بجهود تطوّعيّة: "أنا إنسان" خطوة نحو عدالة اجتماعيّة

٠١ تموز ٢٠١٧

في السّاحة الخلفيّة لمعهد أمناء جامعة بيرزيت، الذي يشكّل مركز أنشطة وفعاليّات ملتقى نبض الشبابي، تظهر طاولات كبيرة الحجم ممدودٌ عليها المئات من قطع الملابس بألوانٍ وأحجامٍ وحالاتٍ مختلفة، إضافة إلى عددٍ كبيرٍ من الأكياس والكراتين الممتلئة بالمواد الغذائيّة والتموينيّة، تتحرّك بينهم خليّة من الشباب، الذي لا يكلّ، تعمل جاهدةً على ترتيبها وتوظيبها.

عند الاقتراب أكثر من المشهد، تُبهِرك كميّة الجهود التطوّعيّة المبذولة. "ألو، معك حملة أنا إنسان" تردّ إحدى المتطوّعات، يتناقش آخرين حول الطريقة الأمثل لفرز الملابس، تهتمّ مجموعة أخرى بالطرود الغذائيّة، وتأخذ مجموعةً منهم في الزاوية استراحة من المرجّح أن تحوي نقاشاً حول القضايا السياسيّة والاجتماعيّة الساخنة، كلّ ذلك في الوقت الذي تستمع فيه إلى موسيقى يعلو صوتها وينخفض خلال النّهار، تماماً كما هي طاقة متطوّعي الحملة.

يمتدّ المشهد السّابق يوميّاً من السّاعة الثانية ظهراً حتّى الثانية عشرة مساءً، منذ اليوم الأوّل من شهر رمضان؛ وذلك كلّه في سبيل تحقيق أهداف حملة "أنا إنسان". أنا إنسان هي حملة شبابيّة تطوّعيّة، يقيمها ملتقى نبض الشبابي للعام الثاني على التوالي؛ وتهدف بشكلٍ أساسيّ لتحقيق خطوات نحو العدالة الاجتماعيّة، مركّزة عملها على الطرود الغذائيّة والملابس وألعاب الأطفال، التي سيستفيد منها قرابة المئتيّ أسرة من الفئات المهمّشة من القرى والمخيّمات الفلسطينيّة، وتحديداً الأكثر تضرّراً من الاستعمار منهم، وهم أسَر الشّهداء والأسرى.

ليس الجانب الخَيريّ هو الأساس في الحملة كما تخبِرنا المتطوّعة بها منى بسيسو. إنّ جَوهَر الحملة يقوم على تحقيق نوع من التكافل والتماسك الاجتماعي الذي يندرج في إطار مشروع تحرّري أكبر؛ على اعتبار أنّ هذه الفئات هي الأكثر معاناةً من سياسات الاستعمار.

تتطوّع منى في الحملة للعام الثاني على التوالي، وتؤكّد على اكتساب المجموعة للخبرة وتنظيم العمل مع الوقت. "في البداية كانت الاشياء ملخبطة، بس مع الوقت صرنا مرتّبين وعارفين كيف نشتغل أحسن" تقول، ثمّ تضيف: "أصبحنا مثلاً نستخدم الأدوات المتاحة بشكل أفضل، وتحديداً صفحة الفيسبوك التي ساعدتنا كثيراً في جمع التبرّعات".

يرى عمر قطامش، وهو طالب مدرسيّ ومتطوّع في مجموعة نبض المدارس، أنّ جوّ الحملة بشكلٍ عام كان إيجابيّاً، حيث تبقيه على اتّصال شعوريّ دائم مع المحتاجين، كما تفتح المجال لعلاقات وجسور تواصل ما بين المجموعة والعديد من الفئات الأخرى. أمّا على الصعيد الشخصي فيرى عمر -ابن الخمسة عشر عاماً- أنّ التطوّع في الحملة فتح له المجال للتعامل مع أشخاص من خلفيّات وأعمار مختلفة ما عاد في النهاية بالإيجاب على شخصيّته.

يوضّح لنا عطا خطّاب، المتطوّع في ملتقى نبض الشبابي منذ تأسيسه، الأثر الذي أحدثته الحملة على الملتقى داخليّاً، ككلّ، إذ أضحت وفقاً له محطّة اجتماعيّة ومركزاً للتواصل بين جميع ناشطي ومتطوّعي نبض، كما تخلّلت الحملة نفسها عدداً من الفعاليّات والمناسبات الاجتماعيّة والندوات، مثل ندوة قدّمها جبريل جحشان عن العمل التطوّعي وتاريخه وأهميّته.

تقضي الطالبة في جامعة بيرزيت، ريحانة عودة، هي الأخرى، جلّ يومها في العمل للحملة منذ بداية رمضان. أثناء حديثها لنا، تتندّر ريحانة ضاحكة بسبب عدم رؤيتها لعائلتها منذ مدّة لانشغالها بالحملة. وتشرح لنا بعض الصعوبات التي واجهت الحملة، كان أبرزها حاجتهم الدائمة للمزيد من المتطوّعين لضخامة الحملة، إضافة إلى الحاجة إلى مساحات أخرى؛ حيث تحتضن المساحة الحاليّة جميع أنشطة وفعاليّات ملتقى نبض، ما يؤدّي إلى ازدحامها في بعض الأوقات.

أمّا عن آليّة الوصول للعائلات المحتاجة تقول ريحانة: "كنّا قد بنينا مع بعضهم علاقة من حملة العام الماضي، أمّا البعض الآخر، فوصلنا إليه من خلال جمعيّات مختلفة، مثل: جمعيّة جبل النجمة، كما استعنّا باللجان الشعبيّة في المخيّمات. هذا عدا عن العائلات التي قامت هي بالتواصل مع الحملة، وهذا برأيي نجاح يُحسَب للحملة بأن أصبحت عنواناً معروفاً تتوجّه له بعض العائلات".

وبخصوص الحصول على التبرّعات، أوضحت أنّ الحملة فتحت المجال للتبرّع نقداً أو من خلال الملابس، فتراوحت المبالغ والكميّات المقدّمة من الناس، إضافة إلى مساهمة من "جمعيّة ترمسعيّا الخيريّة" ومحلّات أحذية المصري دعماً لها مشكورين.

ولأنّ الحملة تحمل جميع قيم العمل التطوّعي، كونه عابراً للأعمار والجغرافيا، أخذ متطوّعو مجموعة نبض القدس على عاتقهم البدء في الحملة داخل مدينة القدس. يقول ابراهيم عيد المتطوّع مع مجموعة نبض القدس: "معظم متطوّعي رام الله لا يستطيعون الدخول إلى القدس، وبالتالي رأينا ضرورة تخصيص جزءًا من الحملة في المدينة".

"لم تكن الأمور بالصعوبة التي تصوّرناها"، يكمل ابراهيم، "حيث حصلنا على مساحات للعمل من جمعيّة العروى الوثقى لأهالي لفتا ومن مؤسسة العناية الأهليّة". أمّا فيما يخصّ التبرّعات فجميعها كانت من خلال تقديم ملابس أو أموال لشراء الطرود من النّاس، مع تقديم تسهيلات وتخفيضات من محلّات أبو زهرة، كما أوضح لنا.

وعن أهميّة العمل في القدس، تؤكّد الناشطة في مجموعتيّ نبض جامعة بيرزيت ونبض القدس، والمتطوّعة في الحملة منذ بدايتها، داليا أبو الليل، أنّ القدس فعلاً بحاجة لأيّ لفتة ولو كانت صغيرة، ففي القدس يمكن لمس أثر العمل بوضوح لحجم التهميش والحصار الذي تعيشه المدينة. "على الرّغم من أنّنا بدأنا العمل بوقتٍ متأخّرٍ عن المجموعة في رام الله، إلّا أنّنا أصرّينا على البدء مع جدّيّة عالية وساعات عمل طويلة في اليوم".

وفيما يتعلّق بالخطط القادمة، أكّد لنا المتطوّع مصطفى أعمر أنّ هنالك حملاتٍ أخرى قادمة؛ إحداها سوف تسبق عيد الأضحى والأخرى ستكون بمناسبة افتتاح المدارس، فهذا –كما يقول- أقلّ واجب يمكن القيام به تجاه الناس والمجتمع، ليصبّ في النهاية في عمليّة التغيير المجتمعي الذي يسعى له ملتقى نبض.