ثوب ميري ريچيف: التضحية بالحقيقة

٣٠ أيار ٢٠١٧

لن أبدأ ممّا ارتدته "ميري ريجيف"، بل بسؤال: "لماذا هي هناك"؟ وقبل ذلك؛ "لماذا هم هنا"؟

سأبدأ بسخرية صحيفة “The Observer” ذات مرة من موقف الولايات المتحدة والمجتمع الدوليّ حول ما يحدث في فلسطين: "لو كان الفلسطينيّون ذوي بشرةٍ سوداء، هل ستكون "إسرائيل" اليوم دولة منبوذة وتتعرّض لحصار اقتصاديّ تقوده الولايات المتحدة؟".

وجوهر السخرية يكمن في المقارنة بين إسرائيل ونظام الأبارتيد في جنوب إفريقيا، بيد أنَّه رغم سوء الحال هناك حينها لم تسعَ سلطة الفصل العنصريّ لإبادة شاملة للطرف الآخر، كما حاول الصهاينة ويحاولون في فلسطين، في كلِّ فلسطين؛ في الداخل "الأربعينيّ" و"الستينيّ" والخارج في مخيمات اللجوء ومنافي الأرض.

على مدى قرن من الزمن كان موت الفلسطينيّ هو الحافز اليوميّ لصناعة الكراهيَّة الصهيونيَّة وخطابها العنصريّ، حيث يواجه الفلسطينيون معضلة كبيرة في تعاملهم اليوميّ مع عدو على شاكلة إسرائيل، لا يراهم ولا يعترف بوجودهم. موت الفلسطينيّ "كونه غير مرئي" أو قتله لا يشكِّل فرقاً وفق العقل السياسيّ الإسرائيليّ، سواء كان ينتمي إلى اليمين أو اليسار، إذ لا خلاف يكاد يُذكر نظراً لتآكل الفوارق الأيديولوجيَّة بينهما.

يعيش العقل السياسيّ الإسرائيليّ أبشع صور انقلاب الذاكرة، ويسعى من خلال فائض القوَّة لتجريف وعينا مثلما يجرفون تربة القرى الفلسطينية وزيتونها ويستعمرون الأرض والجو وما تحت الأرض، ويعدّون الأنفاس فارضين شكلاً هندسياً من طوبوغرافيا الرعب، يحيل الأرض إلى أرخبيل مقطَّع الأوصال لاحول له ولا قوَّة في بحر الاستيطان النهم.

سأبدأ من توالي صورٍ يراد لنا منها أن نغرق في تعقيد وقائع حياتنا اليومية، وهي صورٌ تزامنت مع ذكرى النكبة وإضراب الأسرى في المعتقلات الإسرائيليَّة. من صور مستوطن معتوه يوزع الحلوى ابتهاجاً باستشهاد فلسطينيّ جنوب نابلس، إلى صور وزيرة الثقافة الإسرائيليَّة بثوبها المطرَّز بالقدس القديمة وقبَّة الصخرة.

سأبدأ أيضاً من الهراء الذي قالته "رفيتال سموطريتش"، زوجة نائب رئيس الكنيست "بتسلئيل سموطريتش"، للقناة العاشرة في التلفزيون "الإسرائيليّ": "طردتُ طبيب توليد عربيّ من غرفة الولادة، أردتُ لأيادٍ يهوديَّة أن تلمس طفلي، ولم أشعر بالراحة في الرقود بنفس الغرفة مع امرأة عربية"؛ مضيفةً: "أرفض ذلك، لأنَّ الولادة بالنسبة لي هي لحظة يهوديَّة وطاهرة"*.

بينما غرَّد زوجها على تويتر قائلاً: "العرب هم أعدائي ولهذا السبب لا أستمتع بالتواجد بجانبهم". وهو الذي كان قد عرض خطَّة أسماها "خطة الحسم" كما كشفتها صحيفة هآرتس، يعرض فيها ثلاثة خيارات على الفلسطينيّين للوصول إلى حلٍّ سياسيّ في المنطقة، وهي: مغادرة "البلاد"، أو القبول بالعيش تحت حكم دولة إسرائيل لكن بحقوق أقل من المواطنين اليهود، وإمّا مقاومة خطّته؛ وعندها "سيقوم الجيش بما يلزم" على حد زعمه. ثمَّ وضَّح في تغريدة له على موقع "تويتر": "زوجتي حقّاً ليست عنصريَّة، ولكنَّها ترغب بعد الولادة بالراحة بدلاً من أن تكون لديها حفلة، كتلك التي تقيمها النساء العربيات بعد الولادة"، وتابع: "من الطبيعيّ أنَّها لا ترغب في أن ترقد إلى جانب امرأة ولدت للتوّ طفلاً قد يرغب في قتل طفلها بعد 20 عاماً من الآن".

كيف يمكن التعايش مع عقل كهذا، يقوم على دعاية صاخبة يحوِّل بموجبها شعباً كاملاً إلى إرهابيّين؟ كيف يمكن له أن يرى العالم وهو قد اختار العيش في شرنقة وهمٍ انطفأ من آلاف السنين، وهمٍ تحميه حرابُ البنادق وتطوّقه أسوار الكراهيَّة، وتحكمه مشاعر يختلط فيها الدينيّ بالصوفيّ، والعنصريّ الرجعيّ بالفلسفيّ.

ترجع المشاعر المرتبكة تلك في بعض من منابعها إلى سرديَّة يراد لها أن تكون تاريخاً قوميَّاً ممتزجاً بنزعة استعلائيَّة إقصائيَّة استعماريَّة، سرديَّة تسمح لشخص "سيكوباتي" مثل "نفتالي بينيت" بالقول: "لا أكره العرب أبداً، وفي الوقت ذاته، لا أحبّهم بشكل خاص أيضاً. أعتبرهم بشراً، وأعرف أنَّنا نعيش في بيئةٍ فيها عرب".**

بالمقابل، لم نكن قبل قرن بشراً، بل "أناساً بدائيين متخلّفين، شعباً يُشبه الحمير، لا يرون ولا يدركون ما يجري من حولهم"، على حد قول "آحد هاعام". ***

سأبدأ من إعدام فاطمة قرب باب العمود بزعم حيازتها سكيناً، وهي التي اعتُقلت قبل عامٍ للسبب ذاته. عشرون رصاصة مزَّقت ببرود جسدها الصغير، الرقم يوحي كأنَّ معركة قد حصلت.

إنَّ القبول الأخلاقيّ لقتلنا واستسهاله سيبقى هو السائد، وسيعمل على اختزال هامش الأخلاقيّات والفعل السياسيّ الإنسانيّ، ما دام "البعض"- والمقصود هنا البعض الفلسطينيّ- لا يرى الحلّ من خلال الاعتراف بالنكبة ومآسيها؛ لأنّ القبول بحلّ التعايش مع الكيان الصهيوني العنصريّ هو في نهاية المطاف حلٌ فاشل، يحكمه منطق نفعيّ بائس يعبّر عن تبرّم وضيق أفق لدى هذا "البعض".

 

سيصيرُ الخلاف والنقاش مجرّد مسائل  تقنيّة بحتة تعنى بمسائل الرأي وليس القيم، ولن  يكون الحلّ سوى إعجاز من نوع "تعال تفضل كُل الكعكة بشرط الحفاظ عليها سليمة".

لو يكفّ هذا "البعض" عن التعليق حول كلّ القضايا.

لو يذهبون يداً بيد إلى الجحيم دون ضجيج. هكذا دفعةً واحدة، لا إكراه ولا بطّيخ.

ولا بأس إن أخذوا معهم "ميري ريجيف".

 

 

*موقع “تايمز أوف إسرائيل”.

**مقابلة مع وزير التربية والتعليم الإسرائيلي  ورئيس الحزب اليميني الدينيّ "البيت اليهودي"، نفتالي بينت بعنوان "زعيم اليمين الإسرائيلي يتحدث إلى العرب"، تاريخ النشر  13 \5\2017.في موقع "المصدر" الإلكتروني

*** آحاد هعام :"الحقيقة من أرض إسرائيل" مقالة نشرها في العام 1891 عقب زيارته لفلسطين