انتخابات المجالس المحليَّة بين المقاطعة وتكريس الانقسام

١٢ أيار ٢٠١٧

عقدت آخر انتخابات للمجالس المحليَّة بشكل متزامن في الضفّة الغربيَّة وغزة قبل 12 عاماً، فيما عقدت في الضفّة الغربيّة وحدها عام 2012، ليُقرّر أن تقام انتخابات المجالس المحليّة في تشرين الأوّل 2015، وعندها قرّرت الحكومة تأجيل الانتخابات لأربعة أشهر من أجل تهيئة البيئة القانونيَّة المناسبة لإجرائها في الضفة الغربيَّة وغزة في يوم واحد؛ تأكيداً على عدم الاستسلام للانقسام بحسب بيان الحكومة، وامتدت الأشهر الأربعة إلى تسعة فقرّرت الحكومة إجراء الانتخابات أخيراً في الضفة الغربيّة فقط في منتصف أيّار من العام الجاري.

"موقفنا كان متدرّجاً"

قالت القياديَّة في الجبهة الشعبيَّة لتحرير فلسطين، خالدة جرّار، إنَّ موقف الشعبيَّة من الانتخابات كان متدرّجاً، ففي البداية ومع إقرار الانتخابات في الضفة الغربيَّة وغزة، وافقتْ الشعبيّة على المشاركة وتمّ تسجيل القوائم، قبل أن تقوم فتح بإلغائها عن طريق المحكمة؛ موضحةً أنّ الجبهة رفضت هذه الخطوة ودعت إلى تحديد وقت لإجراء الانتخابات.

وأضافت جرّار أنَّ الحكومة حاولت تعديل قانون الانتخابات ليكون الانتخاب بالقائمة النسبيَّة المفتوحة وليست المغلقة، ورفضت الشعبيّة هذا التعديل أيضًا ورفضت اقتراح إجراء الانتخابات على مراحل، فيما وافقت على إنشاء محكمة مختصّة للانتخابات بشرط أن يتمّ التوافق عليها من الجميع، وطالبت الجبهة أن يحدّد موعد جديد للانتخابات.

إضافةً إلى إعلان حماس عدم مشاركتها ورفض إجراء الانتخابات في غزّة، عند تحديد موعد للانتخابات، ما استدعى رفض الشعبيّة لهذا القرار من حماس، فقالت جرّار في هذا السياق: "بناءً على هذه المعطيات قررت الجبهة المشاركة، ولكن مع تطوّر الأحداث لاحقاً أصبحنا أمام سؤال هل هناك أجواء ديمقراطية لإجراء هذه الانتخابات؟ خاصةً بعد قمع مسيرة مجمع المحاكم."

وأكّدت جرّار على أنَّ قرار تعليق المشاركة في الانتخابات كان بعد مجموعة من التراكمات حول الأجواء الديمقراطيّة لإجرائها، وتهديد المرشحين وصولًا لما حصل في مسيرة مجمع المحاكم  وطريقة القمع، وكان التعليق لحين اتّخاذ إجراءات جديَّة، ومحاسبة منتهكي حقوق المتظاهرين، لكن في مساء نفس اليوم أُطلقت النار على المتظاهرين في الدهيشة، ولم يؤخذ أيّ قرار جدّيّ بمحاسبة المتورّطين أو إيقافهم، ولذلك أصدرت الجبهة قرارها بعدم المشاركة.

وعن الانسحاب من التحالف الديمقراطيّ؛ قالت جرار إنَّ التحالف الديمقراطيّ ليس حزباً واحداً إنّما هو تحالف، والجبهة أعلمت قوى التحالف بقرارها قبل الانسحاب وطالبتهم باتخاذ موقف مشابه، لكنّهم رفضوا.

"الانتخابات كانت مطلباً"

من جهته قال عضو المكتب السياسيّ للجبهة الديمقراطيَّة لتحرير فلسطين، قيس عبد الكريم، إنَّ الهدف من الإصرار على المشاركة في الانتخابات هو أنَّها كانت مطلباً للقوى الديمقراطيَّة ولكلّ الحريصين على المسار الديمقراطيّ "ولذلك ضغطت الجبهة الديمقراطيّة، وبالمشاركة مع القوى الديمقراطيَّة، على الحكومة من أجل أن تلتزم في إجراء الانتخابات في موعدها المحدَّد.

وقال عبد الكريم إنّ "الديمقراطيّة" سعتْ من أجل إجراء الانتخابات في الضفة الغربيَّة وغزّة، ولكنَّ العقبات التي وضعت من طرفيْ الانقسام أدَّت لتعطيلها؛ مضيفاً: "عملنا على إزالة هذه العقبات ودفعنا باتجاه تعديل القانون بما يمكِّن من تشكيل محكمة خاصة بالانتخابات، إلَّا أنَّ حماس قررت عدم المشاركة ومنع إجرائها في غزَّة، وبناء على ذلك؛ دفعنا باتجاه إجراء الانتخابات، حتى لو كانت في الضفة الغربيّة كمرحلة أولى، على أن تُستكمل في قطاع غزَّة كمرحلة ثانية".

أما عن إقامة الانتخابات في الضفة الغربيَّة فقط وعلاقة ذلك بتكريس الانقسام، فأوضح عبد الكريم أنَّه في عام 2012 أقيمت الانتخابات في الضفة فقط، وشاركت القوى الديمقراطيَّة ولم يحصل أيّ شيء على صعيد الانقسام، وأضاف أنَّه بالإمكان أن تجري انتخابات بلديَّة في قسم دون الآخر دون تكريس الانقسام، فالانقسام ليس بحاجة لتكريس.

وعن المساس بالحقوق الديمقراطيَّة، فقال إنَّها تُمسّ منذ فترة طويلة، وإنَّ الطريق لمواجهة هذا التدهور هو العودة إلى المسار الديمقراطيّ حتى لو كانت العودة جزئيَّةً، واعتبر الانتخابات المحليَّة جزءاً من هذه العودة.

 

"لا علاقة للانتخابات بالانقسام"

بدوره قال المتحدث باسم حركة فتح في غزَّة، فايز أبو عيطة، إنَّ الانتخابات أُعلن عنها لتجري في الضفّة وغزّة وحيث ما أمكن، "ولكنَّ حركة حماس برفضها لإجراء الانتخابات وبحكم سيطرتها على القطاع فهي لن تسمح بإقامتها في غزّة."

وعن تكريس الانقسام من خلال الانتخابات، قال أبو عيطة إنَّ إجراء الانتخابات بالضفّة لا علاقة له بالانقسام، فيجب أن تجري طالما أنّ هناك جاهزيَّة لإقامتها في مكانٍ ما، مضيفاً: "فمن حق الناس اختيار ممثليهم وليس من الضروريّ تأجيلُ الانتخابات في الضفّة وغزّة حتى الوصول إلى توافق حولها."

وأشار أبو عيطة إلى أنَّ منع الانتخابات في غزّة- لا إقامتها في الضفة الغربيَّة وحدها- هو من يكرِّس الانقسام، وأنَّ إجرائها في أيّ مكان هو حق للمواطن الفلسطينيّ لا يجب مصادرته ولا يجوز لأيّة جهة أن تعطّل الانتخابات، فالقانون ينصّ على أنّها يجب أن تجري كلّ أربع سنوات.


"الانتخابات تعزّز الانقسام"

أعلنت حركة حماس موقفها من المشاركة في الانتخابات البلديَّة في بيان صحفيّ لها، قالت فيه: "إنَّ إجراء الانتخابات المحليَّة مرفوض ويعزّز الانقسام ولا يخدم الكلّ الفلسطينيّ"،  وأكّدت الحركة على أنَّ إجراء أيّ انتخابات قادمة يجب أن يكون جزءاً من المصالحة.

فيما أصدرت الحركة بيانًا آخر دعت فيه إلى انتخاب الأصلح والأكثر كفاءةً في انتخابات الهيئات المحليَّة بحسب وصفها، مؤكدةً على موقفها من مقاطعة الانتخابات وأنَّ إنهاء الانقسام الداخليّ هو الضمان الوحيد لإنجاز حالة ديمقراطيَّة فلسطينيَّة سليمة.

هذا وحاولنا في اتجاه التواصل مع عدد من قيادات الحركة لكنَّهم رفضوا إجراء المقابلات.


"الانتخابات تكريس ومأسسة للانقسام"

وقال الباحث معز كراجة إنَّ انتخابات البلديَّة سوف تتكرّر للمرة الثانية بعد الانقسام، على عكس انتخابات المجلس التشريعيّ والرئاسة التي لا يوجد ضغط من أجل عقدها، لأنّ الانتخابات في هذين المجالين تعني إعادة تشكيل السلطة بالكامل، بينما انتخابات المجالس المحليَّة لا تعني خسارة السلطة.

وعن أهمية الانتخابات بالنسبة للسلطة في الضفة الغربيَّة؛ يعتقد كراجة أنَّ الهدف الرئيسيّ من إجرائها هو أنَّ السلطة تسعى للحفاظ على حدّ أدنى من الشرعيَّة، وأنَّها ترى في الانتخابات وسيلة لهذه الشرعيَّة.

فيما بيَّن كراجة أنَّ إقامة الانتخابات في الضفة دون غزّة تكريس للانقسام، وأضاف أنَّ المجتمع الدوليّ عزّز وبادر في تكريس ومأسسة الانقسام، فبعد مؤتمر "أنابوليس" ومؤتمر للمانحيين في "باريس" تم تحويل أموال لخزينة السلطة ذهبت بالكامل لمشاريع في الضفة فقط؛ وبذلك خُلِقَ نمط حياة في الضفة، يختلف عن قطاع غزّة.

ويرى كراجة أنَّ لذلك الأمر هدفيْن: "ففي حال اخترت خيار "السلام" ستعيش في "بحبوحة" اقتصاديَّة، أما اذا اخترت اتجاه المقاومة ستعيش بنمط آخر مختلف"، ومن جهة ثانية تعزيز مؤسسات السلطة في الضفّة وتقويتها لتكون مدخلاً لتكريس الانقسام، وهذا باتفاق ضمنيّ مع السلطة في الضفة الغربيَّة التي قبلت بهذه المشاريع.

وأشار كراجة إلى أنَّ المشاركة في الانتخابات أصبحت تقوم على أساس مدى الاتفاق أو الاختلاف مع السلطة، موضحاً: "هل تختلف مع السلطة من أساسها أم أنَّك تعمل على تحسين السلطة؟،  وبالتالي إمَّا المشاركة في الانتخابات أو المقاطعة بشكل كامل، والانشغال بالبحث عن بديل كامل."

وقال كراجة إنَّ البلديات يفترض أن تكون مؤسسات خدماتيَّة، وتعمل على التنمية المحليَّة، ولكن ومع انتشار ثقافة التمويل أصبحت البلديات تعمل على أساس رؤيَّة تنمويَّة غير مجدية، وكلّ ما يتمّ إنجازه يأخذ طابع العمل الإغاثيّ والمحافظة على الحدّ الأدنى للحياة؛ فحتى لو تم انتخاب أفضل الأشخاص ليصلوا للبلديات، فهم سيبقون محكومين بسياسة محدَّدة ولن نحصل على نتيجة مختلفة.

وبيَّن كراجة أنَّ هناك توجه في هذه الانتخابات، وبالتحديد لدى حركة فتح، بتشكيل قوائم على الأساس التوافقيّ،  بسبب الخوف من تدنّي نسبة المشاركة في الانتخابات؛ مضيفاً من جهة أخرى أنَّه حتى لو شاركت حماس في الانتخابات فهي لن تنتج شيئاً جديداً.