بزنس مثقف

٠٨ أيار ٢٠١٦

لم يكن تماماً كما تراه الآن يا صديقي، ربما توأمه النقيض أو صورته بإطار آخر، على كل حال ليس يهمني ما ظنناهُ معاً؛ ذاك أني لم أكترث يوماً بالحكم على الأشخاص بقدر ما يقلقني ما يختفي خلفهم من مشاريع.

هل تذكر كم ردّدنا كلمة “مشروع”؟ هل كل ما يجري أمامنا الآن “مشروعاً”؟… لا تضحك فأنا ما زلتُ أحب اللعب في اللغة، ولأمضي في ذلك أكثر دعنا نفتّش في حروفه؛ ربما يكون “مشروع” شراء للمثقف وهو غير “مشروع” في نظركَ أنت كإنسان تعتقد بأنك حرٌّ، وليُصبحَ “مشروعاً” أخذوا “شرعيةَ” الشعوب والديموقراطية، وأسقطَوا “شرعية” الأنظمة، واستخدموا جزءاً من “شرع” الله… هل ترى أننا قد نكون أمام مشروع غير مشروع يبحث عن شرعيةٍ أُخِذاً جزءاً منها من الشريعة!

على كل حال، ليس هذا ما أردتُ قوله…

بدأت القصة عندما كان هذا الفتى؛ قصير القامة والنحيف، يتجول بين كليات جامعة بيرزيت ويسترسل مستعرضاً بما يسمع من قليلٍ عادي ويُئوِّل بجدارة ليحكي الكثير العادي بتأطير مبهر. هوايته التأطير، ليس مهمّاً جوهر ما يقول شرط ان يقوله بإدهاش.

الدهشة والإبهار مطلوبة وبشدّة في السوق الثقافي الفلسطيني، وقد تكون هي التي رفعت السعر ليصل إلى 150 دولاراً للمقال الواحد! حسناً مبلغ كهذا يجعلُ حتّى “القرود الزرق” يعيدون النظر وعدم التسرّع في الحكم.

مهلاً، ليس هذا ما أردتُ قوله أيضاً…

صديقنا يمتلك العديد من أدوات السوق، يساعده لسانه على تأطير ما يريد، وعينه اليمنى على رؤية ما يريد، ونصف أذنه اليمنى على سمع ما يريد، وتساعده رشاقته على القفز الى إحدى المكعبات الطينية التابعة لبنك القاهرة عمان حسب ما أذكر ليصرخ شعراً ثورياً ذا طابعٍ شيوعي. صفّقنا بحرارة على ما نعرف من معنى بما لا نعرف من شعر وموسيقى.

ليس مهمّاً أن تكونَ شاعراً، فبيت من الشعر، كما يقول، لا يكفي ليصنع ما فعله عسكريّ في ليلةٍ واحدة، لذا اكتفى مما سبق وابتعد إلى ما ليس يحب مجبراً… الإجبار هنا قاسٍ كونه يتسلل إليك دون ان تدري، يفرض نفسه دون أمر او أيّة وسائل ظاهرة. في بداية الأمر راح يجسّ نبض كل من يعرف ويحاول أخذ “الشرعية” أو “المبرر” لسلكِ طريقٍ كهذا.

“سيكون الشعر أيضاً شيءٌ من الترف… العمل الفنّي والثقافي وحتّى الأكاديمي هو أيضاً ترف معرفي لا يجدي بشيء… ليكن مربحاً ماديّاً إذن” قال في اللحظة التي حسم أمره بها، فقالوا: “كن تماماً كما أنت الآن، ولكن تحت ظلِّنا” راقه ما سمع وراح يواصل منتشياً بوجود حاضنة جديدة تسمع وتمدح وتدفع. وبدأ يتشكّل من جديد، أذاب نفسه في علبة فارغة صهروها جيداً وسكبوها في قالبهم – مهلاً لا تظنوا بأن الأمر بهذه السذاجة وكأنه سحر خاص يخلق بالمثقف ما يريدون – بعد عدة حوارات داخل القالب وجد نفسه سلاحاً بيدهم، لساناً لمشروعهم وفكرهم. عندها صار لا بد من سكبه في السوق الثقافي ولم يعد هو. سلخ نفسه بأدواتهم وقيمهم وسوقهم ليخرج من تلك الذات ويتقمص أخرى قادرة على كل هذه الازدواجية في الموقف والحكم.

كلمة “يريد” في الفقرات السابقة ترددت كثيراً وهذا أسلوب أحمق في الكتابة لذلك ولعوامل متعلقة “بهم” سأغيّر كلمة “يريد” لتصبح “يريدون”… وصار يردد كلّ ما يريدون.

ربما لم أشأ قول هذا أيضاً…