النكبة في شعر طه محمّد عليّ

٠٩ حزيران ٢٠١٨

النكبة في الشعر الفلسطيني:

يحفل التاريخ الفلسطيني منذ مطلع الثلاثينات بأشكال مقاومة ثقافية ومسلحة على حدّ سواء فعرفنا أسماء أبرزها (إبراهيم طوقان) الذي اتسمّ شعره بالهجاء السياسي والسخرية اللاذعة. و(عبد الرحيم محمود) شهيد معركة قرية السجرة المهجّرة شمال فلسطين، وكان قد لُقّب بالشهيد قبل أن ينال الشهادة بسبب قصيدته الشهيد. والشاعر (أبو سلمى - عبد الكريم الكرمي)، الذي غلب الموضوع السياسي على شعره، وغيرهم من الشعراء. وبعد النكبة صاغ الأدب الفلسطيني تجربة الفلسطيني الاجتماعية والسياسية الرافض للأسر والتهجير والتقتيل وضياع الوطن ومن ناحية أخرى لوعة التجربة فعبّر عن الحنين، الانكسار والهزيمة. وتميز الأدب الفلسطيني بعد النكبة بانشطاره لشقين شقّ في الشتات والآخر داخل حدود فلسطين التاريخية. فتنوّع الأدب بتنوع التجارب والروافد. فعرف الشعر الفلسطيني شاعراً مثل (معين بسيسو) من غزة و(عز الدين المناصرة) و(أحمد دحبور) من الشتات. تشابك هؤلاء الشعراء مع العالم العربي ونهلوا من تجاربه الشعرية والفكرية التي نادت برفض التراث وتبني أشكال حداثية في الأدب والانحياز لكلّ حركة تحرّرية في العالم العربي. من جانبٍ آخر شهد الداخل الفلسطيني حركةً أدبية وشعرية نشطة وقف في مقدمتها (محمود درويش) الذي اخترق الجدار الحديدي وترك البلاد والتحم بالعالم العربي ليصبح واحدا من أبرز الشعراء الذي حملوا همّ الشعب وتجاربه الانسانية وكذلك الشاعر (سميح القاسم) والأديب (اميل حبيبي) و(توفيق زيّاد) وغيرهم ممن التقوا بالعالم العربي في ستينيات القرن الماضي ومدّوا العالم العربي بسلاح الكلمة ضدّ الظرف المأساوي الذي يعيشه.

طه محمّد عليّ: موقعه في الشعر الفلسطيني

طه محمد علي، شاعر فلسطيني عاش في الظل بعيدا عن شعر المركز (شعر المقاومة) وبدأ بكتابة الشعر متأخراً مع بداية سنوات الثمانينات حين كان بالخمسينات من عمره، ولد (طه) في صفورية عام (1932) التي اقتلع وهجّر منها إلى لبنان ثم عاد واستقرّ في الناصرة وتوفي لاجئا هناك عام (2011). تحمل دواوين (طه) تجربته المريرة في الحياة عامّة ومأساة شعبه الفلسطيني. شاعرية (طه) تنبع من توحّده بالعالم الخارجي والواقع الرجراج المحيط به وتفرّده عنه. تميل لغته الشعرية للحزن، والبساطة والعفوية مطعما إياها بالسخرية السوداء. يظهر ذلك بشخصياته الشعرية التي تمتاز بغروتسكيتها، أي الشخصية بسيطة عفوية شعبية مثيرة للضحك حاملة للمأساة. ما يقدّمه (طه محمد علي) في شعره ما هو إلا تشابكات فنّيّة متنوعة على هيئة قصيدة فهو يثقف نصّه برموز من أساطير عالمية ومن الفلكلور العربي متخذا من الفنون التشكيلية خلفية فنّيّة تقوم عليها قصائده كفنّ الاستكش والكولاج، ولا يحرم نفسه متعة القصّ. وتمرّس (طه محمد علي) في كتابة الشعر المنثور متحديا السائد في الشعر الفلسطيني والعربي وأنماطه الشعرية ففي حين كانت المعركة لا تزال قائمة بين الشعر "الكلاسيكي" وشعر "التفعيلة"، كتب (طه محمّد علي) الشعر المنثور. والذي تجلّى في أعماله الأدبية ودواوينه الشعرية التي كان أول ما صدر منها 1983: ديوان (القصيدة الرابعة عشر وقصائد أخرى). في العام (1983)، وتلاه عدة دواوين: ضحك على ذقون القتلة، حريق في مقبرة الدير، ليس الّا. إضافةً إلى المجموعة القصصية (سيمفونية الولد الحافي).

النكبة وصبي صفورية «الأهبل»

النكبة في شعر (طه محمد علي) ليست مفردة صريحة بل هي عصارة أحزان وشرخ في الذاكرة وتداعي صور من صفورية قريته التي هُجّر منها، تأتي كلها على لسان شخصيات مثل زوجة (ابو محمّد) حين تحدّثنا بكلماتٍ بسيطة مفصحّة. تخرج من صميم قلب اغتيل فرحه، «شايف يا ابو محمّد/ كانت بلدة مليحة/ صحيح كانت فيها اوقات علقم/ لكن مرارها طيّب / يشبه مرار العلت وأطيّب/شايف.../ شوكاينة بلدنا مليحة؟!/ مليحة...؟!/ وكتاب الله العزيز/ مستعدّ وبفضل/ اكون يومها بلعت حبل/ أطول من حبل صبحة/ بس تكون بقينا ببلدنا».  يتكئ هنا (طه محمد علي) على الفلكلور الخاصّ بقريته وهذه جمالية وابداع وحفظ للذاكرة الجماعية لأهل البلد ضدّ كل محاولات كيّ الوعي ومحوّ الذاكرة فيعيد الشاعر القارئ مرة أخرى إلى القرية الفلسطينية قبل النكبة. كذلك تحمل كلماته تعميقًا للرمز بحيث تصبح «صبحة» التي بلعت حبلها ولم يجرؤ على أكل لحمها أحد كالوطن، فلسطين، الذي ذبح ولكن المفارقة أن الوطن نُهش تقاسموه وأُكِل.

حاول (طه) صياغة النكبة، ذاك الحدث التراجيدي بقصائد  تسخر من بطلها بحرقة وألم، يظهر ذلك في قصائده (عبد الهادي الأهبل)، و(عبد الهادي يواجه دولة عظمى)، ولا يخفى على قارئ تلك القصائد أن شخصية عبد الهادي هي شخصية غروتسكية أي شخصية ساذجة مثيرة للسخرية تعيش مأساة وتتسبب بأخرى، يمكن إسقاط هذه الشخصية على مجتمع الفلاحين الفلسطينيين عشية النكبة فعبد الهادي  «بحياته / ما قطع شجرة/ ولا طعن بقرة/ في حياته/ ما جاب سيرة نيويورك تايمز/  وفي حياته،/ ما رفع صوته على أحد إلا بقوله: / " تفضل" والله العظيم غير تتفضل"/ مع ذلك:/ فهو يحيا قضية ساخرة،/ حالته،/ ميئوس منها/ وحقّه ذرة ملح،/ سقطت في محيط/ أيها السادة!/ موكّلي لا يعرف شيئا عن عدوه». من الواضح ان عبد الهادي فلاح بسيط دمث الأخلاق مسالم لا يؤذي الشجر ولا الحيوان ويحترم الناس، لم يسمع بوجود صحيفة نيويورك تايمز ولا يعلم شيئا عن المحيط الكبير خارج حدود قريته، هذا المحيط الذي ذاب فيه حقّه كذرة ملح. وفوق ذلك يجهل عدوّه وبالتالي حالته ميئوس منها ولا جدوى من محاكمة الفلاح الفلسطيني في المحافل العالمية، فعبد الهادي فلاح مصدوم، صدمته النكبة في هذا العالم المتغيّر. يتضح بقصيدة عبد الهادي الاهبل حين يصحو عبد الهادي من صدمته بعد فوات الأوان وبعد أن ضاع وطنه مرددا «قبل نهش عجين جمجمتي بكل مناسر العالم كنت أهبلا/ كنت غرا/ أتمنى أن أطير/ أعشق الخيل والشعر/ وأحلم بمائدة»، عبد الهادي لم يعد أهبلا فلم يعد يراوده خيال العربيّ «الأهبل» بالفروسية والشعر، بات مسحوقا نهش الإستعمار والقوى العالمية جمجمته فصحى، «بعد سلب الظل/ وتبديد السنايل/ بعد تقليل الحمائم../ شحنت حقدا قاطعا/ كحدّ الموت/أزرق / لم أعد اهبل»، هذه استعارات واشارات واضحة تشير للحدث الجلل، النكبة، وما ترتب عليها من  سلب الأرض والسنابل و تقتيل حمام وكلها عناصر لا طالما حملت معنى حميمياً ووجدانياً بل وجودياً عند الفلاح وحوّلته إلى شريدٍ، طريدٍ، ثائر .

يخاطب (طه محمد علي) صفورية التي هُجّر منها «صفورية / ماذا تفعلين بهذا الليل المجوسيّ؟!/ العاكف على ذاته/عكوف القلب على البغضاء»، لم يتمكن (طه) يوما من العودة إلى صفوية كأي لاجئ فلسطيني.  فالليل المجوسي يضاعف عذابه اليومي فهو لاجئ في وطنه يرى المجوس الجدد الاجانب المستوطنين يمرحون في أرضه الممنوعة عليه. يتآكل الإنسان داخله، يتشظى التاريخ وينهار على الواقع، لا يسعّ الإنسان الّا أن يكون سورياليا ويكون الجنون مهربه الوحيد حيث تنفصل وتتفكك العلاقات البدهية بل تتدمر لصالح علاقات لا معقولة تستبدل العلاقة مع الأرض لتصبح سوريالية أكثر بعد النكبة والاستيطان، «الأرض خائنة/ الأرض لا تحفظ الودّ/ الأرض لا تؤتمن». ولكنه مع ذلك دائماً يراوده الحلم بالعودة إلى بساتين قريته التي هّجّر منها، يتجلّى له الخيال بمشاهد من الصبى يكون فيها صبي جميل حرٌّ يعدو في بساتين صفورية خلف أسراب من الفراشات ملونة توحي بالجمال والبراءة والحرّية «وخيّل لي لحظتها/ أنّي صبي/ اعدو في بساتين صفورية/ خلف فراشات ملوّنة».