الكنيست ليست قدراً: رسالة إلى شعبنا في فلسطين المحتلة عام 1948

٠٦ آذار ٢٠١٩

أنا فلسطيني مهجَّر من قرية فلسطينيَّة اسمها بيت جبرين هجرت ما بعد إعلان إقامة إسرائيل. ولدت وما أزال أعيش كلاجئ في مخيم عايدة للاجئين في منطقة بيت لحم، ولي أقارب وأصدقاء في فلسطين المحتلة عام1948. وبحكم الواقع، وانتمائي لشعبي، وإيماني بحقوقي، وفي ظلّ تعالي خطاب "ضرورة المشاركة في انتخابات الكنيست كواجب وطني"، أرى أن من واجبي أن أكتب هذه الرسالة المفتوحة لكم، لكي أقول: لا للانخراط في المنظومة الاستعمارية، وأن مشاركتكم فيها مساس بي، بكل شعبنا، وبحقوقنا. نعم، لم تنصفكم منظمة التحرير الفلسطينية، وبلا شكّ خانتكم وخيبت آمالكم أوسلو وسلطتها، وربما لم نقدّر دوركم كما يجب، ولكن كل هذا وغيره من مزاعم "شمّاعة الخصوصيَّة" لا يبرّر الانخراط في منظومة المستعمر.

استمعت مؤخراً لعدد من قادة الأحزاب والكتل الفلسطينيَّة في الداخل الذين/اللواتي يدعون شعبنا للمشاركة في انتخابات الكنيست. وقرأت العديد من المنشورات ذات الصلة التي تعرض لمبرّرات المشاركة، التي أرفضها مبدئيَّاً. ويمكنني تلخيص تلك المبرّرات في أربعة ادعاءات رئيسة هي: المساواة على أساس المواطنة الكاملة، نصرة وإسناد حقوق الشعب الفلسطيني، خصوصاً في الأرض المحتلة عام 1967، منع اليمين الإسرائيلي من السيطرة على الحكومة، رفع الصوت الفلسطيني وتعرية إسرائيل عالمياً.

قبل تفنيد هذه المبررات لا بد أن أقول إنَّني أحسست بمرارة شديدة أصابتني بعمق، ولا شك أنَّها أصابت الكثيرين غيري، وهذا ما يدفعني لكتابة هذه الرسالة.

الحقيقية أنني أحسست بإساءة عندما أكدت مرشحتان للكنيست في مقابلتين تلفزيونيتين كل على حدة، أن دخول الكنيست ضروري ليس لـ"عرب 48" وحسب، بل لكل الفلسطينيين في كل مكان لأنَّ الكنيست منبر للدفاع عن حقوق كل الفلسطينيين في أي مكان. عذراً أيها المرشحون والمرشحات، أنا لا يمثلني عضو في كنيست يضفي شرعيَّة على المستعمر، ولا حتى سلطة بوظيفة أمنية، ولا قوى انخرطت في أوسلو، لأنَّ في ذلك هدر لحقوقي بالكامل ومساس بكرامتي.

بشكل شخصي، أقول وقد بلغت الخمسين من العمر: إن الاحتلال استطاع أن يقمعني، ويحرمني من طفولتي، ويسجنني، ويعذبني، ويعاقب أسرتي، ويفرض عليّ كثيراً من القيود على التعليم والحركة والسفر وغيره، واستطاع أن يدمي القلب بالنيل من أصدقاء وأقارب - بعضهم ما يزال في السجن منذ ما قبل أوسلو وبعضهم قضى شهيداً، لكن الاحتلال لم ينل يوماً من كرامتي... تماما كملايين غيري من أبناء شعبنا.

 المسألة هنا ليست أغلبيَّة وأقليَّة، ليست نهجاً سائداً وأطرافاً أو أصواتاً يتم إقصائها بدعوى ضرورات المرحلة وللمحافظة على مكتسبات هي في نهاية الأمر وهمية. هناك حقوق شخصيَّة وفرديَّة لا إنابة فيها ولا تفويض؛ وبالتالي لا حق لأحد أن يدَّعي أنَّه يمثل الكل. هناك حقوق جماعيَّة لا يمكن وضعها موضع التطبيق إلا بضمان الحقوق الفرديَّة مقدَّماً، وبالتالي لا يجوز حرق المراحل بامتطاء المنابر بدعوى التمثيل والشرعيَّة. فلتعلموا ولتعلمن أنني ابحث عن السلام في وطني ولوطني، وليس مع المستعمِر كما أوسلو، وأريد المساواة والمواطنة في وطني وليس مع مستعمِر أو في دولة المستعمِر. إنَّ معيار الشرعيَّة لأيّ حركة تحرّر هو مدى الالتزام بالحقوق فعلياً وليس شرعيَّة اتفاقيات أو انتخابات تجري بشروط المستعمِر والمستبِّد وآلياته. في السياق الفلسطيني، الشرعيَّة الوطنيَّة التحرّرية ليس شرعيَّة اتفاقيَّة الهزيمة – أوسلو، وبالتأكيد لا تُستمد من الدخول الى الكنيست بموجب قانون المستعمِر وديمقراطيَّته المزيفة.

قد يقال إنَّ "في رأسي مي/مياه عتيقة"، ولن يضيرني ذلك ما دام يبعث فيّ إحساساً بالتصالح مع الذات ومع هويتي وانتمائي. هذه "المي العتيقة" جعلتني أرفض المشاركة في انتخابات أوسلو الرئاسيَّة والتشريعيَّة على الدوام وعن اقتناع تام. ولست أجافي الحقيقة إذا قلت إنَّ أحد أسباب رفضي - كان وما يزال- إقصائكم واعتباركم "شأناً اسرائيليَّاً داخليَّاً" من قبل صنّاع أوسلو. أكثر من ذلك، طالما آمنت ودعوت إلى تمثيلكم في المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ على قاعدة لكل فلسطينيّ/ة صوت وإنَّ الحجة القائلة بأنَّ لكم وضعاً خاصاً لتبرير إقصائكم زائفة، تماماً كما هو إقصاء مجموعات أو تجمعات فلسطينية بحجة صعوبات عمليَّة ودعوى الواقعيَّة. وأزيد على ذلك، ليتكم كنتم هناك، عندما شبّ فلسطينيون لإفشال إقرار مشروع قانون الجنسيَّة الفلسطينيّ الذي وضعته سلطة أوسلو وحاولت تمريره بعد أن حصلت على قرار الاعتراف بفلسطين كدولة عضو مراقب في الأمم المتحدة وأقصتكم منه، بل وأقصت فئات وتجمعات فلسطينيَّة أخرى. يومها، لم تُخصَّص لكم مقاعد في تلك القاعة في رام الله ولكنَّكم كنتم حاضرين بقوة. إنني أؤمن بوحدة شعبنا وأرفض أي تجسيد لتجزئة شعبنا، وما انتخابات أوسلو التشريعيَّة أو الرئاسيَّة، أو الكنيست الإسرائيليّ التي تسوّق علينا بدعوى تجسيد حضورنا أو إثبات حقنا والدفاع عنا... إلا تجسيد لتجزئة شعبنا ومساس بهويته وبحقوقه الأصيلة في فلسطين، وتقرير المصير، والعودة.

آه لو تعرفون كم يستفزّني ويؤلمني تشويه صورتكن/م عندما يستخدم البعض مصطلحات مثل "جماهير" و"جمهور" و"عرب الداخل" أو "عرب 48" و"أقلية" و"الفلسطينيين/العرب مواطني إسرائيل" وخلافه من الاصطلاحات - التي هي إما صنيعة الاستعمار نفسه، أو ناشئة عن الخضوع له. أنتم جزء أصيل من الشعب الفلسطيني، وأي توصيف يقلل من هويتكم، أو يتماهى مع حالة الاستعمار أرفضها ولا أقبلها لكم. ليس هذا من باب التعصّب القومي الأعمى، أو الرومانسيَّة الحالمة، أو التعامي عن الواقع، أو المزايدة، بل لأنَّني أدرك أنَّه في ظلّ الوضع الخاص بكم وبشعبنا، يصبح لأيّ توصيف دلالة حقوقيَّة وسياسيَّة. وكل التسميات الواردة أعلاه، تنتقص من هويتكم، وقدركم وحقوقكم والمستقبل السياسيّ لكم ولشعبنا وقضيتنا. فمصطلح "جماهير" مثلاً لا ينطوي على أي دلالة حقوقيَّة بالمعنى القانوني، ومصطلح عرب كذا أو كذا ينال من الهوية القوميَّة - الوطنيَّة وينطوي على إقرار ضمني بماهيَّة الدولة اليهوديَّة. أما مصطلح أقليَّة فينتقص من حقوقكم، خصوصاً السياسيَّة، لأنَّه بموجب القوانين الدوليَّة النافذة فإنَّ مركَّبات الحق في تقرير المصير للأقليات القوميَّة أو الدينيَّة والإثنيَّة أقل منها بالقياس إلى مركَّبات حق تقرير المصير المعترَف به للشعوب. أما مصطلح "الفلسطينيون مواطنو إسرائيل" فإنَّه وإن صحَّ "قانونيَّاً"، إلا أنَّه سياسياً ووطنياً مصطلح استعماريّ بامتياز، ليس لأنَّه يضفي على إسرائيل الشرعيَّة وحسب، بل لأنَّه يقرّر أنَّكم مواطنون في هذه الدولة، والمواطنة تقتضي ممارسة الحقوق والواجبات بانتماء وإخلاص للدولة، خلافاً لمجرد اكتساب الجنسيَّة التي لا تعدو أكثر من إطار ناظم للحقوق والواجبات ولكنَّه لا يشترط ممارسة تلك الحقوق والواجبات بانتماء للدولة بنظامها ومجتمعها كما تقتضي المواطَنة. وعليه، سأخاطبكم بما يليق بكم كجزء أصيل من شعبنا، لستم جماهير، أو جمهوراً، أو أقليَّة، أو "شأناً إسرائيليَّاً داخليَّاً"، أو مواطني إسرائيل؛ أنتم جذر شعبنا المتأصِّل في الأرض وفينا.

يا شعبنا في فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨،

أدرك أن الاحتلال بغطرسته لا يزال يتنكر لحقوقي ووجودي، وأنَّ حالة الانهيار الفلسطينيّ الرسمي التي نشهدها تنبئ بمزيد من السقوط، ولكنَّني ما زلت أؤمن أنَّ في شعبي طاقة كافية لصون حقوقي وحقوق من مضوا وحقوق الأجيال اللاحقة. دون انتقاص من أيّ شخص، أو حزب، وليس من باب المزاودة أو التخوين بالطبع، أسمح لنفسي وأرى أنَّ واجبي كفلسطيني أن أتناول عبر هذه الرسالة تلك المبرّرات بشيء من التعليق والنقد، لأنَّ لي حقوقاً ولن أسمح بهدرها، ولأن لي حقّاً عليكم.

فيما يتصل بدعوى النضال من خلال الكنيست من أجل تحقيق المساواة والمواطنة الكاملة ولتحسين الخدمات المقدَّمة لشعبنا الفلسطيني في فلسطين المحتلة عام 1948، ورغم أنَّني لا أعيش في الداخل المحتل، إلا انَّني أعرف القليل عن الوضع عندكم وأتساءل: هل التمييز وعدم تحقّق المساواة عبر سبعين سنة ناشئ عن عدم شرعيَّة الحق نفسه، أم عن عدم كفاءة المطالبين به، أم عن عقم الوسيلة "النضاليَّة" (أي المشاركة في الكنيست)؟

لا جدال في شرعيَّة الحقّ في المساواة، وأيضاً لا أجادل في الكفاءة الشخصيَّة لمن تصدَّروا المشهد من قيادات وأحزاب، إنَّما يجدر النظر في الوسيلة والاستراتيجيَّة. تعلَّمنا من قوى التحرر التي انتصرت على مرّ التاريخ، أنَّ القصور لا يكون في الحق، وأنَّ التقصير لا يجوز أن يُنسب إلى الشعب صاحب الحق، إنَّما قد يكون خللاً في استراتيجيَّة التغيير نفسها، والحديث هنا عن الأشكال النضاليَّة في التعامل مع النظام المستبد أو الاستعمار القائم.

ضمن هذا السياق، أرى أنَّ البحث عن المساواة وخدمات أفضل لا يكون عبر نظام صمم ليكون عنصرياً حتى قبل أن ينشأ. إنَّ العنصريَّة والتمييز والإقصاء والاستعمار ليست مكونات أيدلوجيَّة للصهيونيَّة وإسرائيل وحسب، بل هي شرط بقاء إسرائيل. وعليه، أتساءل وأتمنى عليكم أن تتساءلوا معي:

هل المشاركة في الكنيست حتى لو بلغ التمثيل أقصاه (احتلال مقاعد بنفس نسبتكم) يمكن لها أن تلغي أو تعدل مثلاً قانون منع التسلل لعام 1954 وتعديلاته (يحرم الفلسطيني من العودة)، أو اتفاقيَّة الدولة مع الصندوق القومي اليهودي ودائرة أراضي إسرائيل (جعل أرض إسرائيل للشعب اليهودي حصراً)، أو قانون العودة الإسرائيلي وتعديلاته (يمنح حق العودة لأي يهودي أينما كان في العالم ويحرم أهل البلاد من العودة)، أو قانون أملاك الغائبين (الاستيلاء على أملاك أكثر من 6.5 مليون لاجئ وأكثر من 384 ألف مهجَّر داخلي في فلسطين 48 من العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم)، أو قانون المواطنة وتعديلاته (القائم على معايير عنصريَّة تستخدم كأساس للتمييز بين المواطن "الفلسطيني" والقومي/الوطني "اليهودي")؟

هل مشاركتكم يمكن لها أن تبطل تواطؤ ما يسمى بمحكمة العدل العليا التي أبطلت قرار عودة مهجَّري إقرث وكفر برعم؟

 هل استطاعت مشاركتكم التي أنتجت القائمة المشتركة أن تبطل ما يسمى بقانون القوميَّة (قانون أساس) الذي يحصر تقرير المصير في كل فلسطين باليهود الإسرائيليين، ويجعل قيم الصهيونيَّة والاستيطان قيماً عليا للدولة، ويلقي بلغتكم في مهب الريح؟

ربما هي مسائل كبرى، وقد تبدو للبعض غير ذات أثر على الحياة اليومية لشعبنا في فلسطين المحتلة عام 1948، ولكنَّها تبقى جوهر المسألة. ورغم ذلك، تعالوا نتساءل سوياً عن أثر المشاركة في الكنيست على الخدمات والظروف الحياتيَّة:

هل المشاركة في الكنيست حتى لو بلغ التمثيل أقصاه (احتلال مقاعد بنفس نسبتكم) يمكن لها أن تؤدي إلى منحكم حقّ إنشاء وتخطيط مدن فلسطينيَّة (لم يتم انشاء مدينة واحدة منذ النكبة)، أو حق توسيع المخطَّطات الهيكليَّة بحسب الحاجة (البلدات الفلسطينيَّة تضيق ولا تتسع)، أو إلغاء الحظر عليكم السكن في أكثر من 470 بلدة وتجمعاً يهوديَّاً إسرائيليَّاً، أو إلغاء ما يسمى بلجان القبول ذات المعايير الصهيونيَّة العنصريَّة (لها حق تقييم صلاحيَّة/أهليَّة الشخص "الفلسطيني" طالب السكن في تجمعات معيَّنة)؟  

هل تحسين خدمات المياه، والكهرباء، والصحة العامة، والرعاية الصحيَّة، والتعليم، وخدمات الرفاه الاجتماعي والثقافي تستدعي المشاركة في الكنيست، أم أنَّها مسائل مدنيَّة يمكن انتزاعها عبر مجالس بلديَّة ومحليَّة وطنيَّة؟

إنَّ البحث عن المساواة عبر منظومة صُمّمت ليس لتكون عنصريَّة وحسب، بل صُمّمت لتكون العنصريَّة والتمييز شروطاً لوجودها وبقائها، هو أمر مستحيل. إنَّ البحث عن تحقيق المساواة في منظومة كهذه لا يعدو كونه إقراراً بصحة وعدالة التنافس ما بين المالك الثري المسيطر المتنفذ من جهة والمعدم (إلا من ذاته جسداً وروحاً) من جهة ثانية. كما يتفق الغالبيَّة من فقهاء القانون وعلم الاجتماع السياسي والفلاسفة وغيرهم، أرى أنَّ المساواة مستحيلة إذا كان الانطلاق يبدأ من عدة نقاط متباعدة، أو من عدة مستويات متفاوتة. أرى أنَّ خدمة شعبنا في الداخل المحتل تقتضي تغيير الوسيلة، لأن المساواة تصبح ممكنة عندما نبدأ من نفس النقطة لا أدنى ولا أعلى. وبلا شك، البدء من نفس النقطة يستحيل تحقيقه بوسيلة الكنيست. الدعوى بأنَّ الكنيست هي "وسيلة نضاليَّة" و "ساحة نضال" تكون منطقيَّة فقط إذا كنتم تعتبرون أنفسكم مواطنين ينتمون لدولة المستعمِر وليس مجرَّد حاملي جنسيَّة فُرضت عليكم.

أما فيما يتصل بحجة خدمة/نصرة الأهداف الوطنيَّة لشعبنا الفلسطينيّ في كافة الأماكن، فإنَّه من الثابت أنَّها مسائل لا تعالَج من على منبر الكنيست. إنَّ أهداف "كنس الاحتلال" أو "إقامة الدولة الفلسطينيَّة في أراضي 67" أو "وقف الاستيطان في الضفة"...إلخ. كما يقدمها لنا المترشحون والمترشحات طريقها معروف. وعلى الأقل جميعنا (حتى المشاركين أنفسهم) ندرك أنَّ ذلك لا يكون بالاستعراضات الكلاميَّة والمسرحيَّة، ولا بمقاطعة كلمات أعضاء صهاينة، أو بالانسحاب من جلسات تستشري فيها العنصريَّة.  لدى شعبنا الكثير الكثير من الخطباء والقادة المهرّجين. ويدرك شعبنا كيف أجبر المستعمر على التراجع عن إقامة البوابات الإلكترونيَّة في القدس، كما يدرك أن إلغاء برافر رسميَّاً (الذي ما زال يجري بوسائل أخرى)، وإبطاء تهويد الجليل (الذي ما زال جارياً) لم يسقط بالتصويت في الكنيست.

فيما يتصل بحجة منع سيطرة اليمين، ورغم أنَّ تصنيف أحزاب المستعمِر إلى يمين ويسار يذكّرني بلعبة – خدعة المحقق الشرس والمحقق اللطيف، إلا أنَّه لا بأس من التذكير بأنَّ اليسار الإسرائيلي المزعوم يبقى صهيونيَّاً كيفما قلبته. والصهيونيَّة حركة سياسيَّة استعماريَّة بأيدلوجيا عنصريَّة. يلزم التذكير بأنَّ أبشع ما لحق بشعبنا منذ النكبة كان بقيادة حكومات وُصفت بأنَّها يساريَّة أو على أقل تقدير غير يمينيَّة. ويبدو أنَّه يلزم التذكير أيضاً أنَّ أكثر اليسار الإسرائيليّ يساريَّة يتنكر لحق أكثر من 8.4 مليون لاجئ ومهجَّر بالعودة إلى ديارهم وممتلكاتهم. يلزم التذكير أنَّ كثيراً من الفنانين والأدباء اليساريين والمثقفين الأكاديميين الليبراليين وغير اليمينيين يحتلون أجمل البيوت الفلسطينيَّة في مختلف أرجاء فلسطين كما في عين حوض، وعين كارم، وطالبيَّة القدس... والتخطيط جار لاحتلال بيوت لفتا وغيرها لأنَّها خلابة مناسبة للإبداع! فأيّ يساريّ أو ليبراليّ متحرِّر هو ذا الذي يتنكَّر لحقوقي ويحتل بيت جدي! هذا اليساريّ أو الليبراليّ المتحرّر، ومهما كانت أيدولوجيَّته، يبقى مستعمراً ما دامت يساريَّته وليبراليَّته قائمة على اغتصاب حقوق الغير، والتمتع بامتيازات على حساب ملايين اللاجئين. عندما تجدون حزباً أو حركة تعترف بالمسؤوليَّة التاريخيَّة والقانونيَّة والأخلاقيَّة عن الجريمة، وجاهزة للتنازل عن كل الامتيازات التي سُلبت منا أصلاً، وجاهزة للوقوف في صف مقاومة المستعمِر فعليَّاً، يمكن القول عندها أنَّ هنالك يساراً يمكن الالتقاء معه لتفكيك المنظومة الاستعماريَّة وليس لمنع اليمين من احتلال مزيد من مقاعد الكنيست. أما بالنسبة لي، فلا يمين ولا يسار المستعمِر أحنّ عليّ من بلادي ولا أعزّ عليّ من حقوقي وكرامتي.

أما حجة مخاطبة العالم لتعرية إسرائيل وفضحها وللدفاع عن حقوق شعبنا وبافتراض أنَّ العالم يجهل الحقائق، ولا يرى انتهاكات إسرائيل فإنَّ السؤال يبقى: هل التواصل مع سائر هيئات الأمم المتحدة، والهيئات الإقليميَّة، والدول منفردة، والشعوب أيضاً يحتاج إلى حصانة الكنيست؟ للعلم، هناك مؤسَّسات أهليَّة (بعضها مصنف إسرائيلياً بأنَّها إرهابيَّة)، وصلت منذ عشرات السنين بما فيها مؤسَّسات فلسطينيَّة من فلسطين المحتلة 1948؛ إلى سائر الهيئات الدولية سواء عبر تقاريرها أو مؤتمراتها أو لقاءاتها المباشرة بأعلى المراتب، وأدَّت دورها كهيئات حقوقيَّة مهنيَّة ووطنيَّة دون الحاجة إلى حصانة ومقاعد الكنيست.

اتفق أنَّ مخاطبة "العالم" بما فيه هذه الهيئات ضرورة، ولكن كي لا يتحول هذا الأمر الى مهرجانات تصفيق، وشحادة، واستجداء، يلزم أن نعرف كيف وعلى أي أساس ومتى نخاطب العالم، لأنَّ هذا العالم لا يحترم الضعفاء ولا المتسولين على أعتابه ولا يقيم وزناً للنداءات والمناشدات مهما كانت إنسانيَّة وقانونيَّة! من الأمثلة الحيَّة القريبة مثلاً أن يكرّر الرئيس الفلسطينيّ في آخر سبع سنوات في خطاباته في كل المحافل مطالبته العالم بجعل العام الحالي أو التالي عام تحقيق الدولة الفلسطينيَّة والتي لم تتحقق عبر قرابة ثلاثين سنة من التفاوض واستجداء العالم. الحقيقة ليس هناك شعب أو "قيادات" شعب خاطبت "العالم" كما هو حال الفلسطينيين، ولكنَّ الشعوب الأخرى استقلَّت بينما لم تثمر خطابات "القيادات الفلسطينيَّة" إلا عن مزيد من الاستعمار والعنصريَّة وقلة الكرامة.

لم يعد خافياً على أحد أنَّ العالم يعرف جيداً ما يجري، ولكنَّه لا يتحرَّك ولم يتخذ إجراءً عمليَّاً واحداً لمصلحة شعبنا. إنَّ أهم اللجان الدوليَّة المتخصِّصة مثل اللجنة الدوليَّة لمناهضة كافة أشكال التمييز العنصريّ، واللجنة الدوليَّة للحقوق المدنيَّة والسياسيَّة، واللجنة الدوليَّة للحقوق الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة، والمقرَّر الخاص لحقوق السكن الملائم وغيرها ضمّنت تقاريرها تفاصيل جمة عن انتهاكات إسرائيل لحقوق شعبنا في فلسطين المحتلة عام 48، وقدمت توصيات كثيرة ولكن لم تمتثل إسرائيل لأي منها. وللعلم أيضاً، في ردّها على عدد من تلك اللجان والدول التي سعت إلى إدانتها استخدمت إسرائيل مشاركة العرب في الكنيست كحجة دفاع عن ديموقراطيتها واحترامها لحقوق الإنسان، وسعيها الحثيث لتحقيق المساواة والعدالة.       

يا شعبي في فلسطين المحتلة عام 1948، صحيح أنَّه بمقياس النتائج الكليَّة/النهائيَّة لم ننتصر بعد تقديم عشرات آلاف الشهداء وأكثر من مليون فلسطينيّ تعرَّضوا للأسر، وكثير كثير من التضحيات التي يسميها البعض مغامرة، ولا واقعيَّة أو عبثيَّة...إلخ، ولكن لولا أولئك الشهداء وتلك التضحيات ما كان لنا حضور ولا وجود. لولا هؤلاء ما كان لنا أن نحظى ببعض عزة وكرامة، لولا نضال وصمود أحرار مثل كريم يونس ووليد دقة (والقائمة طويلة) الذين لم يخضعوا ولم تحرّرهم أوسلو ولا المشاركة في الكنيست، لأصبحنا كالهنود الحمر محاصَرين في محميات يمر ببقايانا الباحثون وربما المتنزهون للاطلاع على ثقافة شعب بائد.

الكنيست ليست قدراً. احفظوا لنا جميعاً كرامتنا وعزّتنا، وقولوا لا للانخراط في المنظومة الاستعماريَّة ولن تخسروا غير الإقصاء والمذلّة.