تجمّع المحامين الديموقراطيّين: تجربة نقابيّة ديموقراطية

٣٠ أيار ٢٠١٨

بادر عددٌ من المحاميين الغيّورين على تشكيل كتلٍ نقابيّةٍ مهنيّة في مواجهة الكتل التابعة لأحزابٍ سياسيّة،  على أبواب أول انتخاباتٍ ديموقراطيّة في نقابة المحاميين النظاميّين الفلسطينيّين في نيسان 2003، وحقّقت هذه الكتل نجاحاتٍ كبيرة في أوّل انتخابات لمجلس نقابة المحامين، بل فازت بأكثريّة المقاعد في مواجهة كتلة منظّمة التحرير الفلسطينية.

وسرعان ما تحلّلت هذه الكتل بعد الانتخابات ليعود بعضها بالتشكّل في الموسم الانتخابي اللاحق، أي أن هذه الكتل لم تتحوّل لتيّارٍ نقابيّ أو كتلٍ نقابيّة منظّمة لها هيكلية وآليّات عمل وبرنامج نقابي واضح، ويُستثنى من ذلك تجمّع المحامين الديموقراطيين الذي سعي للبقاء كتيّار نقابي مهني داخل نقابة المحامين الفلسطينيين، بالتالي سعى ليبقى كتنظيم نقابي فاعل ومعارض داخل النقابة من خلال ممثليه في المجلس و/ أو معارضة بنائه في الهيئة العامّة.

لعلّ هذا التميّز يكمن في آليّات العمل، حيث سبق الإعلان عن التجمّع من خلال اجتماعات في المدن المختلفة للتشاور حول الفكرة النقابيّة التي على أساسها سيتم سيشيّد التجمّع بمشاركة قاعديّة (بشراكة المحامين أصحاب المصلحة الحيويّة والمباشرة)، وتأسيسًا على ذلك، عُقدت اجتماعات تمخّض عنها انتخاب لجان تنسيق فرعيّة في كل مدينة، وبعدها عُقد اجتماع موسّع ضمّ ممثّلين عن المدن كافّة وانتخب سكرتيريا مركزية  لقيادة التجمّع.

ومن أهمّ المشكلات التي كان لا بد من معالجتها ونقاشها:

1- التجمّع تنظيم نقابيّ مهنيّ مستقلّ، لا يتبع أي حركة سياسيّة وهذا لا يتعارض مع انتماء أيّ من أعضائه لأي حزب سياسي أو انتماء فكري، فهو تنظيم نقابي يقوم على أسس نقابيّة ومهنية وليس على أساس سياسي وحزبي، ويسعى للدفاع عن حقوق كافّة المحامين الفلسطينيّين والمواطنين. وهدفه حماية النقابة من التدخّل ومحاولات الاحتواء وتقوية استقلاليتها الماليّة والإداريّة والسياسية ضدّ التدخّل في شؤونها من أيّ جهة بقصد تسييسها وتحزيبها وتجيير نشاطها لأغراض غير نقابية لا تخدم مصالح المحامين كافّة.

2- تؤخذ القرارت كما هو حال اختيار مرشّحي التجمّع أو تحديد التحالفات ...إلخ. حيث توفّرت آليات عمل ديموقراطي بالتشاور الجماعي وعقد الاجتماعات، وإن اقتضى الأمر بالتصويت إذا تعلّق الأمر باختيار مرشّحي التجمّع للانتخابات أو برز خلاف حول قضايا نقابيّة جوهرية، يؤخذ القرار بعد التشاور، أي اللجوء للقاعدة لتحديد متطلّبات العمل النقابي.

3- التجمّع أُسّس على فكرة نقابيّة تعمّقت من خلال العمل والصراع والمنافسة، وتحوّلت الفكرة  لرؤية وبرنامج نقابي مهني يستجيب للحقوق الحيويّة للمحامين وهذا ما جعل التجمّع يستمرّ رغم الضغوط والتحريض المتواصل عليه .

4- السياسي والنقابي المهني - خلاصة التجربة الفلسطينيّة تشير إلى عدم جدوى الاستمرار بالعمل تحت تسميات ويافطات حزبيّة في قضايا العمل النقابي والمهني . وهذا لا يعني عداء للحزبيّة بل محاولة إبداعية للجمع بين النقابي والسياسي بشكل يُراعى فيه خصوصيّة العمل النقابي المهني والمصالح الحيويّة للفئة المستهدفة. لأن نقابة المحامين وغيرها من النقابات المهنية، جلّ اهتمامها نقابي مهني يتعلّق بحقوق الفئة المستهدفة وهي لا تمارس العمل السياسي الاحترافي، بل إن نشاطها المهني له أبعاد سياسية وهذا ما يجعلها نقابة وطنية - مهنية.

خلاصة القول أن وجود التجمّع وممثّليه في مجالس النقابة المتعاقبة لعب دورًا مميزًا وترك بصمات لا يمكن تجاهلها حتى من قبل خصومه، وهذا ما جعله تنظيم نقابي منافس وتحوّل لمركز استقطاب للمحامين المهنيّين ورافضي التدخّل في شؤون النقابة من السلطة التنفيذية وأجهزتها المختلفة. إن تجربة التجمّع تستحق الدراسة وتبادل الأفكار مع الآخرين في النقابات المهنيّة في ظلّ سياسات الهيمنه والإقصاء والاحتواء للنقابات المهنيّة  وتسييسها وأبعادها عن أهدافها المهنيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة.