقل. نُخب من مواقع كنسيَّة أحياناً، وسلطويَّة أحياناً، واجتماعيَّة أحياناً أخرى، وجدت من المناسب محاولة احتواء الاحتجاج، أو في الحد الأدنى إبقاءه بعيداً عن احتفال العيد التقليديّ، وعن أجواء "الهيبة" المصاحبة له كل عام.

جذور تاريخيَّة واتساع خارج حدود الطائفة

ما غاب عن بال تلك النخب، هو أنَّ الاحتجاج لم يأت وليد مبادرة آنيَّة لمجموعة من الناشطين، ولا وليد لحظة غضب تراكمت بعد كلّ فضيحة تسريب جديدة للأملاك الأرثذوكسيَّة كُشف عنها، خاصة خلال العام 2017. فللحراك جذوره التاريخيَّة العميقة في الوسط الشعبيّ الفلسطينيّ الأرثودوكسيّ، وما المميَّز فيما حصل في ختام عام 2017 سوى أنَّه استطاع أن يستقطب حالة غضب أوسع في الأوساط الشعبيَّة خارج الوسط الأرثذوكسيّ والمسيحيّ عامة، ليَبرز البعد الوطني لقضيته، أكثر من أي وقت مضى.

جورج أبو غزالة، أحد الناشطين القائمين على الحملة الشعبيَّة ضدَّ تسريب الأملاك الأرثذوكسيَّة، يوضح أنَّ "الحراك الحاليّ هو امتداد للحركة الوطنيَّة الأرثذوكسيَّة، والشباب العربيَّ الأرثذوكسيّ، اللذين يناضلان منذ سبعينيَّات القرن الماضي من أجل تعريب الكنيسة الأقدم عمراً في العالم".

محاولات الاحتواء والضغط القادم من الأعلى

ويشير أبو غزالة إلى أنَّ "الحملة جاءت بعد شعور عام داخل الحراك الوطنيّ الأرثذوكسيّ بأهميَّة إشراك كل أطياف الشعب الفلسطينيّ بقضيَّة أوقاف الكنيسة، لأنها قضيَّة أرض فلسطينيَّة تهم كلّ الشعب الفلسطينيّ. هذا التوسع للحراك في قطاعات مختلفة خارج الطائفة حصل بعد انكشاف الصفقات التي عقدها البطريرك ثيوفيلوس في الآونة الأخيرة، والتي رفعت مستوى الاهتمام والاطّلاع على القضيَّة في الشارع الفلسطينيّ، ومستوى الغضب أيضاً". ويؤكد جورج أبو غزالة أنَّه كان هناك محاولات لاحتواء الحراك من جهات أمنيَّة، وحتى من محافظة بيت لحم التي اجتمعت بالحراك قبل الاحتجاج بيوم واحد، وطلبت من القائمين على الاحتجاج عدم التعرُّض للموكب البطريركيّ بشكل مباشر. لكن إلى جانب هذه الاتصالات المتوقَّعة، جرت بحسب جورج أبو غزالة "اتصالات أكثر عدائيَّة مع القائمين على الحراك قبيل موعد الاحتجاج عشيَّة عيد الميلاد الشرقيّ. فقد تم الضغط علينا من جهات اجتماعيَّة وكنسيَّة، تمثَّلت بشكل أساسيّ من بعض وكلاء الكنيسة، ممن لهم علاقات مع البطريركيَّة، وبعضهم مع البطريرك شخصياً، قاموا بتهديد بعضنا بالحرمان الكنسيّ، وباستهداف فرص عملنا وغير ذلك من التهديدات".

تباين في أدوار النخب

وكلاء الكنيسة هم شخصيّات منتخبة لتمثيل الطائفة داخل الكنيسة، هم في الغالب من النخب الاجتماعيَّة التقليديَّة، يتم ترشيحهم من قبل عائلاتهم. تقليديّاً، لعب وكلاء الكنيسة دور الوسيط بين الرعايا وبين السلطة الكنسيَّة، مما أكسبهم احتراماً خاصاً من قبل القاعدة الشعبيَّة للكنيسة، التي ترى فيهم ممثلين عنها. لكن في نفس الوقت، قُربهم من مراكز السلطة الكنسية أكسب البعض منهم امتيازات خاصة، جعلتهم يلعبون دور تمثيل المؤسسة البطريركيَّة أمام الرعيَّة، وليس العكس. ففي أول بيان للمجلس المركزيّ الأرثودوكسيّ والشباب العربيّ الأرثودوكسيّ، منذ بدء أزمة تسريب الأملاك الأخيرة، والذي نُشر بتاريخ 30 حزيران 2017 بعنوان "البيان رقم 1"، دعا المجلس المركزيّ والشباب العربي الأرثودوكسيّ إلى "استلام وكلاء الكنيسة إدارة الكنائس بصفتهم المؤتمنون أمام الله والشعب" وذلك بعد "إعلان الكنائس الأرثوذوكسيَّة كنائس محرَّرة ورفع العلم الفلسطينيّ عليها". في المقابل، نشرت البطريركيَّة بياناً لها بتاريخ 14 تشرين الأول 2017 رداً على المؤتمر الذي عقدته شخصيّات مسيحيَّة ووطنيَّة في بيت لحم، عابت فيه البطريركيَّة على المؤتمر عدم حضور أي من وكلاء الكنيسة، معترفة بدور الوكلاء ومراهنة على دورهم.

هذا التناقض يفسره رفعت قسيس، وهو ناشط حقوقي ومجتمعي، بأنه ناجم عن "تباين بين النخب نفسها، وهذه ظاهرة موجودة في المجتمع الفلسطيني ككل، وليس في الوسط المسيحي وحده. فمن النخب من له مستوى وعي والتزام وطنيّ أكثر أو أقل من غيره، وهذا يرجع بالأساس إلى طبيعة ودرجة علاقات هذه النخب بأوساط السلطة السياسيَّة والدينيَّة". ويوضح رفعت قسيس أنَّ "الاحتلال استطاع أن ينشئ علاقة ابتزاز مع السلطات الكنسيَّة، ومن خلالها ببعض هذه النخب، من خلال الامتيازات التي يمنحها لهم، من تصاريح، وتسهيلات عمل، ناهيك عن مسألة الضرائب التي يهدد الاحتلال بفرضها على الكنائس كافة في القدس".

تناقضات المجتمع الفلسطيني نفسها

لكن المشكلة الأساسيَّة في الدور الذي تلعبه النخب ترتبط بالآلية التي يعمل بها التمثيل داخل الكنيسة. فيوضح قسيس أن هذا التمثيل "يفتقر إلى الأطر الديمقراطية الكافية لاتخاذ القرارات، وحتى اختيار الممثلين عن الرعايا، ما يجعل القرارات وحسابات الكثير من هذه النخب أقرب إلى مصالح السلطة الكنسيَّة وارتباطاتها منها إلى اعتبارات القاعدة الشعبية"، وأضاف أنَّ "حال بعض النخب المسيحيَّة هو حال الكثير من النخب الفلسطينيَّة الأخرى التي لبعضها مصالح مباشرة مع الاحتلال، ويكفي النظر إلى حجم استثمارات رأس المال الفلسطينيّ في الاقتصاد الإسرائيليّ، الذي يفوق حسب بعض التقديرات استثماره في الاقتصاد الفلسطيني بخمسة أضعاف". لكن كما أن هذه الظاهرة في أوساط المجتمع الفلسطيني عامة تعبر عن مصالح شخصيَّة وفئوية لأقلية، فالأمر سيان داخل الوسط المسيحي. وأكَّد قسيس أنَّ "الموقع الطبقي يلعب دوراً، والصورة النمطية بأن المسيحيين ينتمون جميعهم إلى الطبقة الأكثر حظاً أبعد ما تكون عن الواقع، ومن الطبيعيّ أن ينعكس ذلك بوضوح في قضيَّة وطنيَّة مثل قضيَّة الأملاك الأرثذوكسية".

في الجانب الآخر من المعادلة، كان الحراك الشعبيّ الفلسطيني ضدَّ تسريب أوقاف الكنيسة الأرثذوكسيَّة يتسع شهراً بعد شهر، خلال النصف الثاني من العام الماضي، متجاوزاً النخب التقليديَّة، بل المؤسسات التي يفترض أنها تمثل الرعيَّة الأرثذوكسيَّة، حتى أضحى حراكاً شعبيَّاً فلسطينيَّاً، متنوعاً وجامعاً. لكن التفاعل الكبير مع قضية الأوقاف الأرثذوكسيَّة يوم الاحتجاج وبعده، وضع البطريرك ثيوفيلوس، وكل ما يمثله من هيمنة أجنبيَّة على كنيسة القدس الأقدم، أمام موجة غضب شعبيّة لم تعد تقيم أي اعتبار للهيبة المؤسساتيَّة التي اعتاد أن يحظى بها من يفترض أنه يمثل المكون المسيحيّ لفلسطين.

غير أن ما سقط يومها يمكن أن يكون أكثر من من مجرد شخص أو امتياز هيمنة موروث من العهد العثماني لسلطة أجنبيَّة. فاتساع الحراك الشعبيّ حول قضيَّة الأملاك الأرثذوكسيَّة، وتعبيره عن نفسه بهذه الصورة، لعله يشير إلى تزايد القدرة الشعبيَّة على تجاوز المؤسَّسات التقليديَّة والنخب المتنفِّذة فيها، باتجاه تعبير مباشر للشارع عن نفسه، وقيادته لقضاياه من الأسفل، ومن خارج المنظومة.