النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية : حسين مروة - عرض كتاب

٢٧ شباط ٢٠١٦

-سأتركك؛لأشترى السجائر، وبن وطلبات أخرى.
-حسنٌ و أنا سأقلَّب في حاسوبك، واستمع إلى تشايكوفسكي، لا تتأخر.
تركني في مكتبته، وأنا استمع إلى تشايكوفسكي
-ترى ماذا كان يكتب البروفسور قبل أن يخرج، آها << حسين مروة: المفكر المغدور به>> قرأت هذه العبارة و أنا أتأملها في عمق، عيناي تصلبتا على شاشة الحاسوب، البروفسور معروفٌ بمشاغباته الكثيرة، وحدته العلمية، وموقفه الراديكالي من الفكر الديني، كتب مقالًا الأسبوع الفائت <<الدين يقتل الشعوب>> قامت الدنيا ولم تقعد، وتواصلت رسائل التهديد و الوعيد و القضايا أمام أمام المحاكم بتهمة إزدراء الأديان، هل يمكن أن يحدث له مثلما حدث مع المفكر اللبناني [ حسين مروَّة]؟
-يااااااه لقد عانيت كثيرًا و أنا أشتري طلبات المنزل، هذه السجائر، وهذا البن (المحوج) وهذه باقي الأشياء.
ينظر إلى البروفسور إلى صديقه مبتسمًا
-هل تأخرت عليك؟

– لايا صديقي أنت إنسان منضبط، لكن قل لي هل تكتب مقالاً عن حسين مروَّة؟
– ههههههههههه ..نعم( وهو يخرج السيجارة و يشعلها بالقدَّاحة)
– هل يمكن أن تحدثني قليلًا عن كتابه الأهم[ النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية] ؟
– نعم سأعرض لك ملخصًا للكتاب كنت قد كتبته منذ سنوات،لأتحدث من خلاله عن [ التفسير المادي للتاريخ الاسلامي ] ولكن ليس قبل أن أصنع القهوة، أنت تشربها(عالريحة) وأنا (مظبوط) ياااااااه جميل تشايكو فسكي حقًا، البيانو يجعلني أذهب إلى عالم آخر جميل، سأعود بعد قليل، يمكن أن تقرأ.
– نعم تذكرت سر اهتمام البروفسور بحسين مروَّة، لقد كان موضوع أطروحاته لنيل درجة الدكتوراه في الفكر السياسي..
– ها هي القهوة، الآن يمكن أن نتحدث، لكن خَفِّض من الصوت قليلا
في حقيقة الأمر أن هذا الكتاب، استغرق مجهود عقدٍ كامل من الشهيد حسين مروَّة، كان أصلًا أطروحة لنيل درجة الدكتوراه من جامعة موسكو، ولكن لذلك أيضًا مقدمات.
هناك حدثان لهما أشد الأثر على الفكر العربي المعاصر، الأول: نكبة عام ثمانية و أربعين، والثاني: هزيمة حزيران 67 ( بيدلوعها ويقولوا نكسة، زي ما دلعوا الهزيمة الأولى وقالوا نكبة)
-اسمح لي بالمقاطعة
-تفضل

– كيف ربط حسين مروَّة بين تصوره لمشروع التحرر الوطني و الماركسية،وإعادة قراءة التراث..
– نعم..نعم كنت سأتحدث عن ذلك، لذا بدأت كلامي عن الحدثين المهمين، هزيمة أو نكبة 48 أنتجت وبلورت حركة التحرر الوطني العربية وكان من أبرزها حركة الضباط الأحرار في مصر، و أنت تعرف باقي التفاصيل، هزيمة حزيران انتجت سؤال الذات والهوية، ولماذا حدث ما حدث؟ ولماذا كانت الهزيمة؟ وتنوعت الإجابات، و أصبح التراث محور استقطاب في هذه الفترة المفصلية، مع ملاحظة استعار الحرب الباردة آنذاك و أصبح الاسلام( توظيفه) أصبح أمرٍا ملحا بالنسبة للأمريكان والرجعية العربية؛لمواجهة المد الاشتراكي و الوطني الذي اشتد عوده عشية ثورة البلاشفة العام 1917م في الروسيا.
– نعم جميل هذا العرض،اكمل..

– نعم يا صديقي، قلت: أن التراث بات محورًا للصراع على المستوى الثقافي و الفكري؛كانعكاس للصراع الطبقي في مجتمعاتنا العربية، هناك مشروعان يتنازعان المنطقة، الأول: هو مشروع تحرري تقدمي وطني تتبناه الطبقات الكادحة والثوريون من الإنتلجنسيا، و بعض شرائح البراجوزية الصغيرة، و الثاني مشروع رجعي استعماري تتبناه الرأسمالية الكبيرة، تتمثل أهم تمظهراته في الدين السياسي، الذي جسده مشروع حسن البنا، وهو المشروع الذي احتضنه الغرب و سخره واستخدمه لمحاربة الاشتراكية و التقدم؛ للحفاظ على التخلف و حجز التطور بالنسبة لمجتمعاتنا، كما تعرف أنت تفاصيل ذلك.
من هنا جاء التراث كمشترك للصراع بين المشروعين، مشروع التحرر الوطني الذي يريد التحديث و التطور و العقلانية، و الثاني الذي يريد النكوص و الإرتداد للماضي؛من خلال تصور مثالي غيبي مزيف بقصد إبقاء مجتمعاتنا مرتهنة بالماضي؛ لذا بدأ البحث في التراث يأخذ طابعًا مهمًا بعد الهزيمة، وكان الماركسيون العرب ذوي نصيب كبير في ذلك، وجاء بحث المفكر اللبناني حسين مروُّة في هذا السياق، وهو الذي تفتحت عيناه على هزيمة 48، وهو الذي ذهب لحوزة النجف الأشرف في العراق ليدرس العلوم الدينية، لكنه عاد ماركسيًا.
-ههههه يا لها من مفارقة غريبة

– نعم ليست مفارقة، إنه الواقع الذي فرض أسئلة بعينها، كان من المحال أن تكفي الإجابات التقليدية عنها، وكان لابد لحركات التحرر اليافعة من نظرية تكون بمثابة مشكاة تضيء الدروب الوعرة التي تسير فيها؛ فهي تواجه الطبقات الرجعية في الداخل، و الامبريالية في الخارج، وكانت توجه الفقر و التفاوت الطبقي العنيف…إلخ

– لكن من ناحية بنية الكتاب كيف تناول مروة موضوعه؟
– في حقيقة الأمر كان مفكرنا شديد الذكاء والمكر؛ عنًّون الكتاب بشكل ملفت للنظر، لأنه أراد أن يقرأ الفكر الاسلامي قراءة مادية جدلية، أي تفكيك بنية التراث( بتعبير البنيويين) ونزع قشرته المثالية الغيبية اللاهوتية؛ لإظهار الجوانب ذات النزوع المادي، وبذا يندغم التراث بمفهومه الثوري التقدمي العقلاني( المادي) في بنية حركة التحرر الوطني، ويتم نفي أو سلب الجانب المثالي الغيبي نفيًا جدليا، وإعادته لجذره المادي-الاجتماعي، هذا هو محور الكتاب و فكرته، ودلالة عنوانه؛ ومن يأتي التأسيس لحركة تحرر وطني عربية ثورية، لها نظريتها الثورية؛نابعة من ذاتها ومنفتحة على الذوات الأخرى.
– ياااااه
– هذا مجرد رسم لتصور سطحي، أنا فقط أحاول أن أكثف الفكرة أكثر، هل يمكن أن تناولني هذه الأوراق التي أمامك بجانب الحاسوب؟
– بكل سرور تفضل..
– هذه الأوراق كتبت فيها عناوين مواضيع الكتاب، سأقرها عليك، وعندما تغادر سأعيرك إياه حتى تقرأه كاملا.
– تفضل يا بروفسور
أشعل البروفسور سيجارة أخرى، وهو يرتشف آخر ما تبقى من فنجان قهوته، أرتدى نظارته الطبية الأنيقة، وهو واثق من نفسه، بدأ يقرأ الأوراق التي ناولها إياه صديقه.
-الكتاب يتكون من جزئين، الجزء الأول يقع في قسمين، استغرقا 1024 صفحة، بدأ بمقدمة طويلة امتدت إلى صـ 176 ،المقدمة تمثل أهمية شديدة بالنسبة لقراءتها، حدد من خلالها تصوره عن بحثه،و أفرد جزءًا خاصًا عن المادية الجدلية و التاريخية و تناول التاريخ الاسلامي، وربط ذلك بحركة التحرر الوطني ذات الأفق الاشتراكي، والرؤى المختلفة للتراث، والاستشراق، و التيارات المثالية….إلخ وغير ذلك ستجده في المقدمة، والأهم فيها تحديد سمات نمط الانتاج السائد في العصر الاسلامي، وتأثيره على الفكر و الفلسفة فيما بعد، هو يراه إقطاع شرقي تختلف سماته عن الإقطاع الأروبي، وهذه إشكالية نظرية كبرى عليها اختلافات كثيرة بين الماركسيين.

– نعم أنت سبق لك أن تحدثت في أمسية عن ذلك منذ ثلاثة أعوام.
– هذا صحيح ، ثم يتحدث في القسم الأول عن: ما قبل نشوء الفكر الفلسفي، وقد رصد ذلك في فصلين:-
الأول: تناول حقبة الجاهلية،وهو فصل ممتع حقًا ستكتشف فيه أشياء كثيرة، وكيف رد على نظرية الدكتور طه حسين ردًا ماديًا جدليًا حول الشعر الجاهلي، وكان في بداية الفصل تحدث عن جغرافية الجزيرة العربية واقتصادها،وكيف كان كل ذلك وغيره الأساس المادي لنشوء الاسلام، وهذا ما يسلمنا للفصل الثاني:عهد ظهور الاسلام، بداية ظهور النبي محمد، وعلاقته بالظواهر الموجودة في عصره، كظاهرة الحنفاء كظاهرة دينية وثقافية جاءت كرد فعل على تناقضات المجتمع الجاهلي وأزماته الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية والروحية، وينهي هذا الفصل بوفاة النبي؛ ليبدأ عهد الخلفاء الراشدين، وهو عنوان

الفصل الثالث.
وعصر الخلفاء الراشدين وخاصة عصر الخليفة الثالث عثمان، يبدأ الانقسام الطبقي و الصراع الاجتماعي، لأن الثروة بدأ يتم الإستئثار بها من قبل شرائح وقوى اجتماعية و قبلية و عشائرية دون أخرى، وهو ما استدعى الثورة على عثمان( وكانت أول ثورة في الاسلام كما سماها مفكرنا) وقتل عثمان في هذه الثورة-الانتفاضة ترتب عليه بعد ذلك أشياء كثيرة، وطبعت تاريخ الاسلام فيما بعد وحتى الآن بطابعها.
-وبذا أنهى قسمه الأول الذي أسس فيه مروة لنظريته ورؤيته، لينطلق فيما بعد في القسم الثاني.
– بلى أصاب فهمك يا صديقي، في القسم الثاني أسماه: بذور الفكر الفلسفي، وفي سبعة فصول طوف بنا في الأتي:-
الفصل الأول: الشيعة و الخوارج
الفصل الثاني: الصراع الفكري ة نشوء قواعد النهضة الثقافية.
الفصل الثالث: المعتزلة و الصراع المعتزلي الأشعري
الفصل الرابع: التوحيد المعتزلي
الفصل الخامس: العدل المعتزلي
الفصل السادس: علم الكلام
الفصل السابع: المنطق
وينتهي الجزء الأول بقسميه يا صديقي.

-إنه عمل شاق ومضني، تتناول التاريخ وتربطه بنشأة الفكر و الفلسفة!! أي عبقرية تلك؟؟
– بالمناسبة يا صديقي، من الجميل أن مفكرنا كان ينهي كل فصل بملخص له، كان يسميه<< حصيلة>>
نظر صديق البروفسور إلى ساعته، وكان قد بدأ ينبعث صوت عمل جديد لتشايكوفسكي.
-يااااه لقد تأخرت اليوم، أوجز لي الجزء الثاني سريعًا، وعندما أقرأ الكتاب سأرسل لك على الإيميل بما يدور في خلدي.
– حسنٌ في الجزء الثاني وهو قسم واحد، القسم الثاني لم ينجزه الشهيد، لقد قتله الجبناء.

يبدأ الجزء الثاني بالقسم الثالث: المرحلة الفلسفية،واحتوى على سبعة فصول، ثم الخاتمة.
الفصل الأول:استقلال الفلسفة
الفصل الثاني: الفلسفة العربية في تجلياتها الأولى
الفصل الثالث:التصوف
الفصل الرابع:ظاهرة إخوان الصفا
الفصل الخامس:ديالكتيك العلاقة بين الفلسفة العربية و العلوم التجريبية
الفصل السادس:قضايا الوجود و الماهية في بواكير الفلسفة العربية – الاسلامية
الفصل السابع: قضية الوجود و الماهية في فلسفة ابن سينا.

ثم الخاتمة و المصادر و المراجع و فهارس الأعلام و الأماكن، و الفهرس العام، واستغرق هذا الجزء 775 صفحة.
– يااااه إنه عمل موسوعي ضخم !!
– نعم وتخيل لم يكتمل يقول في آخر الخاتمة صـ 715 :<< وقف البحث في هذا الكتاب عند ابن سينا، بوصف كونه نهاية مرحلة نضج الفلسفة العربية-الاسلامية في المشرق،وبعد نحو قرنٍ من ابن سينا استأنفت هذه الفلسفة في بلاد المغرب العربي، كفاحها المجيد بوجه ارهاب الفكر الرجعي؛الذي حمل الغزالي رايته لبضعة أجيال، وقد تمثل هذا الكفاح بفلسفة ابن رشد،و التيار الرشدي التقدمي.
إن مؤلف هذا الكتاب سيواصل دراسة تلك المرحلة الأخيرة، للفلسفة العربية –الاسلامية، فور الفراغ من مهمات هذا الجزء من الكتاب>>
صوت انفجار عظيم يهز المكان، على شريط الأخبار: داعش تتبنى تفجير العمارة بكاملها، التي يسكن في أحد شققها البروفسور.