المتطلبات الثقافيَّة في جامعة بيرزيت: بين النمطيَّة والتجديد

٢٦ آذار ٢٠١٧

لا يمكن لأيِّ طالب في جامعة بيرزيت أن ينهي تجربته الجامعيَّة دون أن يتعرَّف في طريقه على الأفغاني ومحمد عبده، أو يقرأ شيئاً من ماركس وكانط، أو يسمع بأسطورة "المسادا"، من خلال مساقات المتطلبات الجامعيَّة التي تطرحها دائرة الفلسفة والدراسات الثقافيَّة.

يتعرَّض الطالب -أيّاً كان تخصصه- في هذه المساقات وهي: الحضارة الأوروبية الحديثة والمعاصرة، والفكر العربي المعاصر، وفلسطين: القضية والهويَّة إلى مجموعة من القراءات والنقاشات نقديَّة الطابع، تشكِّل منصّات نادرة للطلبة لخوض نقاشات حول التاريخ الفلسطينيّ والعربيّ والأوروبيّ، والفكر النهضويّ التجديديّ والإصلاحيّ على اختلاف مشاربه.

صور نمطيَّة

تواجه مساقات  الحضارة الأوروبية الحديثة والمعاصرة والفكر العربيّ المعاصر مجموعة من الصور النمطيَّة، التي ترى فيها منصّات  لنشر الإلحاد والأفكار المعادية للدين. في هذا السياق، توضِّح د.هدى عوض، رئيسة دائرة الفلسفة والدراسات الثقافيَّة، أنَّ هذه القوالب المتداولة هي إحدى الصعوبات التي تواجه الدائرة وتؤدي إلى "تأطيرها ضمن سياقات دينيَّة لا تمت لأهداف الدائرة بصلة". وتؤكد عوض أنَّ الهدف الذي تسعى إليه الدائرة من خلال هذه المساقات هو "طرح العديد من المواضيع الجدليَّة في المجتمع، والنابعة من مشاكل وأحلام وطموحات الجيل الجديد، بعيداً عن التأطير والصور النمطيَّة".

ولا تقتصر الصور النمطيَّة على هذين المساقين فحسب، بل تتسع لتشمل مساق "فلسطين: القضيَّة والهويَّة"، الذي يسعى الدكتور -في الدائرة ذاتها- عبد الرحيم الشيخ من خلاله إلى تقديم نموذجاً جديداً وغير نمطيّ لموضوع المساق: فلسطين. حيث يستعرض المساق فلسطين التاريخيَّة دون التقيُّد بكتاب أو منهج دراسيّ مسبق، وإنَّما من خلال قراءة مقالات متنوعة وتحليلها، وعرض أفلام ومناقشتها مع الطلبة، في إطار تفاعليّ هام. ما يجعله في نظر الطالبة، في تخصص علاج النطق والسمع سامية زعرور "مساقاً هاماً لإخراج الطالب من حالة التجهيل التاريخيّ والسياسيّ التي تورثه إيّاه المناهج العقيمة في المدارس".

 

مساقات اختياريَّة أم إلزاميَّة؟

تؤكِّد د.عوض على أهميَّة كون المساقات إلزاميَّة للطلبة من كافة التخصصات، وتعدُّها علامة مميَّزة لجامعة بيرزيت في تأكيد دورها كصرح وطنيّ متميِّز فكرياً ومجتمعياً. كما وترى عوض أنَّ هذه المساقات تشكِّل مدخلاً لكثيرٍ من الطلبة حول مفاهيم هامة في السياق الفلسطيني: كالهوية والتحرُّر. كما تطرح أسئلةً يجيب عنها الطلبة أنفسهم في محاولة لهدم القوالب الفكريَّة الجاهزة، وبناء طرق جديدة للتفكير، وهي تكاد تكون الفرصة الوحيدة للطلبة الجامعيّين في التعرُّض لمواضيع تمس حياتهم اليومية بشكل مباشر.

 وهو ما تتفق معه طالبة الهندسة المعماريَّة رزان بليدي، إذ ترى أنَّه من الضروريّ أن يتعرَّض كلُّ طالب لهذه المساقات "لتعزيز ثقافة قبول الآخر والابتعاد عن إطلاق الأحكام المطلقة".

"ما هو دوري؟"

يرى سامر كراجة، وهو طالب في كليَّة التجارة، في هذا التساؤل أحد الأسئلة الجوهرية التي تطرحها مساقات الدراسات الثقافيَّة، إذ تصب في معرفة التاريخ من ناحية، وفي تفكيك الجمود العقليّ من ناحية أخرى. وهي المعرفة التي يرى فيها "واجباً أخلاقياً تجاه الوطن والمجتمع والمحطات الهامة فيه". كما يؤكد على أهميَّة المساحات التي تقدمها هذه المساقات للطلبة في التعبير عن أنفسهم، والتي تفتقر إليها الكثير من التخصصات الأخرى. وتتفق معه طالبة الهندسة المعماريَّة رغد سقف الحيط، إذ ترى أنَّ كثيراً من التخصُّصات "تفتقر إلى البعد الثقافيّ، خاصة التخصُّصات ذات التركيز العلميّ البحت، مما يخلق حالة من التذمر والملل داخل التخصص، كما يقطع العلاقة الاستنباطية التي يفترض وجودها بين مواد التخصُّص والمواد الثقافيَّة التي تطرح بأسلوب نقديّ وتفكيكيّ".

تحيط بمساقات الدراسات الثقافيَّة هالة تكسبها أهميَّة لا يمكن إغفالها، بالرغم من القوالب التي تلصق بها، جاعلة منها "حالة" ينبغي تأملها، والإمعان في ما تخلقه من تساؤلات ونقاشات بين الطلبة، المؤيد منهم و المعارض. التساؤلات التي ربما تشكل أحد أهم الأهداف، التي تسعى هذه المساقات إلى تحقيقها، في سعيها للبحث عن إجاباتٍ "لا قوالب لها".