المرأة السودانيَّة وصناعة الثورة

٠٧ آذار ٢٠١٩

ترجمة: ميرا الفارس

أعلن الرئيس السوداني عمر البشير يوم الجمعة حالة الطوارئ لمدة عام واستبدل جميع حكام الولايات الحاليين بمسؤولين عسكريين لمواجهة الاحتجاجات الأكثر استمراراً منذ وصوله إلى السلطة قبل 30 عاماً. خلال الشهرين الماضيين، عبَّر الشعب السوداني عن يأسه في الشوارع، وكانت النساء في الصفوف الأولى من الانتفاضة وطنيَّة. تحدثت ناديا مع العديد من النساء السودانيات اللواتي يناضلن بشكل فاعل ضدَّ النظام، وتخاطر بعضهنّ بحياتهنّ من أجل مستقبل أفضل.

منى وأمينة*، طالبتان في العشرينيات من العمر تعيشان في العاصمة الخرطوم. شاركتا في الاحتجاج منذ اندلاع الأحداث في بلدة السكة الحديديَّة – عطبرة في التاسع عشر من كانون الأول. ظلَّ الرئيس البشير واقفاً في وجه الاحتجاجات، وردَّت القوات الحكوميَّة بعنف ومن دون رحمة.

"إنَّه لأمر مخيف جداً، مخيف للغاية" تقول منى عن المشاركة في الاحتجاجات، وأضافت، "يضربون [قوات الأمن] الناس بشدة ويحتجزوهم ويتحرشون بالنساء جنسيّاً ويسيئون معاملتهنّ."

تشرح منى وهي في عامها الخامس من دراسة الطب، كيف تم إلغاء جميع جولات المستشفى لأسباب تتعلق بالسلامة. وتقول إنَّه بعد التظاهرات، تهاجم قوات الأمن المستشفيات وتطلق الرصاص والغاز المسيل للدموع بينما تبحث عن المتظاهرين المصابين.

تم القبض على قريبتها أثناء مظاهرة بعد أن تعرَّضت للضرب في سيارتهما. أفرجوا عنها بعد أن هددوا باعتقالها إذا ما تمّ العثور عليها تتظاهر مرة أخرى.

تم أيضاً القبض على أمينة، حيث كانت تتظاهر في ليلة رأس السنة في السوق العربي وهو جزء قديم من البلدة، اعتقلتها قوات الأمن هي واثنين من أصدقائها، وقد تعرضوا للضرب في شاحنات الشرطة، ثم نُقلوا إلى عربة مليئة بالمحتجّين.

"ضربونا هناك" تخبرنا أمينة. "وجدت قوات الأمن خلاً في حقيبتي، أجبروني على شربه، وسكبوه علي."

تضيف أمينة أنَّه تم فصل النساء عن الرجال وتم نقلهم الى مركز قوات الأمن. احتُجزت هناك لمدة خمس ساعات تقريباً في انتظار التحقيق معها، تعرَّضت خلالها إلى التهديد والتحرش الجنسي اللفظي. كانت أمينة محظوظة لأنه تم الإفراج عنها قبل الاستجواب.

"[النساء] خائفات جداً من تعرضهنّ للاحتجاز لكنهنّ مستمرات، ويفعلن ما بوسعهنّ" تقول منى. ولن يتوقفن حتى يتنحى الرئيس عمر البشير.

لم يتعلق الأمر بالخبز أبداً

في الإعلام الغربي، ظهر الخبز كرمز للانتفاضة في السودان. وتم تصوير الاحتجاجات التي أطلق عليها اسم "أعمال شغب الخبز" على أنَّها ثورة عشوائيَّة ضدَّ التضخم المرتفع وندرة الحاجات الضروريَّة للحياة مثل الوقود والنقد والخبز. على الرغم من أنَّ الناس يضطرون للوقوف لساعات في طوابير للحصول على مثل هذه السلع، فإنه لا يمكن لأي كمية من طحين المساعدات أن تعوض عقوداً من الدكتاتوريَّة.

تخبرنا أمينة "لقد عانى الناس في السودان على مدى الثلاثين سنة الماضية". وتضيف: "لا يمكننا الحصول على تعليم مناسب، ولا رعاية صحية مناسبة، ولا حتى الأمن، على الرغم من أنَّ 80٪ من ميزانية البلاد تذهب إلى الأمن. لكن لا يوجد أمن في السودان، خاصة في دارفور وجنوب كردفان وجبال النوبة."

إنَّ الأوضاع صعبة بشكل خاص على النساء. فعندما جلب الانقلاب العسكري عمر البشير إلى السلطة عام 1989، فرض قانون النظام العام، وهي مجموعة من "القوانين الأخلاقية" التي تضطهد النساء.

"تخرق هذه القوانين حرفياً كل حق تملكه أي امرأة" توضح أمينة. "ابتداء من ارتداء السراويل، والجلوس في الأماكن العامة، وصولاً إلى التدخين. يمسكونك ببساطة ويدفعون بك إلى سيارات الشرطة، ويأخذونك إلى مركز الشرطة، حيث تتعرضين للضرب أو تضطرين لدفع المال للخروج. يحدث هذا كل يوم في السودان، وخاصة في هذه الأيام."

"تعاني النساء الكثير" تخبرنا منى. وتضيف "يعانين من الظلم، ومن الفقر. لا يمكنهنّ التحمل بعد الآن. سنناضل من أجل حقوق النساء والعديد من القضايا مثل ختان الإناث والزواج المبكر والمساواة في الأجر ."

منذ استقلال جنوب السودان عام 2011، اندلعت الاحتجاجات بشكل متفرق في السودان، وعلى الأخص في أيلول في العام 2013. بعد 22 عاماً من حرب أهليَّة دمويَّة انتهت عام 2005، أغرق استقلال جنوب السودان بعد ذلك بست سنوات، السودان بأزمة اقتصاديَّة حادة. وبحلول ذلك الوقت كانت السودان معتمدة على نفط جنوب السودان، وبعد أن فرضت الولايات المتحدة العقوبات، فرضت الحكومة تدابير تقشفيَّة. في كل مرة، كان يتم قمع الاحتجاجات بوحشيَّة. لكن هذه المرة اختلفت الأمور.

"ليس لدى الناس ما يخسرونه فعليَّاً. فهم إما يموتون بسبب المجاعة، أو يخرجون ويتم إطلاق النار عليهم"، هذا ما قالته لنا ريم جعفر، وهي طبيبة سودانيَّة وناشطة تقيم في الإمارات العربيَّة المتحدة.

إنَّ الاستخدام المفرط للعنف من قبل قوات الأمن تجاه المواطنين قد دفع بالشعب السوداني من جميع الخلفيَّات للانضمام إلى الاحتجاجات المناهضة للحكومة.

"الاحتجاز عشوائي للغاية، من الممكن أن تكون ماشياً في الشارع، ويتم احتجازك" تقول أمينة.

وتعطينا ريم مثالاً عندما حاولت قوات الأمن إيقاف جنازة وطلبت من المشيعين المغادرة. عندما قاوموا قامت قوات الأمن بإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع على المنزل، وقادوا الشاحنات إلى داخل خيمة الجنازة ودهسوا بعض الحاضرين.

"أصبح الجميع الآن أكثر اتحاداً في كراهيتهم" تقول. "لهذا السبب يتواجد الجميع في الشوارع الآن."

صناعة الثورة:

في الماضي، تفسر ريم، كان الأشخاص الذين يدعون إلى الاحتجاجات إما أحزاباً سياسية أو جماعات ناشطة والتي ليس لدى الشعب السوداني صلة بها. والفرق الآن، هو أنَّ المظاهرات تقودها وتنسقها رابطة المهنيين السودانيين، وهي جهة موثوق بها تماماً.

ضمت هذه الرابطة جميع المهنيين بمن فيهم الأطباء، والصحفيين، والمحامين، والمحاضرين الجامعيين، وأحزاب المعارضة السياسيَّة حول "إعلان الحرية والتغيير" الخاص بهم. ويدعو هذا الإعلان إلى استقالة البشير وتشكيل حكومة انتقاليَّة. كما أنَّه بمثابة خارطة طريق تحدِّد مجالات التغيير لتأسيس انتقال ديمقراطي حيث يشمل مكافحة الاضطهاد والتمييز ضد المرأة.

تستخدم رابطة المهنيين وسائل التواصل الاجتماعيّ لنشر الحركة، وهي منظمة بشكل ممتاز. "يحاولون اختيار الأماكن الاستراتيجيَّة [للاحتجاج]. حيث تكون دائماً في مركز المدينة ليتمكن أي شخص من الذهاب والمشاركة، وسيحدث ذلك اضطراباً في العاصمة،" تخبرنا منى. وتقول إنَّ الاحتجاجات تتم عادة في وسط مدينة الخرطوم أو في محطات المواصلات الرئيسيَّة، وهي مناطق لا تستطيع قوات الأمن إغلاقها.

رغم المخاطر، تتواجد النساء دائماً في الصفوف الأماميَّة للثورة. وتشارك اولئك اللواتي لا يشاركن في اعتصامات العاصمة، في جلسات في مختلف مناطق العاصمة أو يستخدمن وسائل التواصل الاجتماعي لنشر الخبر. وتقوم أخريات، مثل أمينة، بكتابة وطباعة الملصقات لتذكر الشهداء، وتشجيع المحتجين، ودعوة الناس إلى المظاهرات القادمة.

وتنشر النساء السودانيات في الخراج أعمال النساء في الداخل كم خلال المشاركة في الحملة الالكترونية حول الوسم #مدن_السودان_تنتفض. أنتجن المدونات والبثوث المباشرة من جميع أنحاء العالم لينشرن التقارير، والتحديثات، والصور، والفيديوهات حول الأحداث في السودان.

 تجمع ريم، وهي كاتبة ومخرجة أفلام، المعلومات من العائلة والأصدقاء في السودان، كما وتقوم بالنشر دورياً على مدونتها بالإضافة الى كتابة مقالات حول الثورة.

"دمي يغلي لرؤية كل هذا يحدث" تخبرنا.  وتضيف "أريد أن يكون بلدي ما يجب أن يكون عليه، وأخطط لأن أكون جزءاً من ذلك ولا أريد أن أكون فرداً مشاهداً فقط."

تعمل الفنانة إيناس ساتير، التي انتقلت مؤخراً إلى كندا، كمصممة جرافيك في النهار، وتقوم بالرسم عن أحداث ثورة السودان ليلاً، حيث تعبّر عن رأيها على طريقتها لدعم الاحتجاجات.

تصف رسوماتها التي تجمعها في مجلة الأزمة الاقتصادية الحالية والقمع الاجتماعي والسياسي في السودان، وجهل المجتمع الدولي عما يدور وعدم فهمه للوضع الراهن.

ترى كل من ريم وإيناس أن وسائل الإعلام التقليدية فشلت بنقل أخبار الثورة بدقة.

"أجد أنَّ الطريقة التي تصف بها وسائل الإعلام الثورة السودانية بأنَّها "ثورة الخبز" أو "ثورة الجياع" كريهة للغاية بسبب ما تحمله من دلالات عنصريَّة ومعايير مزدوجة" هذا ما كتبته ايناس كوصف لأعمالها، وتضيف: "يجب علينا الاعتراف بأنَّه عندما يتدهور الاقتصاد وتتظاهر الناس في دولة من دول العالم الأول، فإنَّ وسائل الإعلام تتناولها على أساس أنَّهم يتظاهرون من أجل حقوقهم، ولكن عندما يحدث الشيء نفسه في دولة من دول العالم الثالث، يذهب الاتجاه فوراً إلى أنَّهم يتظاهرون من أجل الخبز، فمن المفترض دائماً أن يكون الشعب جائعاً."

وتقول ايناس أن دورهم هو رفع مستوى عملهم ولفت الانتباه إلى الوضع.

"علينا أن نكون نحن أنفسنا وسائل الإعلام،" تقول إيناس. "نحن نعيش في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، لذا يمكننا أن ننشر الأخبار وننقل ما يحدث بالفعل."

للمرة الأولى منذ فترة طويلة، اتحد السودانيون في مطالبهم، وهي سقوط النظام والمساواة والحرية والعدالة للجميع.

إنَّ جهود الشعب لا تذهب سدى. "إن قيام البشير بإدلاء خطاب تلو الآخر يدل على أنَّه خائف حقاً" تقول إيناس. وتضيف "حقيقة أنَّه قرر أن يعلن بأنه لن يرشح نفسه مرة أخرى يدل على أنَّ جميع التحركات والتظاهرات لها أثر".

"إن الأمر يستحق كل هذا العناء،" تخبرنا أمينة. "فعندما نكون جميعنا أحراراً، سيكون الأمر قد استحق كل هذا العناء."

*تم تغيير الأسماء للحفاظ على هويات النساء

المقال الأصلي باللغة الإنجليزية:

 https://www.nadja.co/2019/02/25/sudanese-women-and-the-making-of-a-revolution/