المومياء...يوم أن تحصى السنين

١٦ نيسان ٢٠١٧

يا من تذهب ستعود

يا من تنام سوف تنهض

 يا من تمضي سوف تبعث

 "المومياء...يوم أن تحصى السنين" (1969)، للمخرج المصري شادي عبد السلام. يعتبر من أهم الأفلام العربية في تاريخ السينما. "أريد أن أعبّر عن نفسي وعن مصر.. أريد أن أعبّر عن شخصيّة الإنسان المصري الذي يستعيد أصوله التاريخية وينهض من جديد."، بهذه العباراة يصف عبد السلام الفيلم، الذي تم ترميمه من جديد عام 2008 في مختبر "سينيتيكا دي بولونيا" من قبل مؤسسة السينما العالمية لمؤسسها مارتن سكورسيزي بدعم من وزارة الثقافة المصرية (بالصوت ونيغاتيف الفيلم).

يعكس الفيلم، رؤية عاطفية للنضال الأخلاقي في حكاية حقيقية مثيرة للاهتمام، يعالج مفهوم الهُويّة في عالم المقابر والتوابيت وبين الصحراء والهضاب. الفيلم مستوحى من قصة حقيقية لعائلة عبد الرسول التي تنجح في اكتشاف ما بات يُعرف بخبيئة الدير البحري وخبيئة الأقصر التي تضمّ مومياوات أعظم فراعنة مصر. أما الفيلم يأتي متحدثاً عن "الحربات" قبيلة تستقر في صعيد مصر وتعتاش من سرقة وبيع الأثار الفرعونية. وعندما يموت شيخ القبيلة يرفض أبناؤه التكملة في السرقة، فيقْدِم عمّهم على قتل أحدهما. وويبقى الأخ الثاني ونيس (أحمد مراعي) الذي يتخبط بين ولاءه لوالده والقيم الأخلاقية للكشف عن موقع القبر.

صُوّر الفيلم في المكان الحقيقي لحدوث القصة، أي في صحراء الأقصر بالقرب من قرية القرنة. معظم أوقات التصوير كانت في الهواء الطلق عند الغسق أو الفجر أو منازل الطين. مدير التصوير، عبد العزيز فهمي، حوّل كل مشهد إلى عمل فني مع حركة الكاميرا البطيئة والتركيز على الإضاءة (ضوء القمر، انعكاسه على الماء، وعلى ضوء المشاعل، المقبرة الداخلية الظلام والمقبرة في الليل، التوابيت) كل ذلك ترافق مع موسيقى ماريو ناسيمبين الهادئة مصحوبة بالأصوات التي تنقل الجو العام المحيط بالأحداث. ومع اعتماد اللغة العربية الفصحى في الحوار بين الشخصيات الذين يظهرون بالزي الريفي التقليدي المصمم من قبل المخرج، لنكون بذلك أمام عمل فني وكأنك تشاهد حلماً يشعرك بكامل البرودة.

تعيش في الفيلم قصة مصر المؤلمة. في بلد يبحث عن الهوية المفقودة، لكن المعركة الأساسية تحوم حول الإرث المتمثل في القطع الأثرية المهملة والمنسية في حضارة مصر القديمة. فيلم عن الصراع بين المدينة والريف، بين من يمتلك المومياوات وقبائل القبور القديمة التي تدعو للولاء لأجدادها، عن النزاع بين الثقافة الحديثة والتقليدية، بين شباب القبائل الذين يكنون الإحترام لأجدادهم وشيوخهم في مساعدة تجّار الأثار، وأولئك الذين يرغبون في الحفاظ على الأثار الثمينة وحضارة المكان. حتى الصراعات الداخلية تبرز في هذا الفيلم، خاصة عند الفرد نفسه الذي يتخبط بين حاضره وماضيه، بين المخاطرة في حياته من أجل حماية التاريخ والحضارة التي ستدوم للأجيال القادمة أو التفريط بهذا الإرث . تكثر التساؤلات في هذا الفيلم، مما يجعل المشاهد على مقربة من الشخصيات ويشاركهم هواجسهم. ولا أعتقد أنه يمكنني أن أنهي الكلام بأجمل من العبارة التي قالها مارتن سكورسيزي عن الفيلم: " تحفة سينمائية مذهلة...فخمة، شاعرية، مع فهم قوي للوقت والحزن اللذين تحمله".