بين كولومبيا وفلسطين

٢٢ أيلول ٢٠١٨

في غمرة نقاش حول واقع المخيمات الفلسطينية، من مخيم الدهيشة في بيت لحم وصولاً إلى مخيم الجلزون في رام الله، وفي حضرة صديق كولومبي جاء لزيارة فلسطين، لم يستطع الكفّ عن المقارنة بين المخيمات الفلسطينية وبعض أحياء كولومبيا الفقيرة، كانت إجابته على سؤال كيف رأيت الحال في المخيم: "لم يصدمني هذا الواقع، بل واستحضرتني مشاهد عديدة من طفولتي في بلدي كولومبيا". بدأ ابن عمي الذي عاش في كولومبيا لأشهر عدة يشرح أيضاً عن حالة بعض الأحياء الكولومبية التي زارها، من فقر وسوء ومشاكل صحية.. إذ بها جدتي اللّاجئة من مدينة الّلد المحتلّة عام 1948 إلى مخيم الجلزون تسأل ابن عمي: "أي مخيم هاد يا حبيبي اللي بتحكي عنه؟" في سؤال جدتي التي تجاوزت ال80 عاماً، وإجابة صديقي الكولومبي العشرينيّ تتلخص حكايات ومعانات ونضالات وتضحيات لا تعدّ ولا تحصى.

كولومبيا إحدى الدول الواقعة في الشمال الغربي من أمريكا الجنوبية، استقلّت عام 1819، ضمن مساعي سيمون بوليفار في استقلال دول أمريكا الجنوبية من الاحتلالين الإسباني والبرتغالي، وحُلمه الأكبر في توحيد دول أمريكا الجنوبية، حتى عام 1830، أي عام وفاة بوليفار، كانت تسمّى جمهورية كولومبيا الكبرى؛ أي كولومبيا، الإكوادور، فنزويلا وبنما، انفصل كل من الإكوادور وفنزويلا مباشرة وشكّلتا دولتين مستقلتين، أما بنما فاستغرق الموضوع بضعة عقود حتى تعلن استقلالها مع بداية القرن العشرين بدعم واضح من الولايات المتحدة الأمريكية. هنا تستحضرني سوريا الكبرى، التي كانت قبل عام 1916 تشكّل كل من فلسطين ولبنان وسوريا والأردن، ومع اتفاق سايكس البريطاني وبيكو الفرنسي رُسمت الحدود بشكلها الحالي، للدّقة ليس الشكل الحالي بل ما كان قبل عام 1948 بما شكّله الكيان الصهيوني من حدود جديدة. ليس غريباً أن كل المتآمرين من القارة البيضاء، فلطالما كان المستعمر استعلائي غربي ناهب لثروات الكرة الأرضيّة، يتطلّع باستمرار للسيطرة والاستغلال بدعوى زعمه الحماية لسكان المنطقة المستعمرة، مدّعياً على السواء أنّنا وحشيين ولا نعرف كيف نتعامل لا مع أنفسنا ولا مع خيرات بلادنا.

 كولومبيا بلد غني بالثروات الطبيعية، وهو الوحيد في أمريكا الجنوبيّة المشرف على المحيطين الهادي والأطلسي، لم ينكفأ منذ التاريخ القديم وحتى هذا اليوم عن كونه محطّ أعين الطامعين، وكنز تتلفت إليه عيون الدول الكولونيالية، فبعد استقلال البلاد ومن خلال قوانين استملاك الأراضي بدأت سياسات نقل ملكية الأراضي من صغار الفلاحين إلى الملاك الكبار، وأصبح الفلاح البسيط عامل لدى سارق أرضه، فلطالما كانت الملكية الخاصة أول طريق السلطة والسيطرة.

لا يختلف هذا في جوهره كثيراً عن سياسة الصندوق القومي اليهودي قبل إنشاء الكيان الصهيوني في التلاعب على الفلاحين الصغار الفلسطينيين وشراء الأراضي من أجل بناء المستوطنات، ولاحقاً بعد حدوث النكبة عام 1948 ولجوء الفلسطينيين خارج البلاد أو مجرد نزوحهم داخل فلسطين بدأت تظهر قوانين استملاك الأراضي، التي سمّيت آنذاك بقوانين حارس أملاك الغائبين، والتي تنصُّ على أنّه في حال لم يزرع الفلسطيني اللاجئ والممنوع دخوله إلى أرضه ما يملك من أراضي فإنّ الملكية تنتقل إلى الدولة أي الكيان الصهيوني.

في تشابه التاريخ

في التاسع من نيسان عام 1948، كانت شرارة انطلاق النزاع المسلح الداخلي في كولومبيا في حادثة اغتيال زعيم الحزب اللّيبرالي ومرشح الرئاسة آنذاك "خورخي جايتان"، البعض يقول نعم وفي ذات اليوم رغم اختلاف الوقت بين هذين البلدين دون اختلاف الحادثة إلا من تضخم مبالغ به، ارتُكبت مجزرة دير ياسين من قبل عصابات الآرغون وشتيرن الصهيونية، الناتج عنها استشهاد أكثر من 300 فلسطيني وفلسطينية من سكان القرية بحسب المصادر العربية. لابدّ من التنويه أنه في ذات العام تم اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الانسان من قبل الجمعيّة العامة للأمم المتحدة في العاصمة الفرنسية باريس، قد تكون مصادفة، إلّا أنها مصادفة لا يمكن التغاضي عنها. هذه الأمم المتحدة ذاتها أصدرت قبل عام من ذلك أي 1947 قرار رقم "181"، والذي ينصّ على إنهاء الانتداب البريطاني على أرض فلسطين، وتقسيم فلسطين إلى دولتين: دولة عربيّة على ما يقارب مساحته 46% من أراضي فلسطين التاريخيّة، وأخرى عبريّة على ما يقارب مساحته 54% من أراضي فلسطين التاريخيّة، ووضع مدينة القدس تحت الوصاية الدوليّة. نتيجة لذلك القرار أُعطت الشرعيّة للكيان الصهيوني الغاصب، وباسم الأُمم المتحدّة!

حول طبيعة النزاع في كولومبيا وفلسطين

نزاع بين الليبراليين والمحافظين كما بدأ، ولكن الأمور أخذت مجرى آخر، في اتجاه صراع طبقي، فكولومبيا لم تُحكم منذ عام 1948 إلّا من قبل أحزاب يمينيّة تتراوح بين يمين وسطيّ وآخر أكثر تطرفاً، ونتيجة لذلك نشأت عدّة مجموعة ثورية مسلّحة في بدايات السّتينات من القرن المنصرم، وعلى رأسها مجموعة الفارك (القوات المسلّحة الثورية الكولومبية) الماركسية الّلينينية، الناشئة من قبل المزارعين للدفاع عن أراضيهم عام 1964، وباستلهام واضح من الثورة الكوبية بقيادة فيديل كاسترو لعام 1959.

أما بالنّسبة لفلسطين، فبلا شك هناك صراع طبقي كما في كلّ أنحاء العالم، إلا أنّ أساس الصراع العربي الصهيوني صراع قومي وجودي؛ صراع أرض وهويّة، وبالتالي صراع سياسي.

فلسطين وكولومبيا في القانون الدولي

تبعا لبعض المواقف الدولية وبالتحديد من وجهة نظر القانون الدولي الإنساني فإن النزاع الكولومبي يصنّف على أنّه نزاع مسلح داخلي، بعض آخر يقول أنّه لا يتخطّى كونه توترات داخلية، هذه الحالة الممتدة من عام 1948 أسفرت عن أكثر من 7 مليون ضحية ومتضرر ما بين الترحيل القسري والاعتقال والاغتيال ونهب الأراضي، وجدير بالذكر أن النسبة الأكبر من المتضررين هم النازحون، بالإضافة إلى أشكال عدّة أخرى من الانتهاكات والجرائم. أما بالنسبة لفلسطين، فبحسب القانون الدولي ومنذ عام 1967، فإن الصراع يصنّف على أنّه احتلال من قبل الكيان الصهيوني للأراضي الفلسطيني المحتّلة عام 1967، وبالتالي يندرج تحت مسمّى النزاع المسلح الدولي، إلّا أنّني أراه احتلال لكامل أراضي فلسطين التاريخيّة المحتلّة منذ عام 1948، وبالتالي الكيان الصهيوني كيان لا شرعيّ، ولا يمكن التعايش معه إلّا بانحلاله ككيان صهيوني استعماري.

بالطبع لم يبق الصراع في كولومبيا صراعاً داخلياً، فالمستفيدون من هذه الحالة كثر وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية، فالتدخلات سواء المباشرة أو غير المباشرة لا تنتهي، لذلك لنتحدث عن الأكثر وضوحاً، حيث كانت التدخلات الأمريكية تحت شعار المساعدات الانسانية تتمثّل في خطة كولومبيا (Plan Colombia) الموقّعة عام 2000، تأتي هذه الخطة بأربعة أهداف معلنة: سحب أسلحة المجموعات المسلحة الشيوعية، إنهاء تجارة المخدرات، سحب أسلحة المجموعات شبه العسكرية/Paramilitar (المدعومة مباشرة من الولايات المتحدة الأمريكية وأحياناً من الحكومة الكولومبية)، إعاده بناء البلاد.

ماذا وراء خطة كولومبيا حقيقةً

سياسات نيوليبرالية بشكل واضح، تتمثل بتكاثر لوجود الشركات العابرة للحدود والشركات الاستخراجية، إلى خصخصة في المرافق العامة والخدمات، أما بالنسبة للشركات الاستخراجيّة فالمشكلة ليست فقط في مبدأ استخراج المعادن والبترول، بل في القوة والعنف المستخدم إن عورِضَت مصالح هذه الشركات، فالمزارعون والسكان الأصليّون هم أول المتضررين من هـذه السياسات، فيتهددهم بشكل مستمر القتل والترحيل. من جهة أخرى تهدف هذه الخطة للقضاء على التواجد الشيوعي في كولومبيا، فهذه كانت سياسة الولايات المتحدة الأمريكية منذ الحرب الباردة بين المعسكر الرأسمالي والمعسكر الاشتراكي فيما يتعلق في كلّ دول أمريكا اللّاتينيّة. جدير بالذكر هنا أن كولومبيا كانت الدولة الوحيدة في أمريكا اللّاتينية التي تؤيد الغزو من قبل الولايات المتحدة الأمريكية للعراق عام 2003، وبالتالي نستنتج عن أي مدى من العلاقات التبعيّة نتحدث بين الحكومة الكولومبية والولايات المتحدة الأمريكية.

الاقتصاد الفلسطيني وخطط التنمية ما بعد أوسلو

في تزامنٍ بعض الشيء، بل بالأحرى مع انهيار المعسكر الاشتراكي، وانفراد المعسكر الرأسمالي في العالم نلحظ المحاولات الدائمة للسيطرة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية على العالم بأجمعه وبالأخص باتجاه الدول الفقيرة والضعيفة أو التابعة، من خلال فرض سياسات الليبرالية الجديدة على الدول، وبالنتيجة لم تسلم القضية الفلسطينية من هذه المعادلة، فمحاولات تصفية القضية الفلسطينية لم تنتهِ بعد منذ أكثر من مئة عام، وجاءنا اتفاق أوسلو المُنشأ للسلطة الفلسطينية، ولسنا هنا بصدد الحديث عن اتفاق أوسلو بالتحديد، بل عن ما نتج عنه من سياسات بناء للدولة والمؤسسات، وتقسيم للأراضي الفلسطينية المتبقية بعد احتلال 1967 إلى (أ) و(ب) و(ج)، واستحوذت المناطق (ج) على أكثر من 60% من أراضي الضفة الغربية والتي تقع تحت السيطرة الاسرائيلية، وبالنتيجة لا سيطرة للسلطة الفلسطينية على هذه الأراضي، ولا ننسى الامتداد الاستيطاني للمستوطنات الاسرائيلية في أراضي الضفة الغربية حتى باتت مساحة ما تسيطر عليه السلطة الفلسطينية من كامل مساحة فلسطين التاريخية ما يقل عن 15%.

إن مشروع التنمية الاقتصادية المستحضر مع إنشاء السلطة الفلسطينية، وبدّقة أكثر مع قدوم رئيس الوزراء سلام فيّاض، لا يمكن تصنيفه إلّا بمشروع اقتصادي قائم على الليبرالية الجديدة، بما يتلاءم أساساً مع ما جاء في القانون الأساسي الفلسطيني المعدّل لعام 2005 بحسب المادّة (21) التي تنصّ على أنّ: "النظام الاقتصادي في دولة فلسطين يقوم على نظام اقتصاد السوق الحر..". إن هذا النظام لا ينسجم والحالة الفلسطينية، بل ولا يخدم إلا طبقة النخبة السياسية ورأس المال الاقتصادي، وما أبعده عن الطبقات الشعبيّة ومفهوم العدالة الاجتماعيّة. وبشكل منطقيّ، وقبل الحديث عن طبيعة النظام الافتصادي الذي نريد، فإنّه من غير الممكن الحديث عن اقتصاد فلسطيني حرّ ومستقل ما دام رهن التبعية للاقتصاد الصهيوني واتفاقية باريس. وجدير بالذكر أن الاقتصاد الفلسطيني قبل نكبة عام الـ48 كان اقتصاداً زراعياً انتاجياً، وفترة ما قبل عام الـ67 كانت نسبة الزراعة 69%، بالنتيجة وباتّباع النظام الاقتصادي الحالي لا أُفق إلّا لاقتصاد ريعي استهلاكي تبعي.

حول العلاقات بين الحكومة الكولومبية والكيان الصهيوني

منذ اعتراف الحكومة الكولومبية بالكيان الصهيوني في الخمسينات من العقد المنصرم فإن العلاقات الكولومبية الصهيونية تتمحور حول ثلاثه جوانب: عسكرية، سياسية وتجارية، ولم تقتصر العلاقة على بيع الأسلحة من قبل الجانب الصهيوني إلى الجانب الكولومبي، بل أيضاً إشراك للمخابرات الصهيونية في عمليات الجيش الكولومبي، وتبقى حادثة تورّط الكولونيل الصهيوني كلين في مقتل المرشح الرئاسي عن الحزب الليبرالي "جالان" عام 1989 شاهد على طبيعة العلاقات، إضافة إلى التدريبات واستيراد الكميات الكبيرة من الأسلحة والمعدات العسكرية.

منذ أيلول 2001 تغطّت العلاقات الصهيونية الكولومبية في المكافحة العالمية للإرهاب، وبما أن الفارك صُنّفت كمنظمة ارهابية وكذلك بعض الأحزاب الفلسطينية بأجنحتها العسكرية، فاشتركَ الجانبين؛ الكولومبي والصهيوني في الآليات والخطط العسكرية، وبالغالب كان الكيان الصهيوني الأب في هذه العلاقة. كانت ذُروة وأوج العلاقة فترة استلام الحكم من قبل مرشح اليمين المتطرّف "أوريبه" بين عامي 2002 و2012.

حول المستقبل..

في شهر حُزيران من هذا العام ظهرت نتيجة الانتخابات الرئاسية الكولومبية، والتي كانت في جولتها الثانية بين مرشح أقصى اليمين؛ وريث الرئيس ما قبل السابق لكولومبيا "أوريبه"، ومرشح أقصى اليسار؛ زعيم سابق للمجموعة الثورية المسلّحة م19، أما الحسم فكان لمرشّح اليمين "دوكيه" بنسبة 54%، و42% لـ "بترو". في ظلّ أن من برنامج الرئيس الجديد إعادة النظر في اتفاق السلام الموقّع بين الفارك والحكومة برئاسة "سانتوس" آنذاك، فيبرز السؤال حول مستقبل البلاد، وما يمكن أن يحمله هذا البرنامج من تغييرات على بلد لم يحظى بالسلام يوماً.

أما فلسطين، فبعد فشل اتفاق أوسلو منذ 25 عاماً في تصفية القضية الفلسطينية، واستمرار الشارع الفلسطيني بالنبض الدائم باتجاه التحرير، سواء ضعفت شدّة المواجهة أم احتدّت، تطلّ علينا الولايات المتحدة الأمريكية بِصُحبة حلفائها السعوديين وباتفاق أيضا مع الجانب الأردني والمصري والكيان الصهيوني بمشروع جديد، ألا وهو صفقة القرن، هذه الصفقة الّتي لا تهدف إلّا إلى إنهاء القضية الفلسطينية تماماَ، فلا حديث عن حق العودة، ولا المستوطنات، ولا إنهاء للاحتلال، بالتالي لا يمكن تصوّر دولة فلسطينية مستقّلة على أي شبر واحد من فلسطين.

بالختام يمكن ملاحظة الدور المتماثل الذي تلعبه الولايات المتّحدة الأمريكية سواء في كولومبيا من خلال نهب ثرواتها وتطويعها لتبقى دولة تابعة، وكذلك استهداف أي محاولة لمقاومة الإمبريالية، وفي فلسطين من خلال القضاء على أيّة محاولات لمقاومة الكيان الصهيوني، كنز الولايات المتحدة الأمريكية وشريكها بالمنطقة، بل ومحاولة خلق ثقافة انهزاميّة ومجتمع استهلاكي غير قادر أساساً على المجابهة.

لكن الثائر أنطوان جميل داود يذكّرنا بنوع آخر من العلاقات، أنطوان المولود في بوغوتا عاصمة كولومبيا عام 1909، فلسطيني الأصل من مدينة بيت لحم، وصاحب عملية نسف مبنى الوكالة اليهوديّة المرتبطة في الحركة الصهيونية، عام 1947 في مدينة القدس، لم تنتهِ علاقته مع فلسطين عند هذه العملية، بل كان يخطط لعملية ضخمة في آب من عام 1969، إلا أنه توفّي قبل عدّة أيام من التنفيذ، إن قصّة الثائر الكولومبي الفلسطيني ليست إلا دليلاً على العلاقات الفلسطينية الكولومبية.. لكن بشكلها الّذي نحبّ، فالنضال وحده القادر على توحيد الأمم تحت راية واحدة، وللقضايا العادلة يتزاحم الثوريون من كلّ العالم.