حراك "ارفعوا العقوبات عن غزة": مبادرة شبابيَّة وطنيَّة تستحق الإسناد والمشاركة

٣١ تموز ٢٠١٨

فرض حراك "ارفعوا العقوبات" نفسه على ساحة العمل السياسيّ الشعبيّ في الأسابيع الأخيرة، ليس فقط بسبب مشروعيَّة، ومنطقيَّة، ووطنيَّة المطلب برفع عقوبات السلطة عن غزَّة، بل أيضاً بسبب تلك الحمية الوطنيَّة الرائعة لمجموعة الشباب والصبايا الذين بادروا وبهمّة عالية لطرح القضيَّة على المستوى الوطني، بعد أن كانت حبيسة مداولات فصائليَّة مؤسساتيَّة لم تسمن ولم تغني عن جوع! لا يمكن تفسير أخذ الشباب لزمام المبادرة كمبادرة وطنيَّة سياسيَّة، إلا من زاوية أنَّه تجاوز لحالة العجز الذي تعيشه القوى الفلسطينية عن تناول ذلك الموضوع، وتلك ظاهرة طبيعية في العمل السياسيّ: أن تعجز بنية سياسيَّة معيَّنة عن التقاط ما يجب التقاطه، فهذا بحد ذاته يشكل حافزاً لتجاوز عجزها ونشوء مبادرات خارجها تلتقط ما لم تلتقطه تلك البنية. ومع ذلك، كان الحراك ونشطاؤه واضحين تماماً ومنذ اليوم الأول لمداولاتهم: نحن لسنا بديل لأحد ولا نطرح أنفسنا كبديل، نحن فقط يحرّكنا إحساسنا الوطنيّ بالجريمة التي ترتكبها قيادة السلطة في معاقبة مليوني نسمة لحسابات فئوية تتعلق بالانقسام الفتحاوي/ الحمساوي! وبما أنَّ رفع العقوبات يشكّل مدخلًا لإنهاء الانقسام، نأى الحراك بنفسه عن أيَّة حسابات فصائليَّة وشخصيَّة -تلك الحسابات التي تظهر عند كل تداول وعمل سياسيّ- وأعلن الحراك منذ اليوم الأول أنَّه اصطفاف وطنيّ واسع ومفتوح لكل مَنْ يرغب بوضع حد للجريمة المرتكبة بحق غزة، خاصة أنَّ ذلك الجزء من الشعب الفلسطيني أعاد الاعتبار عبر مسيرات العودة ليس فقط للقضيَّة الوطنيَّة بل وللحق التاريخيّ بالعودة كمسار متوقع باستمراره أن يعيد صياغة الفعل الوطنيّ الفلسطينيّ على أسس كفاحيَّة كبديل لنهج التفاوض المستمر الذي لم يتسبب إلا بكوارث، وبالتالي يكون مسارًا رئيسًا لهزيمة المشروع الإمبرياليّ الأمريكيّ/ الصهيونيّ/ السعوديّ الموسوم بصفقة القرن.

ولمّا تعاملت سلطة أوسلو بعدائيَّة منقطعة النظير تجاه الحراك وفعالياته ونشطائه، فقد توضحت حقائق عديدة ربما كانت غائبة عن البعض. أولها أن تلك القيادة ورغم تشدقها الأجوف باحترام الحق بالتعبير، كشفت عن توجّه قيادي أرعن بالقمع الميدانيّ والمعنوي وبأبشع صوره. فالفلتان الهمجي لأجهزة الأمن ولبعض عناصر تنظيم فتح في سحل الناس في الشوارع والرش برذاذ الفلفل والغاز والتحرّش الوقح بالفتيات والتشهير بهن وشتمهن بطريقة سوقيَّة بذيئة، وإطلاق قنابل الصوت وسط الآلاف من متسوقي العيد أعاد للأذهان صورة أوضح للممارسات الهمجية للأنظمة الدكتاتوريَّة. ولم تقف الأمور عند هذا الحد بل حاولوا قتل الحراك معنويًا فقيل عنه: أجندات خارجيَّة مشبوهة، يخدمون صفقة القرن (هكذا!)، مموَّل من جهات خارجيَّة، تتزعمه حماس، وتارة أخرى الجبهة الشعبيَّة (في محاولة لعزل الحراك شعبيَّاً وحشره في زاوية فصائليَّة، علمًا أنَّ لا فصيل يتزعم الحراك أصلاً)... وكل تلك الصيغ التي باتت قيادات فتحاويَّة وأمنيَّة تسوقها تباعًا عند كل حراك وموقف يُعلن ضدَّ سلطة أوسلو، وبلغت الأمور مداها الأقصى في تصريحات رسميَّة لمن يُفترض أنهم يحتلون مواقع حساسة في جهاز السلطة تدعو صراحة وبلهجة الزعران لضرب النشطاء في الشوارع!

لماذا جُنَّ جنون السلطة هكذا؟ ليس هناك سوى تفسير واحد: إنَّها تعيش في أزمة توجهات وسياسات وخَيارات وبنية بحيث لم تعد قادرة على احتمال أي موقف مناقض لموقفها، ومستعدة لممارسة أقصى درجات القمع لضرب هذا الموقف. تجسد هذا الخيار السلطوي قبل ذلك بتنظيم (المضافة) التي سُميت زورًا دورة المجلس الوطني بحيث كرَّست الانقسام وحافظت على خيار توجهات قيادة أوسلو، كخطوة فئويَّة فتحاوية بديلة لعقد مجلس توحيديّ ومراجعة سياسات القيادة التدميريَّة منذ 25 عامًا هي عمر اتفاقيّات أوسلو وسلطتها. هذا ما كانت تريده تلك القيادة، شرعية زائفة متجددة بتواقيع فصائل في أغلبيّتها الساحقة لم يسمع بها الشارع الفلسطينيّ. 

وبالنتيجة خسرت السلطة مرتين: مرَّة باتخاذها عقوباتٍ ضدَّ غزة وبالتالي استنفرت الشارع ضدَّها، ومرَّة ثانية بقمعها البربري للمسيرة الشعبية في رام الله.

وبعد، انطلق الحراك رغمًا عن قمع السلطة وبالتفاف جماهيريّ واسع في مسيرات رام الله الثلاث، وانتقل إلى بيت لحم والقدس وطولكرم والناصرة ونابلس وحيفا حتى الآن، وتجاوب مع دعواته جاليات فلسطينيَّة ومتضامنون من بيروت ولندن وروما وعمان، وحظي بتغطية إعلاميَّة واسعة، خاصة بعد القمع الهمجيّ في الشوارع. 

أما السلطة التي فشلت في وضع حدّ للحراك عبر القمع والتشويه والتهديد، وافُتضح موقفها نتيجة القمع والتصريحات الموتورة المنفلتة من عقالها، فقد (تراجعت) خطوة ولم تتدخل في الفعاليات اللاحقة، بل حاولت، في خطوة أقل ما توصف أنَّها مضحكة، (إعلان موقف تراجعي) بتوزيع المياه على مسيرة بيت لحم والأعلام على مسيرة رام الله الثالثة، ظنًّا منها أنَّ هذا كفيل ( بتهدئة الخواطر) متصوّرة على ما يبدو أن القمع البربريّ، مجرَّد (إساءة عابرة) يتم الاعتذار عنها بزجاجة مياه!

انطلق الحراك وينبغي إعطاؤه دفقات حيويَّة للأمام فالتوقف مقتل للحراك، بل كلَّ الظروف مهيئة لتصعيد فعالياته: التفهم والالتفاف الشعبيّ حوله حيث أنَّ مسيرات رام الله الثلاث مثلًا فاقت حتى تقديرات الحراك نفسه، والتحاق القوى اليساريَّة بالحراك سواء بإعلانها موقفًا داعمًا عبر بياناتها أو مشاركة أنصارها في فعالياتها أكسبه زخمًا فصائليًا جيدًا، إضافة إلى انخراط شخصيات وفعاليات وطنيَّة ومؤسساتيَّة في الحراك على سبيل الإسناد والدعم، والتحاق فعاليّات وطنيَّة وشعبيَّة في مواقع عديدة خارج الوطن بدعوة الحراك، وما يبرر ضرورة تصعيد الحراك هو بقاء الجريمة المقترفة بحق شعبنا في غزة حاضرة، فعار الصمت على تجويع مليونيّ نسمة!

من المهم على هذا الصعيد توسيع نطاق الحراك ليشمل الأرياف والمدن والمخيمات، والتنسيق لتوسيعه عالميًا عبر الاعتصام والتحشّد أمام السفارات الفلسطينيَّة، وتنظيم سلسلة من الفعاليات الإعلاميَّة والقانونيَّة والشعبيَّة للمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن قرار قمع الجماهير وكل مَنْ دعا علانية من المسؤولين لضرب الناس في الشوارع، فهذا الملف يجب أن لا يغلق، ويجب أن لا يفلت كل متطاول على حق الجماهير في التعبير من المحاسبة والعزل، واستخدام كافة وسائل الإعلام والدعاية للترويج للشعار وهنا يأتي دور الطاقات الشبابية الإبداعية لتنظيم حملة من الأنشطة الثقافية لتوعية الجماهير بجريمة فرض العقوبات على غزة، والمزيد من التنسيق والتشاور مع كل مَنْ يدعم الحراك من شخصيات ومؤسسات وفعاليات وفصائل دون السماح لأيّ فصيل أو جهة بمصادرة قرار الحراك وشعاره الرئيس بهدف الهيمنة عليه وبتالي قتله، وضرورة التنبه إلى أنَّ بعض القوى لا تملك قرارها خارج قرار حزب السلطة بل تعمل ( كسحّيج لها)، وبالتالي هي متورطة بالموافقة الضمنيَّة على فرض العقوبات!  

ولكن هناك خطر يهدد الحراك، رغم محدوديَّة تأثيره حتى اللحظة، هو سعي البعض من (يساريي) الموقف، يمينيي التوجه، للهيمنة على الحراك فصائليَّاً، هيمنة لا يمكن اعتبارها إلا محاولة لإجهاضه. فالسعي لرفع شعارات خاصة كبديل لشعار الحملة (ارفعوا العقوبات)، والسعي لهتافات فصائليَّة بديلًا للهتاف الموحد من الحراك، وتنظيم مسيرة منشقة عن مسيرة رام الله الأخيرة سارت بذيل المسيرة الأساسيَّة وبشعار غير شعار الحراك (لم تتعدى الثلاثين مشاركاً على أحسن تقدير)، والطلب (بتمثيل رسميّ فصائليّ) داخل الحراك...كلها ممارسات هي، بافتراض حسن النوايا، ليست سوى وضع العصي في عجلات الحراك. ومع ذلك، يصر الحراك على موقفه: اصطفاف وطني مفتوح للجميع دون اعتبار للمواقف والانتماءات والتوجهات ويوحده شعار واحد: ارفعوا العقوبات! اصطفاف لا يلتفت للصيغة المؤسساتيَّة البيروقراطيَّة (التمثيل الفصائليّ) والتي يبدو أن البعض متمسك بها باعتبارها الصيغة الوحيدة لوجوده في ظل هشاشة قاعدته الشعبيَّة. ولكن الحراك كان مرة أخرى أكثر إخلاصًا لمهمته الوطنية رغم المنغصّات، فدعا لاجتماع تشاوريّ موسع مع شخصيّات وفعاليّات ومؤسسات وفصائل وطنيَّة ويساريَّة شارحًا وموضحًا طبيعة الحراك وهدفه وشعاره المحدَّد الذي حاز على إجماع المجتمعين، ومع ذلك يصرّ البعض على مطلبه بتمثيله رسميًا، وكأنَّ الحراك مؤسَّسة بيروقراطيَّة جديدة تُضاف لعشرات المؤسَّسات من ذات الشاكلة!!! وكـأنَّ هذا البعض لا يستطيع الحراك خارج تلك المؤسسات! 

يبدو لنا أنَّ البعض لا يقرأ التاريخ ولا الحاضر معًا؛ لقد تجاوز الفعل السياسيّ الوطنيّ الفلسطينيّ منذ سنوات حسابات وتوجهّات الفصائل الغارقة في مؤسساتها البيروقراطيَّة والعاجزة بالتالي عن فعل شعبي حقيقي، الأمر الذي عبَّر عن نفسه ومنذ العام 2010 بولادة حراكات شبابيَّة عديدة خارج حسابات وتوجهات القوى، وإن كانت جميعها فيها من نشطاء القوى الكثير الكثير. إنَّ الثقة المطلوبة بطاقة الشباب ومبادراتهم لم تتغلغل حتى اللحظة بما يكفي في عقول بعض (ختيارية) العمل السياسي الذين فقدوا منذ زمن ثقة الجماهير بهم وصاروا ليس فقط محط تندر، ولكن اِمتِعاض من سلوكهم أيضًا.