حيفا فلسطينيَّة من جذورها ونحو مستقبلها

٢٤ أيار ٢٠١٧
مهنَّد أبو غوش ويؤاب حيفاوي
 

هناك مذهبان مختلفان لرواية قصة إنشاء مدينة حيفا الحديثة عام 1761. يشير المذهب الأول إلى أنَّ "حيفا العتيقة"، كانت موجودة في موقع حي "محطة الكرمل" اليوم؛ هذا المذهب يشرح كيف أصدر ظاهر العمر أمراً بـ"نقل" المدينة إلى موقعها الجديد بين ساحة الحناطير (ساحة الحمراء) غرباً، ومقبرة الاستقلال شرقاً.

وهناك من يشدِّد على مسألة إنشاء حيفا كمدينة جديدة تمَّ التخطيط لها ضمن مشروع بناء دولة حديثة في القرن الثامن عشر، ولا نخشى إعلان انتمائنا إلى المذهب الأخير في قراءتنا لتاريخ حيفا.

كلَّما أسهبنا في القراءة حول تجربة ظاهر العمر وإنشاء دولته شبه المستقلة (1730 - 1775)، التي امتدت في عزِّها من بيروت وحتّى غزَّة ومن شواطئ عكا وحيفا وحتى المناطق الجبليَّة ما بعد نهر الأردن، ألفينا إلى كونها قصَّة تاريخيَّة عجيبة قادرة على إلهامنا حتى اليوم، وعلى مساعدتنا في صياغة تصوُّر للمستقبل.

كانت دولة ظاهر العمر- قبل كلِّ شيء- محاولة للاستقلال، كما كانت محاولة للاستفادة من أموال الضرائب لبناء الاقتصاد المحليّ؛ بدلاً من تحويلها إلى الأستانة عن طريق المتصرِّفين والجباة؛ فكانت تجربته سياسيَّة وتنمويَّة فلسطينيَّة، سبقت تجربة ما يسمى "استقلال" الولايات المتحدة الأمريكية نفسها عام 1776.

لم تكن تلك التجربة نتيجة للتعصِّب المحليّ في مواجهة الحكم العثمانيّ، بل كانت جزءاً من بداية المرحلة الحديثة في تاريخ الشعوب، وانطلاقة الثورة الصناعيَّة في أوروبا، وما استتبعها من تكثيف الطلب على شراء القطن من فلسطين، ولذلك كان إنشاء مدينة حيفا كميناء للتصدير ومركز للتجارة عابرة القارات جزءاً مهماً من هذا المشروع.

لم تقتصر إيجابيات مشروع ظاهر العمر على الاستقلال المحليّ والإعمار وتطوير الاقتصاد، فالتجربة نفسها تقدِّم لنا نموذجاً مميَّزاً عن علاقة الدولة بالناس، حيث اعتمد الحكم على تنظيم الجماهير وبناء مليشيات محليَّة، وتوجيه الاقتصاد لكي تتمكن الدولة من توفير حاجات الفلاحين.

كانت الدولة، أيام ظاهر العمر، توزِّع التقاوي (البذور) على الفلاحين ليتمكنوا من زراعة أرضهم واستصلاح المزيد من الأراضي، كما قدَّمت لهم القروض، ونظَّمت عمليات بيع المحاصيل.

وهناك مثال واحد "بسيط" على "الحكم الراشد" يمكن أن يثير العجب حتى اليوم: عيَّن ظاهر العمر ابنه حاكماً لمدينة شفاعمرو؛ لكنَّ أهالي المدينة رفضوا ذلك، ما دفع ظاهر العمر إلى الوقوفِ إلى جانب الأهالي، ثمَّ حكم ابنه بقوَّة السلاح حين قابل رفض أهالي المدينة، إضافة إلى تقديمه الدعم لمليشيات الفلّاحين المقاوِمة لحكم الابن.

عبر نشوئها في هذا السياق التاريخي؛ تختلف مدينة حيفا عن معظم مدن فلسطين، فالعديد من هذه المدن تعدُّ من ضمن أقدم المدن في تاريخ البشرية، وجذورها تمتد آلاف السنين، ومقابلها، هنالك العديد من المدن الجديدة التي تأسست في إطار المشروع الاستعماري الصهيونيّ، ولا يتجاوز عمرها مئة سنة.

ولكنّ عُمرَ حيفا يصل اليوم إلى256 سنة، وهي تشكل مثالاً ملموساً على قيام مشروع نهضويّ فلسطينيّ سبق المشروع الصهيونيّ بكثير؛ ولذلك نشهد إهمالاً، بل تجاهلاً، من قبل بلدية حيفا والمؤسسات الصهيونيَّة لتاريخ هذه المدينة.

 حينما حلَّت الذكرى السنويّة الـ250 على تأسيس المدينة عام 2011، مثلاً،  جرى الاحتفال بهذه الذكرى من قبل لجنة شعبيَّة مكوَّنة من ممثّلي الجمهور العربيّ الفلسطينيّ، وليس من قبل المؤسَّسات الحاكمة الصهيونية.

وبالرغم من سقوط دولة ظاهر العمر، ومقتله على يد البعثة العسكريَّة العثمانيَّة بقيادة أحمد باشا الجزّار، إلا أنَّ مدينة حيفا واصلت تطوُّرها وازدهارها باعتبارها ميناء ومركزاً تجارياً كما خطَّط لها مؤسِّسها. وتوسَّعت المدينة خارج الأسوار في القرن التاسع عشر،  وتعزَّز دورها مع إنشاء خطّ سكة الحديد من حيفا إلى درعا عام 1905، الذي تمَّ ربطه بالخطِّ الحجازيّ.

كما تعزَّز دور المدينة أكثر أيَّام الاحتلال (الانتداب) البريطانيّ مع بناء الميناء الجديد والمطار وربط حيفا بسكة الحديد الواصلة من القاهرة إلى بيروت.

واستقطبت المدينة المئات من العمّال والموظَّفين الفلسطينيين وعائلاتهم، ما خلق شبكة علاقات "مدينيَّة" حديثة، كوزموبوليتية بمقاييس تلك الأيام، تتجاوز الروابط القرويَّة والمدينيَّة التقليديَّة في سائر مدن فلسطين.

هنالك- مثلاً- عائلات حيفاوية تمتدُّ جذورها إلى قرية سلواد، انتقل أفرادها للعمل في "كوبّانية" حيفا وظلوا في المدينة بعد النكبة، كما استقرَّ فيها قسمٌ من السجناء في معتقلها من قيادات الحركة الوطنيَّة الفلسطينيَّة ومناضليها إبان الانتداب.

بناء عليه؛ لم يكن من الغريب أن ينظِّم المجتمع نفسه وفق قوانين جديدة، وفي أطر مستحدثة، منها نقابة عمال فلسطين، والأحزاب، والجمعيَّات الأدبيَّة، والكشافة؛ بشكلٍ حثيث يفوق المدن الأخرى، بسبب انعدام العصبويَّة العشائريَّة والريفيَّة والطائفيَّة.

يصدر هذا المقال على أعتاب ذكرى سقوط حيفا (21-22\4\1948) وتهجير سكانها العرب وتدمير الجرافات الصهيونية لقلب المدينة النابض؛ المدينة التي بناها ظاهر العمر بين الأسوار.

ونشهد في هذه الأيام، 69 سنة بعد النكبة، حملة صهيونية مكثَّفة لهدم بيوت حيّ وادي الصليب الذي ظلَّ مهجوراً كمتحف حجريّ يشير إلى المأساة الفلسطينيَّة، ويشهد على جرائم التطهير العرقيّ، ويرمز إلى انتظار المدينة عودةَ أهلها.

تعمل الصهيونيَّة منذ سبعةِ عقودٍ على محو هويَّة المدينة الفلسطينيَّة العربيَّة؛ لكنَّ الحاصل في هذه المواجهة هو معادلة فريدة؛ فكلَّما قامت السلطات بهدم حجر؛ نمت هوية حيفا من جديد من خلال المزيد من البشر.

إسرائيلياً، لم تعد مدينة حيفا المنكوبة إلى الازدهار تحت الحكم الصهيونيّ، فقد تحولت إلى حيِّز ملحق بتل أبيب، وعُرفت كـ"المدينة النائمة". إنَّ حيفا لا يمكن لها أن تأخذ دورها في ظلِّ عزلها عن فضائها الطبيعيّ المتمثل في بيروت ودمشق وعمّان وغزّة والقاهرة ونابلس.

أما في الزمن الصهيونيّ، فانتقلت  المدينة من المركز إلى الهامش، وتحولت إلى فندق ينام فيه المستوطنون الذين صارت تل أبيب مدينتهم ومركز حياتهم.

رغم ما سبق؛ ظلَّت حيفا مدينة مركزيَّة للعرب الفلسطينيين في المناطق المحتلة منذ 1948، ونشأت فيها على مرِّ السنين مؤسَّسات المجتمع المدني، وهي تشهد تطوُّر الحياة الثقافية، وتركز مختلف النشاطات الاجتماعيّة والوطنيّة، وتنشأ داخلها علاقة فريدة  بين الفلسطينيين؛ قائمة على التعاقد الفرديّ، لا العائليّ والطائفيّ، وتنشط فيها الحراكات والأحزاب السياسيَّة.

وهكذا، بدأت حيفا تتنفس، من جديد، باعتبارها مدينة فلسطينيَّة تتطلَّع إلى المستقبل.

إن حيفا تشكِّل، في الوعي الفلسطينيّ المصاب بلعنة النكبة، ترميزاً عالي الكثافة للجنَّة المفقودة؛ ففيها تمَّ وأد واحدة من أهمِّ تجارب التحديث والاستقلال الفلسطينيّ، وقصف  برعمها النامي بالقنابل الصهيونيَّة، وبذا فإنَّ أهلها وناشطيها يحملون على كواهلهم أيضا ثقلاً إضافيَّاً في نشاطهم السياسيّ والاجتماعيّ، هو عبء الدفاع عن حيفا المتشكِّلة في الوعي الفلسطيني المحروم منها، كموضع لا تختفي منه فلسطين، ولا تسقط بالتقادم، ولا تختنق وراء الحدود المصطنعة.

ومن شواهد ذلك أنَّ قسماً كبيراً من النشاطات الوطنيَّة فيها، قد صار من اشتراطاته غير المعلنة أن يقام بالتوازي مع مواقع الوجود الفلسطيني الأخرى، أي على الأرض المحتلة منذ 1967 وفي الشتات.

في 13 نيسان 2017، خلال نشاطات تأبين الشهيد باسل الأعرج، أطلق ناشطون فلسطينيّون اسم الشهيد على المفترق الذي تقام فيه العديد من تظاهراتهم؛ وأثبتت التجربة أنَّ هذا الفعل قادر على الصمود والثبات، بحيث يروي الناشطون قصَّة بقعة أخرى في المدينة، هي الساحة التي أطلق عليها المضربون عن الطعام في حيفا، إسناداً لإضراب الحركة الأسيرة عام 2011، اسم "ساحة الأسير".

وتسلَّل الاسم على مدار خمسة أعوام، حتى إلى لسانيَّات المؤسَّسة الصهيونيَّة، فهنالك أكثر من حادثة اشتكت فيها بلديَّة حيفا من نشاط يتم في ساحة الأسير، أو يسأل فيها ضابط المخابرات ناشطاً يتمُّ التحقيق معه عمّا كان يفعله "في ساحة الأسير".

هذا الاختراق، الانتصار في المعارك الصغيرة والرمزيَّة، هو الآخر أمرٌ مهم، لأنَّ حيفا المدينة لا يمكن لها بالمطلق أن تنفصل في الوعي الفلسطينيّ عن المجاز، الرمز، حيث يشتبك مشروع الاستقلال الفلسطينيّ بمحاولات طمس المدينة، ومجازر قضائها، وقصص مقاومتها، تحت شعارات التعايش الموهومة.