الكتابة فعل مقاوم في ظلّ الاستعمار

١٣ تشرين الأول ٢٠١٨

إنَّ السؤال الأساسي الّذي يُوجَّه بشكل مُستمر للباحثين في الدول المُستعمَرة، وعلى وجه التحديد فلسطين، ما هي جدوى الفعل الكتابي؟

سؤالٌ متوقع، في حال كان هذا سؤالاً مُوجَّهاً من المنظومة الإستعمارية العالمية، لارتباط إجابته - بطبيعة الحال - بهدف التساؤل، ألا وهو الحفاظ على خصوصية التبعية حتى على مستوى الوعي والإدراك، وبالضرورة فإن فعل الكتابة يستلزم تفكيك هياكل ومفاصل النظام الإستعماريّ، لتحرير هذا الفعل  ونزع السلطة عنه.

أمَّا إثارة سؤال الجدوى في الواقع الفلسطيني، فهو مرتبطٌ بمنطق استعماريّ أو إنهزاميّ، إذ تصبح العديد من الأسئلة غير مشروعة في مرحلة معينة، وعدم شرعيتها نابعٌ من طريقة طرحها، فلو تبدَّل التساؤل من لماذا نكتب؟ وما هي الجدوى؟، إلى كيف نكتب؟ وعن ماذا نكتب؟ وكيف يمكن أن نخلق من خلال الفعل الكتابي وعياً مرتبطاً بممارسة ؟.

هذه الأسئلة  تدفع خطوةً باتجاه التغيير، الّذي لا يُنتظر - بطبيعة الحال - من المنظومة الدَوليِّة، أو من الجانب الإستعماري. لأن فعل الكتابة هو فعلٌ مقاومٌ بحد ذاته؛ يعكس مراحل التاريخ التّي يتم إقصاؤها من التاريخ والتراث. فالقاعدة الأساسيّة في المادية الجدلية للمعرفة هي مقولة ماركس: "ليس وعي البشر هو الذي يحدّد وجودهم، بل إن وجودهم الاجتماعيّ هو الذي يُحدِّدُ وعيهم"، والوجود الإجتماعي يعني أن تكون قادرًا على فَهْم العلاقات الإجتماعية الموجودة بداخله، والمؤثرات التّي تستقصده وتعمل بشكل دؤوب على تطويعه، بالإضافة إلى  فهم تراكيب السلطة المختلفة التي تتشكل بشكل طبيعي حتى في أجسادنا.

هذا هو الأساسي في المجتمعات الإستعمارية، فهم العلاقات السلطوية المختلفة، وفهم الهيمنة الإستعمارية المتمثلة بالشكل والهياكل وتخطيط الطرق والإشهارات والإعلانات، والتقدم الإقتصاديّ وسياسة الانفتاح على العالم، لمحاولة تخفيف آثارها أو تجاوز ومواجهة تبعياتها، وعدم تثبيت موقعنا كتابعين.

إن موقعية التابع تؤثر بشكل كبير على قدرته على الكتابة عن ذاته بشكل نقي، دون استدخال العلاقات الإستعمارية في الكتابة، وربطها بها، وكأن لا تاريخ لنا، وأنْ لا مُبرِّر لسلوكياتنا خارج هذه الشبكة الإستعمارية، التي لا تعطي معانٍ حقيقة لكتاباتنا عن المُستعمِر، ككيان قائم بذاته، إذ أنَّ هذا الوعي والفهم ضروري؛ لأنه وفي الوقت الّذي نرى بأن الكيان الصهيوني لا يكون إلّا في دائرة الصراع مع الفلسطيني، سيراه العالم دولة قوية قائمة، منفصل عن علاقة الصراع التّي نراها نحن كفلسطينيين مُستعمَرين، وحتى إن التأطيرات النظرية رأت في هذا الإستعمار الإستيطاني بجانب أساليبه العنيفة والمحو والإبادة التي يستخدمها في إزالة السكان الأصلانيين، إلا أن لهذا الإستعمار الإستيطاني جانب إيجابي، وهو قيام مجتمع استيطاني مُحدّث وجديد ومطور، فهنا موقعيتنا كَ"طرف بالصراع" تخفي جزء ليس من الحقيقة وحسب، بل أيضًا تفصيل أساسي من كتاباتنا.

لو قمنا بإجراء عيني وصفي للدراسات الفلسطينية عن الكيان الصهيوني، نرى أننا ما ننفك عن وصف الممارسات المتمثلة بالمحو والإزالة، تسكين الذوات الفاعلة، العنصرية والإقصاء، الحبس والإستشهاد وتجميد الجثامين. على الرغم من أن هذه الممارسات تساعدنا في فهم الماكينة السلطوية للكيان الصهيوني، إلا أنّها تكشف عن وجه أو عدة أوجه لهذا الكيان، أي أنها توثقه فقط. لكنها لا تُعطينا المعرفة التي نستطيع من خلالها بالفعل فهم هذا الكيان وأسس التحرر منه. أي أننا نحارب ونكتب من داخل هذا الإطار. وكما قادت العديد من النقاشات بين الكثير من الباحثين بأنه لا يُمكن أن نخلق بنية تحررية داخل البنية الإستعمارية، فلا بد لنا من إيجاد بُنية موازية.

قدمت عائشة عودة في روايتها "أحلام بالحرية" عباراتٍ أكثر مُباشرة تعكس المعنى الحقيقي من خلال الفعل الكتابي، ليس لتجربتها فقط التي دفعتها للكتابة؛ وهو كتابة أحد الأسرى عن تجربة الأسيرات بطريقة سريعة هامشية، بل كونها النص لا المتن، كونها كأنثى يجب أن تكتب روايتها، ليس فقط مُحاربة التهميش السلطوي الذكوري الّذي هو جزء أساسي من الثقافة العربية، بل هي دعوة للكتابة كفكرة مقاوِمة للإنتاجات التّي يُصدرها المُستعمِر عن ذاته على مستوى كيانه، والمستوى العالمي:

وأعود للكتابة ربما لتأكيد أن تحويل التجربة العملية إلى وعي هو الأهم في التجربة ذاتها، لأنه زبدتها، ولأنه النسغ الذي يمنعها من الذبول والموت، ولأنه (هذا هو الأهم) لا يسمح للآخر بالاستمرار في السيطرة على رواية التاريخ وتصنيعه بما يتناسب مع أيديولوجيته العنصرية. ولأنه لا بد من محاسبة المجرم على جرائمه، ولا تقادم على جرائم الحرب. ولأقول أيضاً أن الرجال ليسوا أفضل من النساء، وأن النساء لسن أقل من الرجال، وأن الوطن والمستقبل والحرية والكرامة مسؤولية الجميع. وأن الصمود مجدي ".

أعود لفكرة موقعية التابع في الكتابة، تعالج سبيفاك في نصها "هل يستطيع التابع أن يتكلم؟" القدرة الفعلية لهذا التابع أن يتكلم بوعي كامل عن حالته دون تأثره بالإطار الذي يضعه له المجتمع والتقاليد والأيديولوجيا التي تحيط به. قد يبدو في ذلك قَدْراً من الصعوبة؛ لأن الأيديولوجيا تدخل في مستوى الممارسة موهمة صاحبها بأنه مختلف ويكتب خارج النص، إلّا أنه بحدود إختلافه لا يخرج عن الأيديولوجيا، والّذين خرجوا وكتبوا من الهامش الأمر الّذي أضفى ثورية على كتاباتهم، أمثال ناجي العلي وغسان كنفاني، كانت نهايتهم متوقعة ومعروفة، ولكّن النتيجة الأهم أنّها خلقت أيديولوجيا جديدة، وأضفت هذه الممارسة الثورية فعل جديد ومقاوم.

بالإضافة إلى أنَّ الفعل الكتابي يحمي بشكل أساسي من البناء الابستمولوجي الذي يبنيه الآخر عن التابع، فيضعه داخل إطار آخر داخل إطاره، مما يجعل عملية التكلم نفسها مستحيلة، إلّا أنها تكسر الحقيقة عن قدرة التابع على التكلم، وتصبح لدينا ولدى العالم رواية أخرى موازية، حقيقية، ثوريتها وخطابها نتاج عدم الموقعة كتابع، والمحاربة كطرف بالصراع.

من نافل القول، أن فوكو رأى عند التابع القدرة على التكلم، وأن يظهر من خلال كافة الأُطر التي تضعها ماكينات السلطة المختلفة، لكن أرى بسؤال سبيفاك أكثر منطقية في هذا الجدال: هل صوت التابع مسموع وواضح ومباشر ومحدد؟ هل صوت التابع مسخ لا ملامح له؟ هل هذا الصوت حقيقي؟.

إذًا، علينا مراجعة في هذا الصوت، ومراجعة الفعل الكتابي، وفي أسئلتنا التي نقوم بطرحها قبل الكتابة وأثناء وبعد الكتابة، لنجد ذواتنا كما هي، أو ذات المُستعمِر كما هي، وذلك لأنَّ هدف هذه المعرفة سيقودنا إلى الخطوة التالية التي قادتنا إليها معرفتنا حول ذاتنا وحول الأخر كلًا في سياقه، وسياق العلاقة الإستعمارية بيننا، وهذه الخطوة هي إيجاد ذواتنا ووسائل وأدوات تحررنا النفسي والمادي.