الكتابة لَيلاً: صُورٌ شخصيَّة وأشياء أخرى

١٢ أيار ٢٠١٦

الوقت. الثانية عشرة إلا عشر دقائق. المكان، جدارٌ إلكتروني تطغى وجوه الغرباء عليه، وأعينهم. هذا نصٌ وفقط، وليس مقالاً، وهذه كتابةٌ غير محترفة، ليست موضوعيَّة كما يجب، ولَيست موجَّهة إلى أحَد، كما يجب. هذه كتابةٌ فوق جدارٍ، أو على حائطٍ، إلكتروني. لا تفكِّرُ، بَل تتكلَّم، وهي لَيست مُلزمةٌ بالتَّعبير عن نَفسها، ولكنَّها تفعلُ ذلكَ حينما لا تستطيعُ كتمان ذاتِها في إحدى الفُصوصِ الدِّماغيَّة. هُناك، حيثُ لا تتكلَّم ولا تُسمعُ ولا تُرى، ولَيست بحاجةٍ لاسمٍ مستعارٍ، ولَيست بحاجةٍ إلى ملامحٍ تعرَّفُ من خِلالها على أنَّها شيءٌ، كَما باقي الأشياء خارجَ قشرتها الدِّماغيَّة.
وهذا النصُّ، نصٌ يتذمَّر ولا يوضِّح شَكواه كَما باقي النّصوص. هُو نصٌ قد يكون تافهاً، نسبةً لمقاييس ما، وقد يكونُ مغرقاً في الميلانخوليا، نسبةً لصفةٍ ما. هُو نصٌ يتذمَّر وفقط. من الحياة وتفرُّعاتها. نصٌ يشتكي، ذاتهُ أولاً، ومن ثمَّ يشتكي قرَّاءه. وهو في كلِّ حال، نص بلا فائدة.
صراخ داخليّ، وأفكار مبعثرة بِلا أي رابطٍ بينها، وعيونٌ مفتوحة على أشدِّها، ملأى بالـ الدهشة. إذن، نحنُ في مدينة. مدينة، على بعدِ متراتٍ ليست بالكثيرة ولا بالقليلة، من دبَّابةٍ ربَّما أو ضابطٍ جُمركيّ، أو شرطيّ بذاكرتين مختلفتين.
فلننسى المدينة لحظةً. كانَ النصُّ دائم التساؤل حول أمرٍ ما: لِماذا لا نتكلَّمُ كَما نفكِّر؟ لِماذا حين نظهرُ أمام الآخرين، نَبدو كما لَسنا نحنُ؟ ولِماذا نكتبُ غَير ما تصرخُ به عُقولنا؟ ولِماذا نَمشي كَما لَا يحلُو لَنا؟ ولِماذا نسألُ دائماً: لِماذا ينتحرُ الآخرون أو يقتلون، ولا نَسألُ لِماذا لا ينتحرُ الآخرون ويُقتلون؟ لِماذا هُناك بديهيَّاتٌ، وإذا تداخلت بأشياءٍ غَير بديهيّة على حين غرَّة، ما تلبث هذه الأشياءُ الغريبة، حتَّى تصبح بديهيَّة، كأن نقول: نعم، النَّاسُ في السُّويد، ينتحرون كثيراً، ونعم، النَّاسُ فِي سُوريَّا يُقتلون كثيراً. وعندما يَنتحرُ شخصٌ ما قريبٌ منَّا، نتظاهرُ بالمفاجأة، وحينما يُقتلٌ شخصٌ ما في مكانٍ قريبٍ منَّا، نتظاهرُ بالمفاجأة؟ ما أطوَل هذا السُّؤال.
هل المَدينةُ انعكاسٌ لأنفسنا؟ لتظاهُرنا الغريب بالمفاجأة؟
كان غريباً، ومفاجئاً ربَّما، أنَّنا انتبهنا فجأةً: النَّاسُ في حلبْ يُقتلون. ويتساءلُ النصُّ: كَيف نُدركُ المَوت حقيقةً، وكَيف نفضِّلُ القَتلى على القَتلى؟ كانَ النَّاسُ حلب يقتلون على مدار الخمسِ سنواتِ الأخيرة، ولا أدري بأيِّ وسيلةٍ، صارَ القَتلى ذوي شأنٍ أكبَر من ذي قَبل، والضَّحايا تلوَّنوا باللون الأحمرِ على الصفحاتِ الإلكترونيَّة.. وكانَ هُناك ضَحايا حتَّى في أماكن أخرى فِي اللحظة نَفسها، في الوقت نَفسه في مكانٍ آخر، في مدينةٍ أخرى، فِي شارعٍ آخر غير حلبيّ، ولَم ننتبه. هَل يَحتاجُ الضَّحايا أن يَموتوا جَماعاتٍ حتَّى نُصغي لصعودِ أرواحهم؟
يكتبُ الشَّاعر:”أنتَ تميِّزُ القَتلى بِقاتلهم، أعِدنا أيُّها البَحرُ”.
وقَبل أو بعد، الذَّهاب إلى الشَّاعر وما يَصدرُ عنه. إذن، حسناً، نَحنُ بحاجةٍ إلى حلبةٍ للرَّقصِ فَوق جثثِ المَوتى. وكلَّما كَانَت الحلبةُ أكثرَ اتِّساعاً ورحابةً وبَريقاً، كانَ الرَّقصُ أكثرَ جمالاً، وأكثَرَ بريقاً ورحابةً. كأن، ننشد، لحنَ باريس. يكتبُ الفَيلسوفُ، مستفيداً من حقِّه اللغويّ الفرنسيّ الأبيض بالتحدَّث:” إنَّ باريس: “هذه المدينة التي تتحدثُ في كلِّ لحظة عن نفسها”. ولَم تتوقَّف عن التحدَّث عن نفسها حتَّى اليوم، لقد وسَّعت من نَفسها ورحابتها، وأعلَت من شأن ضَحاياها.
النصُّ يقول: نحنُ مشوَّهون حدَّ البشاعة. مُغرقون فِي قرفِ هويَّاتيٍّ وانفِصامٍ هويَّاتي لا سَبيل إلى الخلاص منه. فلا بدَّ لَنا كَي نتغلَّب على قرفِنا من أنفسنا، وعلى اشمئزازنا البشريِّ من وحشيَّتنا وتعطُّشنا إلى المَوت: أن نتعصَّب لهويّةٍ، لموقفٍ، وأن ننادي بجُنون القتل علناً. أن نضحكَ حينما نسمعُ عن القتلى، وأن نبكي حينما نسمعُ عن القتلى ذاتهم. لَيلاً نبكي، ونهاراً نصيح: إلى جهنَّم، والعكسُ صحيح. لا شيءَ واضح، لا شيءَ حقيقي. لا مواقفنا، وَلا بُكاءنا ولا صُراخنا.
لِماذا لَا تفجَّر باريس؟ إنَّ هذا العالم صغيرٌ جداً، والتَّاريخ أيضاً صَغير. فلتفجَّر باريس، ولتفجَّر بلجيكا. وليتفجَّر العالم كلُّه، ربَّما يكونُ هذا هو الطَّريقُ الوحيدُ إلى الحقيقة. الحقيقةُ التي تُعطي الضَّحايا حُقوقهم اللغويَّة مرةً أخرى. لَيست باريسُ من تحرمُ الضَّحايا من حُقوقهم، ولَيست دِمشقُ بالتأكيد أو حلب، من تحرمُ نَفسها من حقوقها اللغويَّة مرةً أخرى.
فلأعد الكتابة مرةً أخرى. لقد توقَّفت. وعدتُ ومحَوتُ كلَّ ما كتبت من قبل، أقصدُ الفقرة السابقة. تذكَّرت النصَّ يتساءلُ لِماذا نكتبُ غير ما نفكِّر، فعدتُ وتركتُ الفقرة كَما هي، حتَّى ولَو كانت هكذا، من دون أيِّ داعٍ ولا أهميَّة.
فلأعد للمدينة مرةً أخرى. المدينة، على بعدِ متراتٍ ليست بالكثيرة ولا بالقليلة من دبَّابةٍ  وضابطٍ جمركي. مدينة مزدحمة. وجوه مكررة. الملابسُ ذاتها، الوجوه ذاتها، الهُموم ذاتها. في هذه المدينة الغارقة، بنفسها، كما باريس. يتحدَّثُ البشر بأصواتٍ مسموعة، مكررة، بكلماتٍ يحفظونها من قبل، يكرِّروها على مسامع بعضهم: نَعَم أنا أحبُّ الحَياة إذا ما استطعت إليها سَبيلا. نعم، وأحبُّ التنزه في الشَّوارع ليلاً، نعم وأحبُّ أن أملك حباً ما في حياتي. لِماذا لا تضحك؟ لِماذا لا تبتسم؟ الأشياءُ جميلة، الحَياة جَميلة ومبهرة أحياناً، هُناك ما يستحقُّ الحياة. إنَّ هوساً عامّاً بدأ منذُ سنين، في هذه المدينة الغارقة بنفسها، التي لا تتحدثُ سوى عن نفسها، هوساً عصابياً بالحَياة ومفردات السَّعادة. هَل كنَّا شعباً حَزيناً من قبل؟ ألَم نبتسم من قبل هذا اليَوم؟ ألَم نرقص رقصنا الشعبيّ على قارعات الطرق وفِي حارات المخيِّمات كلَّما تزوَّج أحدهم؟ ألَم نَفرح حينَما كنَّا نفرحُ ونحبُّ عندما كنَّا نحبُّ؟
النصُّ علَيه أن يوضّح أنَّ كاتبهُ يفضِّلُ البكاء على السَّعادة. وسيعود ليكمل:
لكنَّ الهَوس، تعبيرٌ عن حالةٍ من اليأس. تعبير عن موجاتٍ متدافعة، متراكمة، تعلو بعضها بعضاً، من اليأسِ والعجز اللّذين يعيشان فِي دواخلنا. الخَوفُ من المستقبل، من الغَد. الحَياةُ فِي وسَطِ التَّنافسُ. التَّنافس على كلِّ شيء. التَّنافس. الغيرةُ والجشع، الحسدُ والإنتقام، الخَوفُ من المَوت، المَوت. نحنُ نَخافُ الحَياة أكثرَ ممَّا نخافُ الموت.. هَذا ما لا نكتبهُ صَراحةً، هذا ما لا ننطقهُ صراحةً، هَذا ما يدفعُنا إلى تكرار كلماتِ حبِّ الحياة في كلماتنا حدَّ البلادة. إنَّ جنون حبّ الحياة هو تعبيرٌ عن اللاشعور الجمعيّ الخاصّ بالمدينة المؤلَّفِ من الخوف من الحياة نفسها.
الكتابة فَوق / على جدارٍ إلكتروني. كلماتٌ لا تتحدَّث عن نفسها. صَوتٌ مختنق في فصٍّ دماغيٍّ لا يعرفُ كَيف يخرج. ما علاقةُ باريس، بشعورِ العجز، والخوف، والكتابة، والصُّراخ الليليُّ المتواصل؟ والمدينة البعيدة عن الضَّابط الجمركيّ؟ ما علاقةُ الضَّابط الجمركيّ.
يقول: لَو أعطيتَني شَيئاً واحداً: لاكتفيتُ وعشتُ كَما أنا حتَّى أموت. ويغيبُ في شقَّته المتواضعة سنةً وتسألهُ بعدها: هل حصلت على ذلك الشيء؟ ويقول لا، وهل كُنت تنتظره في المكان المناسب؟ ويقول لا، لكنَّني أحبُّ أن أقول أنَّني انتظرتهُ حقاً.
النصُّ مفكك، غير مترابط، وغير متجانس، وغير قابلٍ للقراءة العقلانيَّة. النصُّ غير عقلاني أساساً، ولا علاقة له بالمنطق. إنَّه أشبهُ بتعبيرٍ عن ذاته المشوَّهة، المفككة أيضاً وغير المتجانسة. ذواتنا، عبءٌ نحملهُ مع أجسادنا. يقول الفيلسوف: كانَ يجبُ إعفاؤُنا من مشقَّة جرّ جسد، عبءُ الذّات وحدهُ كان كافِياً.
ماذا نُشبهُ؟ لقد تطرَّفنا. تطرَّفنا حدَّ الوقاحة. المَدينة تطرَّفت بما ذهبت إليه. وُحوش المال، وُحوشُ السُّلطة، وُحوشُ الأمن، تطرَّف الجَميع بما ذهبوا إليه. لا بدَّ من رؤية النَّار وهي تندلعُ في النِّهاية معلنةً بداية النِّهاية لكلِّ شيء. إنَّ أسوأ مَا فعله النِّظامُ، هُو مَنعُ الإنسان عَن الإتِّصال بغضبهِ بشكلٍ دائمٍ، وجعله مؤجَّلاً ومؤجَّلاً حتَّى النهاية. وفِي النَّهاية، لا نَرى إنساناً، بَل نرى أشباه بشر، وحشيُّون حتَّى الثَمالة، كَما هم بليدون الآن.
النصُّ مرةً أخرى يخرجُ عن النصّ. الكِتابة، حينما تتجرَّع كلماتها كما هي وتسكبها على الورق كَما هي. غير منمَّقة، غير مزيَّفة. لا تختارُ نفسها بنفسها، لا تفكِّر بنفسها فِي عيونِ الآخرين، لا تَرى ذاتَها صُورةً معلَّقةً على حائطٌ إلكتروني. ستبدو ربَّما بهذا الشَكل. فَوضوية، كعقولنا، وكَسولة في الوُصول إلى ما تريد، لأنَّها لا تعرفُ ما تريد. مثلَنا ربَّما. نحنُ نعرفُ ما لا نريدُ غالباً، لكنَّ ما نريدهُ، لا نرغبُ بهِ حقيقة، لأنَّ بيننا وبينهُ مئاتُ العواقب الكارثيَّة.
لقد صنعوا وحشاً. وصنعنا نحنُ وحشهم. النصَّ مرةً أخرى. النصَّ لا يفكِّر. النصُّ فقَط، يبدو متلهِّفاً للزَوال. زَوال البنايات الطويلة، والشَّوارع العريضة، والوجوه المكررة، والملابس الفخمة وذات الألوان الفاقعة والوُجوه المطليَّة بالفخَّار، والأظافر المطليَّة بالزُّجاج.
على مشارفِ النِّهاية. يبدو الوَقت. يَبدو المكان. المَدينة، على بعد أمتارٍ ليست بالكثيرة ولا بالقليلة من دبَّابةٍ، وضابطٍ جمركي، وشرطي بذاكرتين مختلفين. المدينة، ساكنة، بطيئة، تزحفُ على بطنها، خائفة ومرتعدة، ولكنّها لا تتحدثُ سوى عن نفسها. كلماتٌ في الليل، تخرجُ على شكلِ خواطر صغيرة:”أنا خائف! مرتعد. أريدُ ما لا أنا عليه. أريدُ أن أتفجَّر، أتشظَّى. أكتب، أو أصرخ. أريدُ أن يزول هذا العالم بأقرب وقت. نعم لديَّ جنون للقتل. لديَّ جنون للتفجير. نعم، هذا هو لاشعوري بالعجز. نعم، ولكنِّي لا استطيعُ فعل هذا. غداً صَباحاً سأخرجُ وأجلسُ بجانبِ شخصٍ ربَّما أنافسهُ على حقِّه بجزءٍ صغيرٍ من الحَياة، ولَن أراه، سأمنعُ نفسي من رؤيته كَي لا يزيد اشمئزازي منهُ ومن نفسي. وسأمشي في الطَّريق، خائفاً ممَّن ورائي وممّن أمامي: كَيف أبدو؟ جيّداً؟ بخير؟ جميل؟ وَسيم؟ قبيح؟ قبيحٌ بشكلٍ بشع؟ هل تكلَّمت جيداً؟ هل يكرهُني؟ هل يحبُّني؟ أين أنا الآن؟ تباً.. “.
النصُّ سخيف. سخيف حدَّ البلاهة أحياناً. الكتابة فوق الجدار الإلكتروني كارثة. مصيبة. نحنُ مراقبون. صوري الشخصيَّة حولي تراقبُني، نظرات غسَّان تركِّز تحديقَها الأبديَّ، كلمات، كلمات، كلُّ شيءٍ كلمات. إنَّهم يراقبون الكلمات. كلُّ شيءٍ يُراقبُ الكلمات، يُراقبُ اللغة، الأحرفُ مراقبة بصرامة. الصَّرامة تدفع إلى الجنون. الجُنون يدفعُ إلى الجنون.
النصُّ مَن يتحدَث. ومن يكتبُ النصُّ يكتبُ النصَّ وفقط. الكِتابة فَوق الجدار، على الورق، حينما تَكونُ مراقبة، حينما يُنتظرُ منها شيئاً، حينها فقط: ستتكلَّم بغير ما تفكِّر، وتصرِّح بغيرِ ما ترغب، وتخلقُ أقنعتها لنفسها بِلا توقَّف. النصُّ يستعيدُ ذاته مرةً أخرى ليؤكَّد على هويَّة الكلمات ويَنزع هويَّة الكاتب وأقنعته جميعاً. أمامَ غَوغاء المُراقبة: لا بدَّ إذَنْ من الكتابة لَيلاً، فِي الخفاء.