بما نعزّي أنفسنا في هذه اللحظة تحديدًا من التاريخ؟

٠٦ تشرين الثاني ٢٠١٦

ربّما تكون محاولات بعض الأصدقاء باستعادة الذاكرة من طرف، وشدّ هيجان النسيان الممَنهج من جانبٍ آخر، محاولاتٌ أكثر ما يمكن أن تصل إليه من وصف، هي محاولات إنقاذ قارب صغير في عاصفة هَوجاء، فهي في نهاية المطاف مساعي هؤلاء الشبّانِ و الشابات للخروج من جرف النسيان الحاصل، والنأي بالنّفس بالحفاظ على ما تبقّى من ذاكرة، أو ربّما معايشة الذاكرة نفسها مرّة أخرى، لتكون هذه الذاكرة هي نفسها التعبير عن الهُويّة المرغوبة أو الرغبة باستعادة الفعل بشكلٍ أساسيّ، الفعل ذاته الذي صنع هذه الذاكرة.

إنّ انتشار صورة لمقاتل فلسطينيّ ببندقيّة، سواء في الانتفاضة الثانية أو في بيروت أو في الأردن لا يعني الاشتياق لهذا المقاتل، إنّه شعورُ الهزيمة الذي يرفع من قيمة الصورة، محاولة استعادة الحدث نفسه (المقاومة) من خلال بثّ الصورة، وبناء هذا الخيال حولها ومعها، فمشاركة صورة البندقيّة في بعض الأحيان، إنّما يعني فِعلُ البندقية لا البندقية ذاتها.

إلّا أنّ الأمر أقسى من محاولة استعادة الفعل ذاته الذي صنع هذه الصورة، إنّما هو محاولة تعويض الهزيمة المحيطة والداخلية في كافّة المستويات، بمبرّرات واضحة كالصورة والأغنية والفيديو للخروج من الهزيمة نفسها، وكأنّه التخلّي عن مسؤوليّة هذه الهزيمة، وأنَّ من يشارك هذه الصورة أو الأغنية أو الفيديو  خارج هذه الهزيمة التي تأخذ الكل معها، بل وتعني رفع اليد عن كلِّ ما يحصل، والإتيان بالماضي ليعبّر عمّا نرغب بفعله الآن، فيكون الماضي هو التعبير عن الموقف الحالي.

لهذا تحديدًا، نرى هاجس الأرشيف في المرحلة الحاليّة يأكل بشراهة الباحثين الفلسطينيّين الشباب، وهوس مؤسسّات التمويل أحياناً، ليس الأمر أكاديميًا بالمعنى المجرّد وإن ظهر وسُوّق على أساس ذلك، إنّما هو في عُمقه محاولة الفلسطيني مرّة أخرى للبحث عن نفسه من خلال الماضي الذي عاش به، لامتلاك الهُويّة بإحدى تعبيراتها المتمثّلة بصورة الفلسطيني. الفلسطيني الذي تحوّل من لاجئٍ إلى ثائر، من قضيّة لجوء إلى قضيّة تحرّر وطنيّ، ومن ثمّ من تحرّر وطنيّ إلى قضايا حدوديّة وحكم ذاتي، هذا السقوط الذي حدث في أوسلو، إنّما نحصد شكله الآن من خلال أخذ خطوة  إلى الوراء –ولو في الذّاكرة.

النبش في تابوت

ربّما لا تتضمّن هذه المحاولات هذا الجانب فقط، إنّما تسعى أيضًا للإجابة على سؤال يأكل رأس الفلسطيني وهو كيف حدث هذا التدحرج العظيم من كلِّ شيء إلى لا شيء، فتذهب رحلة الأرشيف في أدقّ وأصغر التفاصيل و القصص، التي تلبّي شعور الماضي الذي كان، والحاجة إليه من جانب، وتظهر الأسباب الحقيقيّة أو الملفّقة أو المركّبة التي أدّت إلى ما حدث ثمّ إلى ما بعده وهكذا.

فبعض التجارب التي حدثت وما زالت تحدث وستحدث، ستحاول بعد فعل الحنين إلى الماضي، الاشتباك معه، ونقدِه، وقد يطرح أحدهم بديل لتجربة الماضي لا في قراءتها، بل في عدم تكرارها أو الإصرار على بعضها، وهذه هي المعادلة الأهم، فعل تقديم الماضي للمحاكمة، المحاسبة و النقد و المراجعة، نفض الغبار عن أسطورة الخلق من عمقها، وإنزال سلطة  “البندقيّة” التي لم تعُد شعبًا إلى أرضه، بل سبّبت له الهزيمة، و الخضوع، والانجرار إلى حلول التسوية، إنّه يشبه تمامًا النبش في تابوت لمعرفة سبب الوفاة.

في المقابل، نرى نماذج  أخرى تعزّز وتقوّي التجربة التاريخيّة الماضية بكلّ ما فيها، وكأنّ التاريخ “كتلة” واحدة لا يمكن النظر في تفاصيله أو مراجعة الحيثيّات فيه، فمن يتابع خطوات المتحف الفلسطيني منذ فكرة التأسيس في بداية السبعينات إلى وضع حجر الأساس إلى حفل الافتتاح مؤخّرًا، يعرف جيدًا وبدقّة مسارات التحوّل في الوعي الفلسطيني الذي شمل أيضًا قراءة التاريخ وليس فقط التعامل مع الحاضر، وقد يكون موقف منظّمة التحرير في إعلان المبادئ أفضل مثال على ذلك، حيث كان نبذ العنف والإرهاب بأثرٍ رجعيّ وليس على صعيد المستقبل، هذا يعني إطلاقه رصاصة على التاريخ الفلسطيني نفسه، إطلاق النار على فكرة الولادة الأساسيّة لهُويّة الفلسطيني المعاصرة، إنّه يشبه تمامًا إعلان قاتل لندمه على الجريمة قبل إعدامه.

إشتقنالك إرجع

حين رأيت لوحة ناصر الجعفري تلك التي يحاول حنظلة فيها الإمساك بيدِ المقاتل الفلسطيني الذي يحمل البندقيّة ويقول له “إشتقنالك…إرجع”، تبادرت إلى ذهني مباشرة اللحظة ذاتها التي نبكيها الآن ونتمنّى عودتها، إنّها موقف لا بكاء على ماضي، وهنا تكمن الخلاصة، فما يجب علينا الآن هو وضع التاريخ الفلسطيني على طاولة المشرحة والتحقيق والتقديم للمحاكمة إن لزم الأمر، فلا يمكن الخروج من الواقع الذي نعيش فيه من دون نقد الماضي الذي أدّى بنا إلى هذا الواقع، ومن دون تغيّر قراءتنا لهذا التاريخ لا يمكن الخروج بواقع جديد، وقبل وضع صورة حنظلة و المقاتل تعبيرًا عن رغبتنا باستعادة المشروع الوطني التحرّري علينا أن نعرف لماذا غادر ذلك المقاتل ساحة المعركة و الخندق وترك حنظلة وحده.