تلخيص محاضرة أحمد قطامش: جورج عبد الله

٠٣ كانون الأول ٢٠١٦

محاضرة ارتجاليّة للدكتور أحمد قطامش بدعوة من ملتقى نبض الشبابي واتّحاد المرأة

أهلًا وسهلًا … سوف أختصر في المداخلات وفي الأسئلة أسهُب

بعضكم شاركني محاضرات عديدة، أنا في العادة أعرض مقارباتي لموضوعات ثقافيّة وسياسيّة، أمّا اليوم فسوف أقوم بالتعريف بشخصيّة فريدة. ولمحاضرتي أهمية إذا كانت فاتحة لتبنّي قضيّة الرفيق جورج. لا أقول حملة دائمة إذ أخشى أن لا تتوافر شروطها، وحسبي القول أن تحضر هذه القضيّة كلّما أمكن في فاعليات من نوع بوسترات، محاضرات، تحشّدات أمام الممثّليّة الفرنسيّة… إلخ.

أمّا أن اقتصر اهتمامنا على هذه المناشطة (وعلى أسبوع تضامني فهذا عمل لحظي، إذ ينبغي الانتقال من التعريف والإثارة إلى الإسناد والاصطفاف).

لاحظوا الاسم: جورج عبد الله فهو يحمل مكوّنات الهُويّة العربيّة بصورة أساسيّة، أي دينين، أمّا رؤيته واختياره فقد ذهب للعصر أي أنه يساري ماركسي.

في التاريخ ليسوا كثرًا من أمضوا 32 عامًا داخل أكياس السجون. هناك الثوري الروسي باكونين في القرن التاسع عشر، وهناك كريم يونس ونائل البرغوثي لأكثر من 33 عامًا في سجون الكولونياليّة الإسرائيليّة، وقادة الحزب الشيوعي الاندونيسي بأقلّ من أربعين سنة في جزيرة معزولة وقام النظام البرجوازي اليميني بإعدامهم بعد ذلك، وقائد شيوعي من كوريا الجنوبية الذي بعد إطلاق سراحه سألته الصحافة: “لقد انهار الاتحاد السوفييتي هل لا زلت على اختيارك الاشتراكي؟”، أجاب: سألت عن ناطحات السحاب في سيئول، هل هي للعمّال الذين بنوها أم للرأسماليين… ولأنها ما زالت للرأسماليين فأنا على مشروعي الإشتراكي. وحتى الرمز الكبير مانديلا فقد امضى 27 عامًا. بعد هذا العمر المديد، جورج عبد الله، الذي يسمّى الثائر الأحمر راسخ القناعات، متجذّر المواقف. وهذا لاحظته بوضوح عندما استمعت لمداخلة له طولها 4-5 دقائق على اليوتيوب من السجن الفرنسي إلى قناة الميادين. لغته النظريّة حاسمة في عدائه للإمبرياليّة والهيمنة، أمّا خياره المقاوم فلا يعرف الاهتزاز، وعنفوانه متألق محتفّظاً بحماسة اللحظة الاولى. فعلا إنه ثوري استثنائي.

كنّا نتبادل طرفه في الثمانينات عندما ارتفع اسم جورج عبد الله في وسائل الإعلام… إنه زمن جورج، جورج حاوي أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني، الدكتور جورج حبش الفلسطيني أمين عام الجبهة الشعبيّة، جورج مارشيه،أمين عام الحزب الشيوعي الفرنسي، جورج حنظل قائد جبهة الفرامندو مارتي التي كانت تضم خمسة فصائل يسارية وكانت على ابواب العاصمة سان سلفادور لولا التدخل الامريكي المباشر، وهو من أصل فلسطيني (بيت لحم)، وكذا جورج بطل عضو المكتب السياسي للشيوعي اللبناني.

والرفيق جورج عبد الله هو امتداد لإرث ماركس (إيّاكم والمساومة على المبادئ، إيّاكم والتنازل النظري) ولينين (بالثبات على المواقف) والحكيم حبش (لا ينبغي أن ينتهك التاكتيك الإستراتيجية ولا أن تنتهك الإستراتيجية الايديولوجيا) وغيفارا (إذا كانت الامبرياليّة سلسلة واحدة علينا مواجهتها في جبهة عالميّة واحدة، ولا يهمّني أين ومتى اموت، ما يهمّني أن لا يعيش العالم على رفات البائيسين).

فجورج عبد الله ماركسي مُتَفولذ، هُويّته الأيديولوجيّة عميقة، مناضل لبناني وقومي قاتل في صفوف الجبهة الشعبيّة وكانت له أنشطه في الساحة الأوروبية.

فاهم مزاياه وسجاياه أنه ثوري حتى نخاع العظم مزج الفكر بالسياسة ونهج الثورة العنيفة. انخرط في صفوف الجبهة الشعبيّة في السبعينات وقد جُرح عام 78 فيما يسمّى عمليّة الليطاني. وحرب 82 (اجتياح بيروت) شكّلت انعطافة في تفكيره إذ انتقل من نهج بناء حزب الى بناء ألوية مقاتلة وعمل نخبوي، متأثراً كما يبدو بالتجربة الكوبية (نظرية البؤرة) التي تحوّلت في كوبا لثورة ظافرة. وشهد العالم في السبعينات والثمانينات ظاهرة توالد بؤر يسارية مقاتلة في اليابان وإيطاليا وألمانيا وعشرات البؤر في امريكا اللاتينيّة، ولكنّها كلّها أُبيدت بين تصفية واعتقال طويل. وكان للشهيد وديع حداد مسؤول العمليّات الخاصّة في الجبهة صولات وجولات وهو صاحب شعار (وراء العدو في كل مكان) ومن هنا ارتبط اسم الثوري الأرجنتيني كارلوس الذي لم ينفك في السجون الفرنسية او الياباني كوزو اموموتوا الذي عرفته في سجون الاحتلال او العربي اللبناني أنيس النقاش الذي تحرّر من السجن بعد عقد من الزمن… فعشرات الثوريّين ارتبطوا بتجربة الشهيد وديع حداد (مفيد قراءة كتاب بسام ابو شريف حول الدكتور وديع وكتاب الصندوق الأسود) والبؤرة التي تحوّلت لثورة ظافرة هي جبهة الساندنيست في نيكاراغوا، والتوبا ماروس في الباراغوي التي استشهد قائدها وبعد سنوات فاز شقيقه في الانتخابات الرئاسية، وقد امضى في السجن عشرة أعوام.

وقصّة اعتقال جورج عبد الله بدأت عام 1984 في فرنسا بتهمة وثائق مزوّرة، هي جواز سفر جزائري، والجزائر حينها لم تبخل على عديد من كادرات المقاومة الفلسطينيّة بجواز سفر يسهّل حركتها… ومثل هذ التهمة لا يتعدّى حكمها عام ونصف ولكن أموره تعقّدت تماما بعد اعتقال رفيقين في إيطاليا إذ أعادت المحكمة النظر في القضيّة عام 87 وأصدرت عليه حكمًا بالمؤبّد دون إدانة أو دليل.

وقد عرفت فرنسا في تلك السنوات سلسلة تفجيرات ومداهمات ومصادرة مخازن أسلحة، أمّا الحكم الذي صدر على جورج عبد الله فكان بدعوى قتل ضابط المخابرات الأمريكية في السفارة الامريكي وضابط الموساد المحلق العسكري في السفارة الإسرائلية، لكن دون إثبات او اعتراف. وهذا شيء لافت.

واستنادا الى القانون الفرنسي (الإفراج المشروط) قرّرت المحكمة الفرنسيّة الإفراج عنه عام 1999 و 2003 غير أن وزارة العدل رفضت وهذا تكرّر عام 2005 و 2007 و 2011، إذ أن جورج استأنف وتقدّم بثمانية طلبات إفراج، وبعد كل قرار افراج تتدخّل وزارة الداخليّة أو وزارة العدل لإبطال القرار أو تعليقه.

وهنا اسمحوا لي بالاشارة السريعة لتجربتي في الاعتقال الإداري دون الغوص في تجربتي لغرض الوصول لاستخلاصٍ نظريّ وحسب. لقد أمضيت 8 ونصف سنة في الاعتقال الإداري، مرّة أقلّ من ست سنوات ومرة أقلّ من ثلاث. وفي المرّة الأولى حصلت على قرارين بإطلاق سراحي لكن دون جدوى، وفي المرّة الأخيرة رأت المحكمة العليا أن صاحب القرار بشأني هو قائد الشاباك فقط، وأمام مطلبي بإجراء تحقيق معي لإدانتي أو إطلاق سراحي كان قرارها: أن التحقيق معي لا يُجدي ومكاني السجن.

بالتالي فالخطاب الليبرالي الذي أشبعتنا به البرجوازيّة منذ قرنين ويزيد منذ مونتسيكو وجان جاك روسو عن فصل السلطات واستقلاليّة السلطة القضائيّة هو مجرد هباء حتى في بلد الديموقراطية اللبيرالية فرنسا. فهذا مقبول طالما أن هناك سيطرة، أما إن خرج أحد عن السيطرة فحينها يتحوّل القضاء الى ذيل للسياسة. وهذه إحدى معالم الفاشية.

فأن يحاكم جورج عبد الله هذا الحكم المجنون دون إثبات وأن يتم إلغاء أكثر من خمس قرارات بالإفراج عنه حد إلغاء ما يسمّى بقانون داتي للإفراج المشروط عام 2007 فهذا يعكس نزعة انتقاميّة، الأمر الذي فسّرته بعض وسائل الإعلام أنه تدخّل من الخارجيّة الأمريكية والسفارة الأمريكية… وهذا ليس غريبًا (فالرأسمالية سلسلة مترابطة)، ومرّة ادّعى النائب العام الفرنسي (أن جورج شيوعي إسلامي) بما يذكّرني باعتقالي الإداري الأخير حينما وُجّهت إليّ تهمة حماس فردّ المحامي (ان هذه فضيحة بجلاجل فأحمد أكبر يساري في البلد) بينما قاضي اخر قال “إن كتاباتي متطرّفة ولها تأثير”.

ولكن من جهة أخرى وصف أحد قادة الأجهزة الأمنيّة الفرنسيّة القضاء الفرنسي بالرعاع الذي يخجل منه. ليس لدينا شيء ضدّ عبد الله). إن جورج عبد الله سجين سياسي ويندرج تحت خانة الاعتقال التعسّفي. وهو إن تميّز بالفولاذيّة والقدرة على الصمود والحفاظ على صحّته غير أن لا دولة لبنان ولا اي دولة تتابع قضيّته بجدّيّة خشية تهمة الإرهاب. بينما في حالة المناضل تدخّلت ايران كما روّجت الصحافة، أما الجاسوس بولارد فلم تكف حكومة تل ابيب عن المطالبة به. ومرة سالت السفير الفنزويلي لماذا لا تطالبون بإطلاق سراح مواطنكم كارلوس. أجاب لقد طالبنا به.. وعليه لا يبقى إلا الرهان على النشاط الشعبي. وشكرًا.