حول وجود "يسار" في "إسرائيل": مقاربة في البنية والطبقة.

٣١ تموز ٢٠١٨

"على حافة السويس؛ العدوّ ساكن. وأيضا في صحراء سيناء، وقطاع غزة، ويهودا والسامرة، والجولان. الحدود آمنة، الطرق مفتوحة، اورشاليم موّحدة، المستوطنات قامت ومركزنا السياسي قويّ. كل هذا نتيجة للسياسات المدروسة، الجرئية، وبعيدة النظر".

 هذهِ الكلمات مُقتبسة من الحملة الانتخابيّة عام 1973 لحزب العمل (المعراخ)، أي ما قبل أكتوبر، كأحد إنتاجات الخطاب اليساري "الاسرائيلي".

ستحاول هذهِ المقالة تبيان لماذا اليسار "الإسرائيلي" هو أيضاً اليمين "الإسرائيلي"، في إطار بنية واحدة نشأت في سياق تاريخي ما قبل "الدولة"، حيث البُنية السياسية العنصريّة للتيّارات "الإسرائيليّة" لا تتغيّر وفق الظروف التاريخيّة، بل الذي يقوم بـ "الوظائف" هو من يتغير. كما تُساهم المقالة في تفسير عدم إمكانية أن يكون هناك يسار "إسرائيلي"، أي إمكانيّة لهيمنة التيّار وليس لوجوده.

يتميّز اليسار "الاسرائيلي" ببنيةٍ سياسيّة مرنة، بنص يتغيّر حسب الجهّة الموجّه له، في حياديّة عن السياق. ويفرض، في ذات الوقت، مُشتركاً في كلّ النصوص مع اختلاف السياق، وذلك لكي يوصف بالبرجماتيّة بدلاً من العنصريّة. في أحداثٍ كثيرة، تمتاز تبريرات اليسار "الإسرائيلي" (الحزب الحاكم) على أنها غير عنصريّة وغير توسعيّة وغير احتلاليّة، ودائماً ترى أفعالها في مفهوم ردّ فعل؛ منذُ النكبةِ في عام 1948 واحتلال وتهجير القرى والمُدن وتدميرها (كما عند المؤرخ وليد الخالدي وإيلان بابيه)، وحتّى العدوان الثلاثي عام 1956. ولكن يُبيّن الأكاديمي شمعون شمير في مؤتمر حول سنة 1956 واليهود في العالم العربي؛ أن العدوان الثلاثي لم يكن إلا لضرب سلطة جمال عبد الناصر في مصر، وليس بناءً على ردة فعل. وثمّة حقائق؛ أن التبرير لنكسةِ 1967، واحتلال الأراضي العربية، ورفضهم كل قرارات الأمم المتحدة والمشاريع الأمريكية، كان من أجل التسوية. هذهِ الحقائق تفرض سؤالاً صاغهُ الفيلسوف "الإسرائيلي" زئيف شتيرنهيل: هل هذه النزعه الاستعماريّة هي خاصيّة في بنية الصهيونيّة أم هي خطأ في ظروف تاريخيّة؟ (هآرتس 27\10) زئيف شتيرنهيل لم يُجب على السؤال، إلا أنه لفت لحقيقة أن "إسرائيل" في كلّ مرة سنحت لها الفرصة لاحتلال أو هجوم أو توسّع، لم تفّوتها وسارعت في استغلالها.

يقول زئيف شتيرنهيل في نفسِ المقالة، عن الفشل الذي لحق باليسار "الاسرائيلي": كيف يكون يسار وهو يُعيد إنتاج ذاتهِ بأدوات اليمين؟ لكنّ السؤال الذي يجب أن يُطرح: هل كان اليسار "الإسرائيلي" في تاريخهِ يملك أدوات وخصائص غير التي يملكها اليمين؟ لكي أستطيع الإجابة سأذكّر بالتالي: انطلاقاً من ذاتِ خصائص البنية لليسار، حكومة اليمين الأولى في تاريخ "إسرائيل" تُنجز السلام الأول مع العرب؛ اتفاقية السلام بين مصر و"اسرائيل" التي أشرف عليها مناحيم بيجن. كان النص، ما قبل الحرب، عند اليسار في "اسرائيل"، يدور حول شعار انتخابي مقبول: "شرم الشيخ أفضل من اتفاقية سلام". أما بعد الحرب، فتغيّر النص وفقاً للحالة، وأصبح ممكناً قبول اتفاقيّة سلام تفي بمصالح "إسرائيل"، وتعطيها حقّ الوجود أمام أكبر دولة عربيّة. في هذهِ الاتفاقية وسياقها التاريخي؛ ما قبل وما بعد، نرى التمازج بين اليمين واليسار في "إسرائيل"، في الرؤيا والأدوات.

 لكي نُعطي فهم أكثر دقّة، فإن التمازج بين اليمين واليسار يعني، وجود تيار واحد تشكّل في مرحلة ما قبل "الدولة". يقول إميل توما، في كتابهِ جذور القضية الفلسطينية، إن الحركة الصهيونيّة هي حركة برجوازية-يهوديّة ترتئي لدولة يهودية في وطنها المقبل، دولة برجوازية مثل سائر الدول، والتي تقوم على الصراع القومي من أجل تحقيق الدولة الوطنية في فلسطين. اليسار الاشتراكي قبل بالصراع القومي، وهكذا تلقائيًا ذابت الاشتراكية اليهودية في البرجوازية الصهيونية، وتعاونت مع الإمبريالية البريطانية ضد حركات التحرر الوطني اليهودية في داخل وطنها "أوروبا"، حيث نشأ الصدام بين  الصهيونية والحركات الثورية الاشتراكية في اوروبا، بمحاولة الثانيّة جذب العمال اليهود. 

بين عامي 1993و1994 ظهرت معارضة شديدة "لليساري" يتسحاق رابين، إثر قيامه بتوقيع اتفاقيّة أوسلو، وصوُّر رابين كخائن للدولة اليهوديّة من قبل اليمين، على أنه يقوم بتسليم أراضي "اسرائيل". واستكمالاً لذلك، كانت اتفاقيّة أوسلو ضرورية من أجل "استمراريّة المرحلة"، وتقسيم الوظائف في "إسرائيل" أرغم رابين أن يتعامل سياسيّاً مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، والموافقة على حكم مدني-ذاتي محدود للفلسطينيين في الضفة والقطاع، وهذا أكثر ما قدمه رابين في اتفاقيات أوسلو. 

بعد أن اغتيل عام 1995 انتُخب اليميني بنيامين نتنياهو عام 1996، حيث أكمل نتنياهو مسيرة رابين، فعقد اتفاق الخليل عام 1997 مع ياسر عرفات، ولم يجرأ على أن يلغي اتفاقيّات أوسلو بعد كلّ التحريض والاتهام لرابين في الأعوام الثلاث السابقة. وهكذا يبدو لنا واضحاً تبديل الوظائف من أجل ”إستمرارية المرحلة“، فالتيار الذي سيسيطر في "إسرائيل" هو الذي يقوم بوظيفة البنيّة، سواء كان ذلك يساراً أم يميناً. بالإضافة للعديد من الأحداث التي تؤكد هذا النموذج التفسيري؛ قرارات التقسيم عام 1947 و1948، تعاون قيادة اليسار واليمين بين الوظيفة السياسية والعسكرية، الحزب الموحّد في "إسرائيل" بعد الانتفاضة الثانية "كاديما". جميعها أحداث تؤكد على وجود بنية سياسية واحدة في "إسرائيل". 

وُجدت في عام 1962 منظمة اشتراكية في "إسرائيل" تُدعى "متصبن"، حيث كانت متميّزة عن التيار "الإسرائيلي" أو البنيةِ السياسية، مما أدى إلى إقصائها عن المشهد كونها لم تخضع لشروط البنية الواحدة. إذ تُركز هذهِ المنظمة على إمكانية ثورة اشتراكية حقيقيّة تنظر للصراع الطبقي الاجتماعي كأساس للانطلاق، وبذلك تكون الحركة الصهيونية هي حركة برجوازية ومشروع استعماري، بالنسبة لها. ترى المنظمة أن من أجل تحقيق سلام شامل مع العرب، من المهم العمل على ”دي-زيونيزد, de-zionized“ "إسرائيل", أي تطهير الصهيونية من "إسرائيل". هكذا استطاعت هذهِ المنظمة أن تكون خارج التيار الواحد في "إسرائيل"، بسبب ولادتها في خارج رحم البرجوازية الصهيونية. ولكن في "مجتمعٍ" برجوازيّ بتطلّعاتهِ السياسيّة والاجتماعيّة من غير الممكن أن تنمو أو تستمر منظمة راديكال، وهكذا كانت المنظمة ضعيفة جماهيريّاً، حتّى اختفت في الثمانينيات.