حرب المصطلحات: "صفقة القرن" نموذجاً

٣١ تموز ٢٠١٨

"إنّ أسوأ رقص هو الرقص على وتر العدو، فاصنعوا موسيقاكم"

في صراع وجودي كالذي يخوضه الفلسطينيون منذ أكثر من مئة عام، يلعب المصطلح دوراً أساسياً في ترسيخ المفاهيم وإرساء التعريفات التي تتحول فيما بعد إلى حقائق ثابتة على الأرض وفي صفحات التاريخ. فما بين "فلسطين" و"إسرائيل"، وما بين "المقاومة" و"الإرهاب" معركة شرسة تدور بين المستعمِر والمستعمَر على صعيد الوعي واللاوعي الجماعي. وفي هذا الإطار، يأتي مصطلح "صفقة القرن" ليشكّل نموذجًا عن حرب الوعي القائمة، وتفوّق المستعمِر فيها. ويؤرخ عدد من المتابعين إطلاق هذا المصطلح في شباط 2017 بعد لقاء ترامب-السيسي في واشنطن. ومنذ ذلك التاريخ، انتشر مصطلح "صفقة القرن" بشكل هستيريّ في الأوساط السياسيَّة والإعلاميَّة العربيَّة ليصبح بعد فترة وجيزة الهاجس الأكبر والخطر الأساسيّ على القضيَّة الفلسطينيَّة.

ورغم التقارير والتسريبات والتحليلات، ظلَّ مضمون المصطلح غامضًا - إن لم يكن مجهولاً تماماً- للسواد الأعظم من الناس، وخصوصاً لدى المعنيين بشكل مباشر بالمصطلح - أي الفلسطينيين.

فما هي "صفقة القرن"؟ ولماذا كل التهويل اللاحق بها؟

لن أجيب على السؤال الأول؛ لأن مفاتيح ما يحصل في الكواليس ليس بأيدينا، ومخطَّطات العدو لتصفية القضيَّة ليست جديدة، وكم المعلومات التي ُتضخ في الإعلام تزيد الشك بحقيقة ما يحصل فعلاً. لكن ما يعنينا بالأساس هو التأثير الكبير الذي أدخله هذا المصطلح إلى وعينا من خوف وتهويل. فما الذي يخيفنا من "صفقة القرن"؟

بدايةً، يرتكز المصطلح على الكلمة الأولى في تركيبته: "الصفقة"، وهنا كل الحكاية. تقتضي الصفقة -بمفهومها المجرّد- وجود طرفين. والصفقات توقَّع ولا تُفرض، لأنَّ فيها تبادل مصالح بين الطرفين وإن تفاوتت المكاسب بينهما .وإلا كان ينبغي أن نطلق عليها تسمية "خطة القرن" او "معاهدة القرن" لما في ذلك من قدرة طرف ما على فرض مخططاته على الطرف الآخر. لذلك، فإنَّ مفهوم "الصفقة" يختزن رضا الطرفين، وبالتالي، فالمسؤوليَّة تقع على الطرفين بالتوازي. وبما أنَّ الكل يعلم الطرف الأول في هذه الصفقة (أميركا وإسرائيل)، يبقى البحث عن الطرف الآخر فيها.

هل هي السعودية وحاشيتها؟ لنفترض ذلك، وفي هذا الافتراض مغالطتان. أولًا، هل يملك حكّام السعودية - التي أسَّسها الاستعمار لتكون قاعدة لمصالحه الاقتصاديَّة والسياسيَّة في المنطقة - قرار الموافقة أو الاعتراض؟ ثانياً، حتى لو ملكت السعودية قرارها، فهل تملك فرض قرارها على الفلسطينيين؟ إن كان الجواب نعم، فمن المسؤول عن تسليم مصير الشعب الفلسطينيّ إلى السعودية وغيرها؟ وإن كان الجواب لا، فلماذا القلق؟

هل هي الفصائل الفلسطينية؟ لنفترض ذلك، وفي هذا الافتراض مغالطتان أيضًا. أولًا، تدَّعي الفصائل أنَّها متمسكة بالحقوق الفلسطينيَّة (أو ما تبقى منها) وأنَّها لن تتنازل أكثر مما تنازلت في أوسلو وما بعد أوسلو. جيّد، لماذا تخشى الانخراط في "صفقة"، إذًا؟ بمعنى آخر، إن كانت الفصائل تملك قرارها "الوطنيّ المستقل" الذي ضحى الشعب الفلسطينيّ بالكثير تحت اسمه، فلماذا تقلق من التوقيع على ما لا تراه مناسبًا؟ أما إذا كان قرار الفصائل ليس بيدها، وثمَّة من سيوقع هذه الصفقة ويفرض مقرَّراتها على الشعب الفلسطينيّ، فبأيّ حق نتحدّث عن فصائل تمثّل شعباً وتتحكَّم بمصيره وهي غير قادرة على التحكم بقرارها الذاتي الذي يخضع لدول وظيفيَّة كالسعودية وقطر وغيرهما؟ فكأنّ الفصائل الفلسطينية (مجتمعةً) تقول لأمريكا وحاشيتها: "أرجوك، لا تجعليني أوقع على الصفقة!"

أما المغالطة الثانية، فتكمن في أنَّها ليست المرة الأولى التي تنخرط فيها الفصائل الفلسطينيَّة في "صفقات" (هي أصلًا خاسرة) مع العدو. لذلك، فإنَّ تكريس "صفقة القرن" على أنَّها الخطة الشيطانيَّة التي تهدف إلى "تصفية القضيَّة الفلسطينيَّة" على حساب الشعب الفلسطينيّ "المسكين"، لهو تعمية مقصودة عن التنازلات التي قامت بها الفصائل الفلسطينيَّة سابقاً، بالإضافة إلى تجهيل العقم السياسيّ الذي يخيّم على جميع الفصائل في نظرتها لطبيعة الصراع مع الاستعمار.

لهذا وأكثر، فلنتوّقف قليلاً ولنسأل أنفسنا بحق: أيّ الأشياء ينبغي أن يقلقنا: صفقة القرن؟ أم قلقنا منها؟