بدون عنوان

٢٥ آذار ٢٠١٧

فتى الجرائد يأتي أولهم باكرًا ويرمي لي بصحيفتيّ القدس والأيام، ويقول لي: خذ، هذا يومك. يأتي بعده عامل النظافة، وقبل أن يأخذ سلَّة المهملات، يفتحها وينظر بداخلها، ويسألني: أَرَميت أيَّة أحزان هذا اليوم؟

بعد الظهر بقليل تلمع أضواء حمراء على الواجهة الزجاجيَّة، صوت سيارة الاسعاف المألوف، ينفتح الباب الخلفي لسيارة الاسعاف، ويندفع المسعفون بالنقَّالة، يقتحمون باب الصيدليَّة، وينتزعونني من كرسي المكتب، أحاول المقاومة لكني أستسلم وأستلقي، فيما تذرع السيارة بصوتها المدوّي شوارع المدينة حتى نصل طوارئ الشفاء فيلقونني هناك، وأعود وحدي سيرًا على الأقدام.

بعيد المغرب بقليل، تأتي سيارة الإطفاء، يدفعون الباب بعنف، ثلاثة متتابعين يرتدون أقنعة تنفس ومعاطف صفراء سميكة، يتعاونون في سحب خرطوم المياه، وخلال ثواني، أكون قد غرقت تمامًا بالماء، ثم يُنبهّني أحدهم بالصفع على وجهي الذي يقطر ماءًا: استيقظ، استيقظ، ما زال اليوم طويلًا. فأجيبه بلامبالاة مستلًّا سيجارة مبلَّلة: والحياة كذلك.

أتذكر الآن محمد طمّليه، كان لديه روزنامة معلقة على حائط غرفته، مؤلَّفة من ورقة واحدة فقط، لا تظهر لا تاريخ اليوم ولا اسمه. 

لا وقت للبكاء، كلَّما صعد الدمع للعين، انفتح بابٌ، المارة في الشارع لا وقت للبكاء لديهم أيضًا، الرجال لا يبكون أمام زوجاتهم، والنساء لا يبكين أمام أطفالهن، والأطفال لا يبكون أمام زملائهم، والركاب لا يبكون في المقعد الخلفيّ للتاكسي، والسائقون لا يبكون أمام الركاب، وأنا لا أبكي أمام نفسي، وفي نهاية اليوم، بعدما يتأكد الجميع أنَّ الجميع نائم، بعدما تفرغ الشوارع، من المارَّة والسيارات، يبكي الراكب الأخير بعدما ينزل من التاكسي، ويبكي السائق ويشغِّل ماسحات الزجاج، وتتبلل الوسائد الدافئة في البيوت، ما أحوجنا للمطر.