جولة مواجهة جديدة: المقاومة في غزة تُثَبِّت معادلتها ولا تتنازل

١٣ كانون الثاني ٢٠١٩

جاءت جولة التصعيد الأخيرة في قطاع غزة والسادسة هذا العام والأكثر قوةً منذ حرب 2014، بعد أنَّ تمكنت المقاومة من إفشال عملية استخباراتية للعدو شرق خانيونس؛ قُتل خلالها جندي وأصيب آخر واستشهد 7 مقاومين خلال تبادل إطلاق النار، وقصف طيران الاحتلال المكثَّف للتغطية على الوحدة المقتحمة وتمكينها من الخروج من غزة.

هذه الجولة جاءت خلال استمرار للمقاومة الشعبية في قطاع غزة والمتمثلة في مسيرات العودة التي شكلت جبهة مواجهة طويلة مستمرة منذ ما يقارب تسعة أشهر، كما أنَّها جاءت خلال تفاهمات التهدئة مع الاحتلال وعقب إدخال مبالغ ماليَّة ووقود للقطاع، وسيكون لهذه الجولة دوراً في هذه المفاوضات لما فرضته من قوّة وقواعد اشتباك، وإشارةً إلى فشل سياسة جيش الاحتلال بالتعامل مع غزّة من خلال مجموعة من جولات التصعيد تجنباً للحرب.

ورغم أنَّ غزّة المحاصرة منذ أكثر من 10 سنوات معزولة عن حلفائها وهناك حاجة للإيفاء باحتياجات 2 مليون شخص مما يجعل كلّ الخيارات صعبة ومكلفة، إلا أنَّ هذه الجولة شكلَّت نقطةً مهمةً للمقاومة الفلسطينيَّة في قطاع غزّة، فقد ثَبَّتت معادلة ردع وقواعد اشتباك كسبتها في حرب 2014 أجبرت العدو على التراجع، كما كشفت عن أسلحة نوعية استخدمتها المقاومة في قصف عسقلان، وتم التعامل مع الجولة منذ بدايتها، أي منذ إفشال عملية القوة الخاصة الإسرائيليَّة وحتى نهايتها وما بعدها بطريقة إعلامية منظمة ومميزة أربكت العدو، ولعلَّ الإضافة التي ظهرت هي غرفة العمليات المشتركة التي تضم 13 فصيلاً مقاوِماً في قطاع غزّة ساهمت في تحقيق هذا النجاح.

 

الاحتلال رُدّ خائباً

على عمق 3 كيلو متر في المنطقة الشرقية من خانيونس تمكَّن جنود في جيش الاحتلال غالباً يتبعون لوحدة "حامان" – بحسب الصورة التي نُشِرَت لجنازة الجندي القتيل على يديعوت أحرنوت، فحمل جثمانه جنود يرتدون القبّعات الخضراء وهي بحسب الصحفي الصهيونيّ يوسي ميلمان تتبع لهذه الوحدة التي تنفذ مهام استخباراتيّة، ورغم المفاوضات السياسيَّة القائمة و"الانفراجة" التي تحققت في غزّة إلّا أنَّ الاحتلال لم يكفْ عن العمل الأمنيّ على الأرض، وهذا الحدث هو أكثر ما يظهر لنا مفهوم الاحتلال عن المفاوضات والسلام، فيما يبدو أنَّ الاحتلال حاول تحقيق اختراق والحصول على معلومات ليصبح في وضعية أفضل خلال المفاوضات أو لإنهاء أحد الملفات مثل جنوده الأسرى في القطاع أو توجيه ضربة لقوة المقاومة.

رغم كبر الخسارة باستشهاد 7 مقاومين –القائد الميداني في كتائب القسام نور بركة والشهداء محمد الفرا وعلاء فسيفس ومحمود مصبح ومصطفى أبو عودة، وعمر أبو خاطر وخالد قويدر- إلّا أنَّ هذه الوحدة عادت خائبة مردوعة من أرض القطاع.

ولم يتأخر ردُّ المقاومة كثيراً على محاولة التسلل واستشهاد 7 مقاومين، فتحوَّل غلاف غزّة سريعاً إلى اللون الأحمر بحسب الإعلام العبريّ وذلك يعني أنَّ هناك عمليات قصف في المكان، فيما كان هناك من يكمن على حدود القطاع ينتظر هدفه وليثأر بصاروخ كورنيت أدّى لتدمير باص كان ينقل الجنود وأصاب عدداً من الجنود وهو ما ظهر بالفيديو الذي نشرته المقاومة، مع إيصال رسائل سياسيَّة وعسكريَّة منها قدرة الرصد العالية للمقاومة والقدرة على ضرب العدو من حيث لا يتوقع، بالإضافة إلى لجم جيش الاحتلال. الكورنيت الذي استخدم بشكل واضح خلال حرب عام 2014 وأدّى إلى تدمير العديد من دبابات الميركافا عاد من جديد إلى حدود غزّة ليحقق ردعاً للمقاومة وينقل رسائلها بالنار ويُذكِّر الاحتلال وجيشه أنَّ الحرب البرية القادمة ستكون طاحنة.

 

يد المقاومة هي العليا

جولات المفاوضات الطويلة في القاهرة بين الاحتلال والفصائل في غزة والرعاية المصريّة والدور القطريّ من أجل التوصل لاتفاق تهدئة، كان مهماً من أجل فكّ الحصار عن غزّة بعد سنوات طويلة وتتويجاً لهدف مسيرات العودة، ورغم تحقيق "انفراجة" بإدخال مبالغ ماليَّة وزيادة ساعات وصل الكهرباء، إلا أنَّ ذلك لم يشكل عائقاً أمام جولة مواجهة وقتال ومحاولة ليّ يدّ المقاومة في غزّة. وبما أنَّ مطلب سحب سلاح المقاومة قد فشل وأنَّ تحول الهدف إلى تقييده وجعله سلاحاً غير مستعمل فهذا أيضاً سقط خلال هذه المواجهة. لتكون هذه الجولة ردّاً على الاحتلال ورسالةً تعني رفض تحقيق أي "انفراجة" على حساب المقاومة وسلاحها، فالاحتلال اعتقد أنَّ عمليته في أرض القطاع ستمرّ بلا أضرار أو على الأقل بلا ردّ من المقاومة.

وجاءت أهمية الجولة بعد جولات من المفاوضات ليكون هناك عدم تقبّل للتهدئة كأمر طبيعي وحتميّ "تُطرح التهدئة اليوم كمآل طبيعي وحتمي للقتال الدائر حالياً بين فصائل المقاومة الفلسطينيَّة بقطاع غزّة وقوة الاحتلال. وإشكالية هذا الطرح تكمن في قفزه عن المنطق ناهيكم عن محدوديته كمساحة للتفكير، وكونه يمثل انصياعاً ولو جزئياً لمنظومة التفكير التي يريدها العالم للفلسطينيّين. التهدئة كفكرة تتجاوز واقع تعريف المقاومة للكيان الصهيوني كمشروع مضاد للوجود الفلسطيني، وبذلك تتجاوز السبب الحقيقي لنشأة حركة المقاومة في فلسطين." كما أنَ "الاشتباك مع العدو هو أمر حيوي للمقاومة وضروري لضمان استمرارية وجودها." (للمزيد، فلسطين: عن آفاق المواجهة الحالية. مروان مطير وعرفات الحج في السفير العربي)

وكما حصل بعد كلّ جولة قتال وحرب خرجت جماهير المقاومة في غزّة تأكيداً على دعمها لها واحتفاءً بها.

 

"نار بلا توقف"

"نار بلا توقف" هذا ما كتب على غلاف صحيفة يديعوت أحرونوت وهذا هو الجديد في جولة المقاومة الأخيرة، كثافة النيران وتركيزها على أماكن معينة، وبالعودة إلى حرب 2008-2009 فقد بلغت كثافة صواريخ المقاومة ما معدله 56 صاروخاً في اليوم، أما في حرب عام 2012 فقد بلغ المعدل اليومي للصواريخ 278 في اليوم، ووصل المعدل في حرب 2014 إلى 156 صاروخاً، أما في جولة المواجهة الأخيرة فقد قُصِف خلالها ما يقارب 500 صاروخ ومقذوفة.

أما عن القصف فقد بدأ بشكل مكثّف ومركَّز في مستوطنات ما يسمى غلاف غزَّة وتَوسَّع ليصل عسقلان ومن ثم المجدل رداً على قصف المباني بحسب الغرفة المشتركة مع التهديد بتوسعته إلى أسدود والنقب، وباستخدام أسلحة نوعيَّة وجديدة. ولعلّ أرقام الإصابات الإسرائيليَّة تقرّ بذلك فقد اعترف الاحتلال بإصابة حوالي مئة من جنوده ومستوطنيه دون الافصاح عن عدد القتلى، أما ما يخصّ الخسائر الإسرائيليَّة الأخرى فقد أظهرت الأرقام أنَّه تمّ تقديم 406 قضايا أضرار لصندوق الضريبة العقاريَّة منها 317 شقة، 286 شقة منها في عسقلان وحدها، بالإضافة إلى 81 سيارة و4 مزارع و4 قضايا تخص البنية التحتية.

 

الردع المتبادل

حاولت "إسرائيل" خلال الحروب السابقة: حرب لبنان 2006 وحروب غزة الأخيرة، تحقيق الردع إلى جانب أهدافها الأخرى وذلك من خلال إيقاع عدد كبير من الخسائر بالسُّكان وبالبنية الموجودة – عقيدة الضاحية الجنوبيَّة - ولكن في الجولة الأخيرة ذهبت غزَّة لمحاولة كسر هذه الاستراتيجيّة من خلال التهديد بتوسيع القصف مع استمرار استهداف المباني، وربما لم تتوافر حتى الآن قدرة فعلية وحقيقية ولكنها تتحسن عن السابق وتمتلك القدرة على تحقيق ضغط على الاحتلال. ومفهوم الردع هو "حدوث تصور لدى العدو أنَّه لو عمل ضدّك، فإن ما سيصيبه من الأذى أكبر من المكسب الذي قد يحققه ... ومن الأفضل له الامتناع من القيام بأعمال عسكريّة"[1]  وهي استراتيجيا الاحتلال اتجاه غزّة وذلك لفشل الحسم بكل تأكيد، ولكن هذا الردع يتهاوى فرغم كلّ هذه الحروب والمواجهات التي حصلت لم يتم التراجع عن استخدام السلاح ومواجهة الاحتلال فيه وتدفعيه ثمن ما فعله –رغم أنَّ هذا بالواقع كان هدف العدو والآن أصبح هو من يدفع الثمن- فيما اعتبر الأسير وائل الجاغوب أنَّ مفهوم الردع تصدّع: "في محطات مواجهةٍ متعددة تصدّع مفهوم الردع والذي يحتاج نجاحه تكريساً على صعيد الوعي، فالانتفاضة الثانية والعدوان على لبنان عام ٢٠٠٦ والعدوان على غزّة في المرات الثلاثة الأخيرة، وما قبلها وما بعدها من اعتداءاتٍ أضعفت فعالية هذا المفهوم؛ ليس أمنياً فقط بل وسياسيّاً". حققت المقاومة بعضاً من الردع على الأقل في الفترة الحاليّة، وهذا ظهر في استقالة وزير الحرب الإسرائيليّ ليبرمان نتيجة لدعمه خيار الحرب – نفتالي بينيت دعم الحرب وكان من الممكن أنْ يُسقِط الحكومة ولكنه لم يستقل رغم رفضه عودة الهدوء - وسط رفض نتنياهو الذي اتخذ القرار لوحده، وهذه إشارة إلى أنَّ الحرب مُكلفة وطويلة.

 

المواجهة في الإعلام

تمكَّنت المقاومة من إدارة جولة القتال إعلامياً بشكل جيد جداً، فخلال اقتحام قوة الاحتلال للقطاع ووقوع الاشتباك صدر بيان مقتضب عن كتائب القسام وقفت فيه على الوضع الميدانيّ، وليخرج بيان آخر في صباح اليوم التالي احتوى تفاصيل أكثر، وقال كلّ ما يمكن نشره للإعلام ولم يترك الأمر للتقدير الإعلاميّ أو للنقل عن الإعلام الإسرائيليّ. في ما تبقى فقد كان يتم الإعلان عن البيانات ونشر المقاطع المصوّرة باسم غرفة العمليات المشتركة، فالتهديد بتوسيع القصف ونشر مقطع مصوّر لانطلاق صواريخ، بالإضافة إلى نشر مقطع استهداف حافلة الجنود بالكورينت فقد ظهرت بلا شعار لأيّ فصيل كما نُشرت بعد استهداف قناة الأقصى الفضائية بعدة ساعات. كما نشرت ألوية الناصر صلاح الدين مقطعاً لـكمين العلم وهو الذي نُفِّذ في شباط الماضي واعترف الاحتلال في حينه بمقتل جندي من وحدة الهندسة، لكن المقطع يوضح أنَّ هناك خسائر أكثر، كما أنَّ المقطع نُشر في وقته مما شكل رفعةً لمعنويات الجماهير. وكان يكفي التجولُ في الجامعات وشوارع عدّة مدن فلسطينيّة لملاحظة تحوّل حديث الناس بفخر حول هذه المقاطع وجولة القتال ولذلك يمكن القول أنَّ هذه الجولة أعادت المقاومة للواجهة وجعلتها حديث الناس وعززت وعيهم.

وحمل البيان الثالث لكتائب القسام صوراً لجنود الاحتلال الذين كانوا في غزّة مطالباً بإدلاء معلومات عنهم. البيان الذي نُشر بعد ما يقارب عشرة أيام على العملية الفاشلة وانتهاء جولة المواجهة، وضَّح أنَّ المعركة مستمرة ولو لم تكن بشكل مباشر، فيما حققت المقاومة ضربةً أخرى وكشفت عناصر الوحدة التي يفترض أنَّ تبقى سريّة وطي الكتمان. ويظهر ذلك بارتباك الرقيب العسكريّ الإسرائيليّ الذي حظر نشر الصور وطالب وسائل الإعلام الإسرائيليَّة بنشر هذا الأمر، فيما سمح بالنشر عن إحباط مخطَّط لبناء خليّة لحماس في الضفة الغربيَّة، بالإضافة للاعتراف بإغراق سفينة للاجئين لبنانيّين قبالة الساحل اللبنانيّ عام 1982.

 

"التنسيق" والغرفة المشتركة

عادت غرفة العمليات المشتركة لفصائل المقاومة الفلسطينيَّة للظهور مرة أخرى، وهذه الغرفة لم تكن سابقة فقد ظهرت خلال عام 2006 وما بعده وكان هناك مطالبات في تفعليها عام 2012 وعملت بشكل جزئي خلال حرب 2014، فيما ظهرت من جديد خلال أيار من العام الحالي، ولعلّ غرفة العمليات المشتركة التي جمعت 13 فصيلاً مقاوِماً في قطاع غزّة قد وحدت الفصائل بقرار مشترك كان له الأثر الكبير في جولة القتال من ناحية كثافة وتركيز النيران. والاتفاق على موعد لبدأ التصعيد وانتهائه.

وقفت غزّة كعادتها، كما فعلت في السابق، وواجهت الاحتلال بالدم والنار وحقّقت معادلتها، ردّت الاحتلال وقوته خائبين، وبقيت صواريخها تسقط على مستوطني الاحتلال حتى آخر دقيقة في جولة المواجهة، أظهرت حذرها وجاهزيتها. انتهت هذه الجولة بتثبيت ما كسبته المقاومة من قواعد اشتباك عام 2014 بالدم ورفضت التنازل والتخلي عنه. وفي هذه الجولة من المواجهة الكثير من العِبَر للمستقبل.

 

[1]  أحمد خليفة (إعداد وتحرير). استراتيجيا الجيش الإسرائيليّ في ضوء المتغيرات الإقليميّة والتهديدات المستجدة. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية. 2018