المقاومة المقدسيَّة: في معنى ألا تخضع

١٧ آب ٢٠١٧

فرضت المؤسَّسة السياسيَّة "الإسرائيليَّة" سيادتها على الأقصى عقب عمليَّة شهداء أم الفحم داخل أسواره، بعد اختراقهم المنظومة الأمنيَّة والاستخباراتيَّة "الإسرائيليَّة". وحاولت المؤسَّسة السياسيَّة "الإسرائيليَّة" مع المؤسسة الأمنيَّة والعسكريَّة فرض سياسات جديدة على الفلسطينيّين في الدخول للمسجد الأقصى؛ حيث وضعت بوابات إلكترونيَّة وجسوراً حديدية ثمّ وضعت الكاميرات، كجزء من سياسات الهيمنة والإخضاع للشعب الفلسطيني. لكنَّها أزالت ما وضعته بعد أن فشلت في إنهاء المقاومة والاعتصام داخل أسوار البلدة القديمة.

إزالة البوابات الإلكترونيَّة، والجسور الحديدية، والكاميرات، وكلّ أدوات التفتيش ليست هي أساس المسألة والصراع في القدس المحتلة منذ عام 1967، رغم أهميَّة وضرورة إزالتها كما ضرورة حل المسألة الفلسطينيَّة الأولى؛ التحرُّر من الاستعمار الصهيونيّ. إذ أنَّ الهدف من كل هذه الأدوات ليس التفتيش والفحص الأمنيّ والبحث عن أسلحة، أو حتّى منع عمليّات كالتي قام بها الشهداء الثلاثة داخل أسوار الأقصى، رغم الحرص على هذا أيضًا كونه يشكل اختراقاً للمنظومة الأمنيَّة والعسكريَّة والاستخباراتيَّة "الإسرائيلية"، لكنَّ الهدف الأساسيّ والمركزيّ من كلِّ هذه الأدوات هو الوجود الشكليّ لها وانعكاساته في المخيِّلة والوعي الفلسطينيّ.

إنَّ الأدوات التي تعمل على كشف الأسلحة، وكذلك الكاميرات والجسور الحديديَّة والجنود المدجَّجين بأحدث الأسلحة، تعمل على إخضاع الإنسان لها دون أن يعي بذلك. فيُخيَّل إلى الفلسطيني عندما يمرّ من تحت الكاميرات أنَّ حركاته مراقبة بتفاصيلها (كاستعراض شرطة الاحتلال لمقطع فيديو يظهر منفذي عمليَّة الأقصى خطوة بخطوة) أو أنَّ جسمه معرَّى بواسطة ما يسمى بـ "الكاميرات الحراريَّة"، وعندما يمرّ عبر الجسور الحديديَّة على جانبيه يُخيَّل إليه أنَّه محاصر ولا يستطيع الإفلات بفعلته إذا ما فكَّر بها. أما البوابات الإلكترونيَّة، التي تطلق صوتها حتّى على النقود المعدنيَّة والحزام وساعة اليد، تشعرك بأنَّ كلّ ما تخفيه في جيبك مكشوف لهذا الجهاز العبقريّ الذي يأخذ الباب شكلاً له. والباب جزء أساسيّ من حياتنا اليومية فمنه ندخل ومنه نخرج، في بيوتنا ومدارسنا ومؤسساتنا، بالتالي وجوده أمر طبيعيّ في مخيِّلتنا.

وعلى البوابات يقف الجنود الحاملين للأسلحة والقنابل المتطوِّرة، والتي ستكون من نصيب كل من يفكِّر بفعل مقاوم -بالقاموس الوطني- أو "إرهابيّ" -حسب القاموس الاستعماريّ-، عدا أنَّ الجنديّ يظهرون بزيِّهم المحصَّن، الذي يتناقل الناس عنه أنَّه غير قابل للاشتعال، وصدره مغطّى بدرع حديديّ مضاد للرصاص ورأسه مغطاة بخوذة تشبه مواصفات درع الصدر.

يعتاد الإنسان المستعمَر على هذه الشكليَّات وتأخذ حيّزاً في وعيه بأنَّ المستعمِر محصَّن ومهيمن، وإمكانيَّة تجاوز هذا التحصين قد يكون شيئاً مستحيلاً.

نجح الفلسطينيّون في القدس بكسر هذه المنظومة التي كانت تسعى لإخضاعهم وبث الذلّ في وعيّهم كجزء من محاولات استعمار الوعي الفلسطينيّ. وفَشِل المستعمِر الصهيونيّ في إخضاع الفلسطينيّ كمُستعمَر، والهيمنة عليه رغم اختلاف موازين القوى وبساطة أدوات الفلسطينيّ.