ثورة السودان: ربيع أم شتاء

١١ شباط ٢٠١٩

تشخيص الأزمة الاقتصاديَّة في السودان

بعدما أفضت سلسلة من الحروب الأهليَّة في السودان إلى انفصال جنوبه، شكّل هذا الانفصال نقطة تحوُّل تاريخيَّة أثَّرت على الوضع الاقتصادي للسودان، إذ تشير الإحصاءات إلى أنَّ 90% من الدخل القوميّ للدولة السودانيَّة كان من النفط الذي يتم استخراجه من آبار جنوب السودان. وتمظهرت الأزمة وتجدَّدت مع بداية العام 2018، وكانت تدفع بشكل واضح نحو انفجار ما، حيث أدَّت إلى ارتفاع كبير في الأسعار، فوجد السودانيين أنفسهم أمام أزمة انهيار الجنيه السوداني مقابل الدولار، مع ضعف تداول الأخير من خلال القنوات الرسميَّة، لتصبح السوق السوداء هي المحطة الأساسية لتداوله، وانعكس ذلك بشكل واضح في عجز الميزان التجاري بين صادرات السودان وواردته، مما استنزف احتياطات البلد من العملات الأجنبيَّة، واندفاع الحكومة نحو الاستدانة من الخارج، وانخفاض قيمة العملة وقوتها الشرائية. ترافقت هذه الأزمة مع مظاهر فساد ورشوة سادت في أوساط النظام الحاكم والمقرَّبين منه، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الأزمة بشكل أكبر.  وقد اجتمعت العوامل السابقة لتنتج أزمات اقتصاديَّة واجتماعية في السودان.

طوابير في محطات البنزين، وأزمة في توفير الخبز، وارتفاع في أسعار الأدوية وشحٌ في كمياتها، ترافق مع أزمة في السيولة، مشاهد سيطرت على الشارع السوداني منذ بداية العام 2018. وفي مقابل ذلك عجز البنك المركزيّ السوادنيّ عن حل أزمة السيولة من خلال طباعة النقود، فاتَّبعت البنوك سياسة تحجيم السيولة من خلال تحديد سقوف لعملاء البنوك للسحب من أرصدتهم، ومقابل التشديد من البنك المركزيّ على استخدام أدوات الدفع الإلكتروني كبديل لاستخدام النقود، مع العلم أنَّ البنية التحتيَّة الماليَّة للمجتمع السودانيّ يمكن وصفها ب"المتأخرة" (انظر/ي تصنيف صندوق النقد الدولي)، إذ تعتمد بشكل أساسي على التداول النقديّ للعملة فقط.

الأزمة السياسية في السودان:

في كانون الثاني من العام 2014، أطلق الرئيس السوداني عمر البشير دعوة للحوار الوطني في خطابه الذي اشتهر باسم "الوثبة"، هدفت الدعوة لجمع كل الأطراف السياسيَّة لنقل البلاد إلى برّ الأمان حسب إدعاء البشير، كان من أهم مخرجات الحوار الوطنيّ تشكيل حكومة الوفاق الوطني وهي حكومة شاملة لكل الأطراف السياسيَّة، بالإضافة إلى تطبيق النظام الاتحاديّ أو الولائيّ في السودان. ترأس الحوار الحزب الحاكم حزب المؤتمر، وشارك فيه زعيم حزب الأمة الصادق المهدي، وزعيم الإسلاميين الراحل حسن الترابي، والحزب الاتحاديّ الديمقراطيّ بزعامة الميرغني، كما وشاركت حركات صغيرة مسلَّحة، وعدد من الشخصيات الوطنيَّة، التي بلغ عددها 116 حزباً وحركة مسلَّحة. في المقابل، قاطعت الحوار كل من الأحزاب المكوِّنة لتحالف "قوى الإجماع الوطنيّ" ذات التوجّهات اليساريَّة وعلى رأسها الحزب الشيوعيّ وحزب البعث العربيّ الاشتراكيّ، والحركة الشعبيَّة لتحرير السودان – الشمال، وحركة العدل والمساواة السودانيَّة، وحركتا تحرير السودان، وكوَّنت مجتمعة الجبهة الثوريَّة.
تواصل الحوار الوطنيّ لثلاث سنوات إلى أن وُقعِّت "الوثيقة الوطنيَّة" التي اشتملت على توصيات بتعديلات دستوريَّة وإصلاحات سياسيَّة، تركَّزت بشكل أساسيّ على قضيَّة الانتخابات.

هبة ديسمبر 2018:

وعلى الرغم من كل هذا المجهود الذي بُذل فقد ناورت حكومة المؤتمر الوطني بتطبيق المخرجات وتجاوزت نقطة عدم ترشيح البشير لنفسه الا إذا تم الاتفاق عليه من قبل أحزاب المؤتمر الوطنيّ، حيث قام الحزب بتقديم مقترح تعديل للدستور يجيز فيه الترشح مدى الحياة وذلك كخطوة أولى في اتجاه استمرار البشير في الحكم. الأمر الذي أوصل الأمور الى نقطة اللا-عودة حيث خرج المواطنين الى الشوارع مطالبين بحل الضوائق الاجتماعيَّة الأمر الذي لم يستغرق سوى يومين ليتحول لنداءات بسقوط الحكومة عبر مصطلح لخصته الـWashington post   بكلمة (Just fall, that’s all) او بصيغة أخرى (تسقط بس)، هذا الحراك سرعان ما قُوبل بالعنف من قبل النظام وأعوانه حيث بلغ ضحايا الحراك الحالي 40 شهيداً حسب إحصاءات الحكومة نفسها، كان آخر هؤلاء الضحايا معلماً بمدرسة أساسية تم اغتصابه بآلة حادة حتى الموت.

مقابل ذلك وفي ظل خذلان الشارع من المؤسَّسات والمبادرات الرسميَّة، وبالأخص من المؤسَّسة العسكريَّة، قامت بين الحين والآخر هبات في الشارع السودانيّ بقيادة التجمعات الشبابيَّة، التي لم تصمد لفترات طويلة لعفويتها وغيات عامل التنظيم عنها، ومقابَلتها بعنف شديد من الحزب الحاكم، وفي محاولة لإعادة الاعتبار للأجسام النقابيَّة التي فقدت فعاليتها منذ زمن في المجتمع السوداني، تشكَّل تجمع المهنيين السودانيّ، الذي تقوم فكرته بالأساس على الحركة الجماعيَّة للأفراد المتحزّبين والمستقلين على الأرض وفي الميدان، لتتحمل الجماعة المسؤوليَّة، تناقش وتنتقد، تؤثر وتتأثر بمجتمعها.

وبعد خروج الجيش ببيانين متتالين في أسبوع واحد يشيران فيهما الى ولاءهما التام للرئيس، خفت حدة الحراك في الشارع وبدأت الأطراف المختلفة بإعادة التشكّل، من أجل البحث عن حلول سياسيَّة خوفاً من عواقب التحوّل باتجاه الحرب الأهليَّة، الأمر الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأنَّ قيادات الجيش الحاليَّة وبعض المسؤولين (وزير الدفاع والنائب الأول للرئيس ووزير الاستثمار واحد الولاة)، هم ضمن قائمة المحكمة الجنائيَّة مما يعني أنَّهم مستعدون للموت بديلاً عن التنازل وتسليمهم للمحكمة.