حدود المقاومة دون قيادة

٢٤ أيلول ٢٠١٧

عام 1968م، اجتاحت أحداث ثورة الطلبة في فرنسا شعارات جذّابة وبرّاقة تبنّتها جموع المحتجين ومنها: "نحن هيئة أركان بلا جنود" الأمر الذي كان يعني: "ليس لدينا – نحن الثوار- وجهٌ محدَّدٌ تبحث عنه وسائل الإعلام، يمكنها أن تنتقي أحد المحتجين في الشوارع عشوائياً"، "القاعدة بأكملها قيادة، وهيئة الأركان تتشكل منها".

كان ذلك شعاراً برّاقاً بما يكفي، وشعبويَّاً إلى حدّ الشعور بتلاشي تناقضات الفصائل والأفراد، ومع ذلك، أو بسبب ذلك كانت نتيجة ثورة الطلبة في فرنسا الهزيمةَ التي أعادت إنتاج الحكومة الديغولية من جديد إلى فرنسا.

ليست ثورة الطلبة في فرنسا، ولا تناقض قياداتها الشبحية مع أصداء التنظيم الستاليني هي موضوعي هنا، ولكن ربما ظلالها، هنا في الواقع العربي، في "الربيع العربي" وما بعده، في حركة الأحزاب السياسيَّة العربيَّة، والمبادرات الناشئة، وحتى في المقاومة الفلسطينيَّة، التي يُعتبر الحديث عنها الأكثر حساسية وحذراً وخصوصية، حيث أنَّ المجازفة في النقد السياسيّ باتجاه تطويرها تُعرِّض أصحابَها بسهولةِ الانفعال للاتهام والتخوين.

سأترك للقارئ هنا تفكيك خيوط الأمثلة المتشابكة، التي تتحدث عن "الربيع العربيّ" أحياناً، وعن المقاومة الفلسطينيَّة أحياناً أخرى، مع الأخذ بعين الاعتبار أنَّنا نتحدث عن ظاهرتين متباعدتين تماماً، ولكنَّهما خضعتا لعدّة ظروف متماثلة.

مع بداية "الربيع العربيّ" وما بعده، انكشف الستار عن الظاهرة السياسيَّة التي كانت تنمو بتسارعٍ وصمت، ظاهرة العمل السياسيّ عبر الشبكات والمبادرات المتخصّصة في قضايا محددة بدلاً من الأحزاب باعتبار مؤسسة الحزب الأيديولوجية باتت من الماضي (البرامج المختلطة والقضايا المتخصّصة بديلاً عن الأيديولوجيا)، ومنظمات "المجتمع المدنيّ" بدلاً من النقابات، و "المقاومة الشعبيَّة" بتعريف جديد، أن تكون دون رأس أو قيادة (هيئة أركان بلا جنود).    

واستندت هذه الظاهرة أو الظواهر إلى عددٍ من المقولات، والاستدعاءات النظرية والتاريخيَّة، باعتبارها الحجج الكافية لإلقاء مؤسسة الحزب في مزبلة التاريخ، ومنها:

أولاً: الثورات لا تُؤجل، ولا يمكن وضع المشروع السياسيّ في مواجهة الحسّ السليم والمباشر وردّات الفعل التلقائية للمظلومين.

ثانياً: عبر المقاومة دون قيادة، تمكَّنت المقاومة من تجاوز حاجز التناقضات الداخليَّة بين الفصائل، باختصار لأن الجميع بات في القاعدة، أو أن القاعدة بأكملها أصبحت قيادة، مما يخفف –حسب فهمهم – من خلافات الاستحواذ على القيادة.

ثالثاً: كسر سطوة الأداة. لا يمكن تأجيل الفعل إلى حين تملّك الوسائل التقنيَّة الحديثة في مجالات الاتصال والسلاح. الأدوات البسيطة تفي بالغرض لأشكال المقاومة الشعبيَّة، ويمكنها بسهولة أن تحلَّ محلّ الأدوات المتطورة أو الأكثر فعالية.

رابعاً: صعود منطق جديد في المواجهة قائم على عبثية كافية لإرباك منطق الخصم في الردّ والاستباق، ولا سيما أنَّه معتادٌ على التصدي للتيارات المنظّمة. بمعنى اللعب على رقعة الشطرنج دون خطة مسبقة، التي تكون بنودها قابلة للكشف والاصطياد. المبادرات المتفرّقة دون مركز قياديّ يُعطي الأوامر يحافظ على عنصر المفاجأة، كما أنَّه يحمي سرّية العمليات كذلك.

خامساً: طابع "المقاومة الشعبيَّة" والمبادرات المستقلّة المتفرّقة تحافظ على استمرارية الفعل في عين الجمهور، مما يحميه من موجات الإحباط والفراغ.

سادساً: استدعاءات نظريَّة متكررة، وبالتحديد لفرانز فانون وأنطونيو غرامشي بالتحديد.  

مع جمالية هذه المبادئ، إلّا أنَّ الواقع أقسى "قليلاً" منها، وهذا لا يعني الآن ولا بعد حين التعرض لأولوية المقاومة بكل أشكالها، وعلى رأسها طبعاً، الكفاح المسلح، وأيما تسليح، ولا يعني اعتراض الكتل الاجتماعيَّة المتشكّلة والثائرة على أنظمة متواطئة وفاسدة، ولكن!

الثورات تُؤجّل، وإنْ لم نكن نحن من يؤجّلها، فالتاريخ سيفعل. فعندما تثور الشعوب في ظلّ ظروف موضوعيَّة غير ناضجة يُعتبر ذلك ضرباً من الثورات السلبية، وعندما تنضج الظروف الموضوعيَّة، ولا نكون نحن على أهبّة الاستعداد؛ استعداد اللحظة التاريخيَّة، فالثورات حينها تتعفّن. هي معادلة بسيطة تُعبّر عن الثورة السلبية عندما لا ينضج الموضوعيّ، وعن تعفّن القوى والحركات السياسيَّة حين لا ينضج الذاتيّ. 

أجّل التاريخ ثورة الإيرانيين أكثر من سبعين عاماً، منذ عام 1905م إلى عام 1979م، من الثورة الدستوريَّة إلى الثورة الإسلاميَّة. انتفاضات عام 1905م في إيران تشبه مثلاً الربيع العربيّ في مصر، النظام القاجاري متآكل من الداخل، والظرف الموضوعيّ لإسقاطه حاضر، إلّا أنَّ البرنامج الأوّل للانتفاضة خرج من السفارة البريطانيَّة آنذاك. الثورة الإسلاميَّة بعد أربعة وسبعين عاماً احتجزت رهائنَ من السفارة الأمريكيَّة، وواجهت الغرب منذ يومها الأول. الفارق الأساسيّ بين الثورتين، كان هو التنظيم السياسيّ، فالثورة الدستوريَّة لم تكن تمتلك دستوراً داخليَّاً للمعارضة مع أنَّها طالبت بتغيير دستور الدولة، لم تكن تمتلك برنامجاً واضحاً، ولا أيديولوجيا كافية لتوحيد الفئات الشعبيَّة، وحمايتها من النفوذ البريطانيّ، أمّا الثانية فكانت محمولة بتنظيمات سياسيَّة مؤدلجة، ولم تعاني غياب القيادة، والالتفاف الشعبيّ حولها.

في سياق تلك الثورة اجتمعت تيارات شريعتي والخميني وتوده على إسقاط نظام الشاه، ولم تؤدِّ تباينات الأيديولوجيا، الواسعة أو الضيقة إلى إجهاض مشروع الثورة، القائم في الأساس على تدمير حكم الشاه في إيران.

وفي فنزويلا كان هنالك تجربة مماثلة في جوهرها، على الرغم من اختتامها عبر صناديق الاقتراع. كانت هنالك الكثير من التيارات الراديكاليَّة، التي مثَّل تشافيز واحدةً منها وليس جميعَها، ولكنَّها التفّت حول محاولته في الانقلاب العسكريّ، وعادت لتتّفق على ترشيحه للانتخابات لاحقاً. الميل العام للفصائل الفلسطينيَّة في حقبة الكفاح المسلّح كان قد تجاوز التناقضات الثانويَّة لحساب الصراع الرئيسيّ ضدّ الكيان الصهيونيّ. تلكم جميعاً كانت أمثلةً على ثورات داخليَّة أو مواجهات ضدّ الاستعمار بعد محاولات أجّلها التاريخ، وخاضتها فصائل متعدّدة، وبتنظيمات هرميَّة، ونجحت – ضمن ظروفها الموضوعيَّة- في مشاريعها.

يستحضر كتّاب "المقاومة دون قيادة" في أدبياتهم التجربة الفيتناميَّة، وتحديداً الحديث عن براعة المقاومة الشعبيَّة في استخدام الأدوات البسيطة كنصب الأفخاخ المغطّاة بالعشب. ومع أهمية ذلك، إلّا أنَّه لم يكن عنصراً حاسماً، ولا سيما أنَّ المقاومة الفيتناميَّة تغذَّت على السلاح السوفيتيّ والصينيّ آنذاك. حزب الله، لم يصل إلى ما وصل إليه لولا تطويره أدواته القتاليَّة وقدراته الصاروخيَّة. من غير الممكن إدانة استخدام الأدوات البسيطة في المقاومة، وتحديداً عندما لا تتوفر شروط تبديلها، ولكن من الممكن إدانة مشاعر الزهد والتصوّف أو الخيال السينمائيّ الساذج في وضع الأدوات البسيطة بديلاً نهائيَّاً عن الأسلحة المتطوّرة، والاعتقاد بإمكانية الحلّ الحاسم عبرها.

يحاول هؤلاء الكتّاب ربط المقاومة الشعبيَّة وحرب العصابات بمعجزة يجترحها عدد محدود من الأشخاص، يتمكنون من تأسيس مجموعة مشاغبة تبتعد خارج حدود اللعبة القائمة، وشروط العدوّ وتوقّعاته، ولكن في ذلك سيمياء هوليودية إلى حد كبير. فلا يمكن الحكم على المقاومة أنَّها شعبيَّة لكونها تستخدم الآلات البسيطة، ولا لمجرد خروجها عن قواعد اللعبة المرسومة سلفاً، وإنما لكونها شعبيَّة بالأساس، أي أنَّ فعل المقاومة الذكي في استخدام الأسلحة الأقل تطوّراً ونصب الأفخاخ من النباتات والمداهمات المفاجئة والاستفراد بمجموعات صغيرة منفردة من العدوّ، ينتقل من حيز "السبعة الرائعون" أو "المقاتلون العشر" إلى حيز الأهالي. وهذا ما حدث بالضبط في التجربة الفيتناميَّة، وعبر قيادة المقاومة الثقافيَّة والفكريَّة والأخلاقيَّة بالتحديد، التي طوَّرت أسلحتها ولم تتوقّف عند حدود الأدوات البسيطة، وهذا ما حدث مع حزب الله اللبنانيّ، الذي بنى مجتمع مقاومة عبر تنظيمٍ مقاوم.

"هنالك اعتبار لسريَّة العمل في شكل المقاومة دون قيادة"، ولكن بفرض معادلة حسابية بسيطة، فإن التنظيمات السياسيَّة التي تخوض عملاً عسكريَّاً، عادةً تُحافظ على سريَّة عملياتها عبر دائرةٍ مصغَّرة جدّاً من المسؤولين التنظيميّين، الذين يحافظون على هذه الأسرار ضمن ضوابطَ تنظيميَّة صارمة من جهة، وتكوين نفسيٍّ وأخلاقيٍّ وفكريٍّ -تبنيه بالأساس قيادة الحزب- من جهة أخرى، ويمكن عبر هذه الدوائر الصغيرة، كشف مواقع التسريب حال حدوثها، لأن احتمالاتها محدودة، لأنَّها أصلاً معروفة. وهذا ما يختلف عن عمليات "المقاومة دون قيادة" المكشوفة على دوائر اجتماعيَّة أوسع وغير محدَّدة ومعروفة، ولا يتعدى بنيانها الفكريّ حالات الاجتهاد الفرديّ. عمليتا المناضلتين الكبيرتين دلال المغربي وسهى بشارة، كانتا مندرجتين تحت خُطَطِ أطر تنظيميَّة هرميَّة. إنَّ وجود دائرة من الخبراء والمختصين والمناضلين المحترفين والبنيان الفكريّ الثقافيّ العقائديّ تزيد من نجاحات هذه العمليات على المستويات المختلفة، وهذا الجانب من "الحظ" لا يحالف كثيراً تنفيذ هذه العمليات عبر المقاومة دون قيادة.

جاء في كتاب المسألة الشرقيَّة لكارل ماركس، الذي نُشِرَ عام 1855م، "إنَّ المقاومة الطويلة للغاية في معسكر محاصر، هي في ذاتها مثبِّطة للمعنويات، إنَّها تعني المعاناة والإرهاق، والحرمان من الراحة، والمرض، والخطر الشديد المستمر، وليس الخطر المزمن الذي يزيد صلابة الإنسان". هذا يعني أنَّه دون تطوّر المقاومة، دون أن تُبصر سيرَها باتجاه أدوات أكثر فعالية، ومستقبل من التماسك والتنظيم والنتائج الملموسة، فمعنوية المقاومة ذاتها تصبح محلَّ تهديد، فتطوير الموقع الاستراتيجيّ للمقاومة، والشعور الدائم والمتصل بخطوات إلى الأمام، هو وحده الكفيل باستمرار المقاومة نفسها، وهذا ما حدث بالضبط في حالة حزب الله، والفايكنغ الفيتناميّ؛ الانتقال من الحاجة الماسة للمقاومة وردّ الفعل التلقائيّ ضدَّ الظلم والاستعمار إلى حالة وازنة تمثِّل قوة ردع بتنظيمها الداخليّ، وتطوّر أدواتها.

يتكئ كتّاب "المقاومة دون قيادة" على أدبيات نظرية مهمة، وراهنة، ولكنَّه اتكاء متأرجح وغير متوازن، وغير شامل،  فغرامشي الذي نظر لأفكار "حرب المواقع"، كان متشدداً لفكرة الحزب، وكما عارض شكل الحزب الستالينيّ الصارم، إلّا أنَّه عارض كذلك التنظيمات المطّاطة والرخوة، بل وأكثر من ذلك حوّل "الأمير" عند ميكافليي إلى "أمير حديث" وهو "الحزب"، وتحدَّث عن تجربة اليعاقبة في الثورة الفرنسيَّة من زاوية إعجاب تاريخيّ.

من الممكن في ظروف الثورة السلبية، في ظروف انعدام الأداة والحصار الشديد والمطبق، أن نخوض حروب مواقع وأن نشجّع المبادرات الفرديَّة للمقاومة، ولكن من الخطير جداً، وضع هذا الشكل كبديل نهائيّ عن فكرة الحزب والتنظيم، فحرب المواقع التي يديرها الحزب أكثر جدوى من ناحية تطوير الأدوات والسريَّة والحفاظ على معنويات الجمهور، وبقية الحجج المذكورة في بداية المقال، ولكن معكوسة هذه لمرة.

إشارات عديدة، منها ما نفعنا، ومنها ما أضرنا، كفيلة بحسم موقفنا من المقاومة بقيادة ومن المقاومة دون قيادة، أنَّ الإخوان كانوا التيار الأوّل الذي قطف ثمار "الربيع العربيّ"، وأنَّنا لم نتمكن من اقتلاعهم إلّا عبر الجيش. أنَّ داعش كانت كابوساً صلباً في أحلامنا، لم يذوِّبه إلّا حزب الله.