تعريب الكنيسة الأرثوذوكسية أولاً وعاشراً

٢٩ كانون الثاني ٢٠١٦

إذا كان من الصحيح أن المناسبات المختلفة المرتبطة بالكنيسة الأرثوذوكسية والمسيحيين الفلسطينيين تطرح بقوة هيمنة وتسلط اليونان على الكنيسة وصفقات بيع الأراضي للصهاينة، غير أنه من الظلم بمكان اعتبار أن النضال الوطني الأرثوذوكسي بات موسمياً. لم يتوقف نشطاء الأرثوذوكس عن طرح القضية سواء عبر الإعلام والنشاط التعبوي أو عبر النشاط الميداني، ويبرز هنا بدرجة عالية نشاط المجموعات الشبابية، التي تمتاز بنضج سياسي بارز، وبدرجة أقل المجلس المركزي الأرثوذوكسي، كهيئة رسمية. وإذا كان من الصعوبة بمكان أن تجد مَنْ يدافع عن الهيمنة والتسلط اليوناني في أوساط المسيحيين الأرثوذوكس غير أنه من الجلي أن البوصلة لم تتجه حتى اللحظة للوجهة المطلوبة، وطنياً ومسيحياً.

يوناني مقابل يوناني!

وتلك كانت -ولا زالت لدى أوساط قاعدية- المحرك الأساس للموقف، بطريرك مقابل بطريرك، هذا مستحق وذلك غير مستحق، لتتحول القضية من قضية وطنية تتعلق بأرض وطنية فلسطينية يجري تسريبها للصهاينة، وبكنيسة مصادرة في انتمائها الوطني لصالح هيمنة وتسلط أجنبي يوناني، لقضية المفاضلة بين شخوص، يوناني مقابل يوناني. ليست قليلة تلك (العراكات) التي عبّرت عن فحوى ذلك الاتجاه المنحرف في البوصلة، أمام الكنائس وفي اللقاءات، هذا يرفع لواء هذا البطريرك باعتباره مستحق وذلك يطعن باستحقاقه! ليجري تشويه الوعي الوطني والكنسي المطلوب لتصويب البوصلة في اتجاهها الصحيح. إن جوهر القضية هي في التسلط اليوناني الذي حوّل قيادة الكنيسة، إلى سمسار عقارات تنفضح باستمرار صفقاته. كل مرة تنكشف فيها صفقة ما، يكتشف المسيحيين الأرثوذوكس حجم الكارثة: ما ينكشف يؤشر إلى أن المخفي أعظم، وما ينكشف يطرح قضية أن لا أحد، باستثناء شلة البطريرك اليوناني، يعرف حقيقة كمية وحجم وتوزع الأملاك الكنسية، وكأنها سر دفين، وما ينكشف أخيراً يؤشر إلى أن قيادة الكنيسة، اليونانية، تواصل التصرف بأملاك وطنية وكأنها ملكيتها الخاصة دونما رادع، ولا يخفى على أحد دعم الصهاينة لها، وتجاوب أوساط من سلطة أوسلو مع هذا الدعم، والقضية الأخيرة التي تفجّرت قبل أعياد الميلاد، عبر اعتقال أجهزة السلطة للكاهن القبرصي وتسليمه للصهاينة وإبعاده، تأكيد على ما ذهبنا إليه!

القضية إذن ليست هذا اليوناني مقابل ذاك، بل قضية وطنية قوامها عدم جواز بقاء أملاك الكنيسة في إيدي أجنبية لا تمت للانتماء لفلسطين بصلة، وتتصرف كعصابة مجرمة مرة وكسمسار عقارات مرة ثانية، والنتيجة التلاعب بمقدرات الكنيسة وأملاكها لصالح الصهاينة.

التعريب وفقط التعريب! كنيسة وطنية لا يونانية!

وإذا كان من الصحيح أن تُرفع في وجه التسلط اليوناني مطالب دينية ووطنية من نوع عقد المجلس المختلط، تطبيقاً لقانون 57، ووضع الأملاك تحت تصرف هيئة وطنية منتخبة من المسيحيين الأرثوذوكس، غير أن الاكتفاء بذلك لا يطرح القضية جوهرياً، فالمطالب التكتيكية إن لم يدعمها المطلب الاستراتيجي الأبرز فستظل البوصلة لا تعرف اتجاهها، ويُغرق النضال الوطني الأرثوذوكسي في مستنقع الإصلاحية في قضية تتطلب حلاً جذرياً.

لا تجد مَنْ يمتنع عن تأييد مطلب التعريب، وقد بدأ يجد طريقه في مواقف الشباب الأرثوذوكس وبياناتهم وتصريحاتهم، وأيضاً تسمعه هنا وهناك من رموز المجلس الأرثوذوكسي، ولكنه مع ذلك لم يتحول حتى اللحظة لشعار علني وناظم للحركة وللاتصالات والنضالات مع الأطراف الداخلة في المعادلة وعلى جبهتها، الكيان الصهيوني والأردن والسلطة! يبدو أن هناك حسابات سياسية لتلك الأطراف يجري مراعاتها من قبل بعض الرموز الأرثوذوكسية الرسمية وممثلي السلطة، ناهيك عن حسابات تتعلق بالعلاقة مع الحكومة اليونانية، وكلها حسابات لا قيمة لها. من حيث المبدأ فلا قيمة لأية حسابات سياسية طالما تعلق الأمر بالأرض الفلسطينية فتلك يفترض أن تكون خطوطاً حمراء لا مجال لتجاوزها، ومع ذلك يجري الحديث عن العلاقة مع الحكومة اليونانية وكأن الدور اليوناني في المنطقة، المفترض أنه مؤيد للنضال الفلسطيني، يقترب من تأثير الدولة العظمى التي ينبغي عدم إزعاجها بطرح موضوعة التعريب! علماً أنه يجري اليوم بطريقة غير مسبوقة تعزيز العلاقات اليونانية الإسرائيلية. ناهيك عن أن تعريب الكنيسة كمطلب ينسجم مع المطلب الوطني بالاستقلال، وبالتالي، على أساس هذا الموقف، يمكن دون تردد الحكم على مدى الإخلاص لمطلب الاستقلال ذاته، من منطلق الإخلاص لمطلب التعريب.

وينسجم مع المطلب ويتوافق معه مطلب الكنيسة الأرثوذوكسية الوطنية بديلا للكنيسة اليونانية الحالية برموزها اليونانية وعلمها اليوناني ولغتها اليونانية! إنها استعمار أجنبي دون رتوش، والعراقييون والسورييون، الذين عرّبوا كنائسهم وأعلنوها كنائس وطنية، بوصلتنا لهذا الاتجاه. في صفقة عثمانية/ يونانية منذ القرن السادس عشر جرى عزل البطريرك العربي وتنصيب اليوناني بديلاً عنه، ومنذ ذلك الحين لم يتغير الوضع: استعمار وسرقة للكنيسة الوطنية وهذا ما يجب وضع حد له، عبر الشعار والتعبئة والاتصالات.

ومَنْ يعتقد بأن هذا النضال مقطوع الجذور مخطئ، فمطلع القرن العشرين سقط ثلاثة شهداء على مذبح النضال ضد التسلط اليوناني، وأرّخ للنضال هذا الشاعر اسكندر الخوري البيتجالي (من بيت جالا) شعرياً، ورواية ( ترانيم الغواية). على مدى القرن العشرين، انتفاضات وهبات وحراكات ومطالب كانت تتطالب صراحة بالتعريب، في مراحل امتازت بالمد القومي، خاصة في الخمسينيات والستينيات، واليوم، في هذه المرحلة من عمر النضال الفلسطيني لتجديد المشروع الوطني ينبغي دمج مطلب التعريب بالمطلب الوطني العام، الاستقلال والتحرير.

واسترسالاً، وعلى جبهة الخطاب الوطني الأرثوذوكسي المعلن، ينبغي التدقيق في وصف المسيحيين الفلسطينيين لأنفسهم بالطائفة أو الرعية، فالمسيحيون الفلسطينيون، ليسوا مجموعة طائفية ملحقة من خارج التكوين الوطني الفسطيني، إنهم فلسطينييون اولاً وأخيراً، وانتماؤهم الديني لا يجعل منهم طائفة (تتمايز) عن محيطها الوطني وكأنها خارجه، أو ملحقة به، ناهيك عن أن الانتماء الوطني الموحد لعموم الفسطينيين، على اختلاف عقائدهم وهوياتهم الدينية والقومية، مسلمين ومسيحيين ودروز، مؤمنين وغير مؤمنين، وسنة وشيعة وأرثوذوكس ولاتين وموارنة وبروتستانت، سريان وشركس وأرمن،  يقتضي عدم تفتيت هذا الانتماء وتحويله لطوائف، خاصة من قبل المسيحيين، الذين هم وحدهم مَنْ يطلقون على أنفسهم اسم طوائف! وما ينطبق على مفهوم (طائفة) ينطبق على مفهوم (الرعية)، ذلك المفهوم المسحوب من عهد الدولة الدينية التي ولى زمانها منذ زمن!