المرآة والمرحاض والرجل الغريب

٠٤ حزيران ٢٠١٦

ولما دفن بندقيته تحت احدى المؤسسات الحديثة، تلك المؤسسة التي كان تحتها في ما مضى سور، سور صدره واسع، كان هذا الصور الخط الفاصل بينه وبين العدو، دفن بندقيته وصار يمشي بتلهف في شوارع المدينة، هو الآن يبحث عن أي مكان فيه مرآة ومرحاض؛ مرآة  ليرى ملامح وجهه بعدما القى البندقية، ومرحاض ليستفرغ ما تبقى له من أمل، لا لثقل الأمل، بل ليلفظ أشباح الهزيمة التي تطارده في الطرقات والأزقة وخلف البنيان المنثورة والمقاهي العامرة بأصدقائه القدامى الذين جمعتهم الثورة وفرقتهم المقاهي.

وبعدما استعصى عليه المسير، وأرهقه تفحص وجوه المارة باحثا عن هوية، ولما صار الدرب طويلا ولم يعد باستطاعته أن يكمل الطريق، عندها جلس على الرصيف، وإذ بصوت يأتي من مقهى قريب، التفت الي يمينه فوجد صديقه الذي يدعى أشرف العربي، ذهب اليه مسرعا وتبادلا العناق والحديث عن ذاك الزمن الذي نصبوا ففيه الكمائن للعدو.

صار الحديث بينهم على نحو ممل أكثر من المعتاد، قرب رأسه نحو كتف العربي بخجل شديد، وسأله  بصوت منخفض:” الا يوجد هنا مرحاض ومرآة؟”، رد العربي مشيرا بأصبعه تجاه ممر ضيق:” نعم، نعم يوجد، اذهب من هذا الممر، ستجد في نهايته على يمينك حمام، وستجد به ما تريد”.

توجه نحو الحمام، استوقفته عند الباب عبارة على ملصق لإحدى الاحزاب السياسية كتب عليها “فلسطين حرة عربية”، أثارته تلك العبارة، فدخل الى الحمام وهو مغمض عيناه، ولما صار في المنتصف فتح عيناه ونظر مباشرة الى المرآة فوجد عليها ملصق آخر كتب عليه “صامدون هنا”.

لم يحتمل هذا المشهد، خرج والدموع ترطب لحيته البيضاء، بات يبحث عن المكان الذي دفن فيه البندقية، وبعدما استدل على المكان من اسم المؤسسة، بدأ يحفر ثم يحفر ثم يحفر واستمر في ذلك لساعات طويلة، لكنه لم يجد سوى ورقة كتب على غلافها “نصيحة الى خائن”، فتحها فوجد النص التالي:”  والآن أنظر يا عزيزي، أنظر حولك، كيف تتحرك الاشجار برياح التعب، ويبرطم المذياع ما لا نطيق سماعه، ويمر علينا من ماتوا في أذهاننا، ومن ينتظر الموت في أبصارنا، في كل يوم نرى الحقد علينا يكبر، والغل يتفجر براكين، والموتى نتذكر نصائحهم  كلما تتحرك الاشجار، حتى يزداد الهم، ويكبر الغم، ويصدأ القلب، لنبدأ في معاتبة القدر، لنعاود التفكير، لنرى مرة أخرى كيف جراحنا لامست جبال السماء، آلامنا حطمت أحلامنا، ملائكة السماء ترشدنا، شياطين الارض تنصحنا، فنأخذ بيد الأرض، ونترك الرشد لرب الرشد، احبلت أذهاننا وهرمت اقنعتنا، شفرت عقولنا وتحجمت حناجرنا، خطايا تتعاقب طوعا وكرها، سوف نصل في الختام، الى عناق المحب للمحب لنعود كمن كانوا في أذهاننا اموات. ولكن تذكر قبل أن تموت أن لك أب شهيد، وأخ معتقل، وأرض مغتصبة، وأن ليس لك فيما تبقى من عمرك بقدر ما عليك…”.

بعد أن قرأ النص عشرات المرات، ركن ظهره على حائط المؤسسة ونام الى يومنا هذا، لم ينم تلك المدة لخموله أو لكسله أو لتعبه، أنما هو ينتظر من يوقظه ويعطيه بندقية، وينتظر عودة رفاقه من المقهى ليهدموا المؤسسة وليعيدوا بناء السور الواسع الذي يفصل بينهم وبين العدو.