خطاب توباك أمام حركة مالكوم إكس القاعديَّة

ترجمة آثر برغوثي

مؤسّسة“Malcolm X Grassroots Movement” هي مؤسّسة للسود في أمريكا، تركِّز على أفكار تقرير المصير في المجتمعات السوداء، وتهدف إلى الدفاع عن الحقوق الإنسانيَّة والتحرّر من الاضطهاد "الأبيض" الذي يتجسد في الرأسماليَّة والأبويَّة.

قامت المؤسّسة باستدعاء مغنّي الراب – وعضو في حركة الفهود السود – توباك شكور لتأدية خطاب في مأدبة المؤسسة عام 1982 في ولاية أتلانتا. إلا أنَّ الحضور تفاجئوا بطبيعة الخطاب الذي تحدَّث فيه شكور عن الجيل الجديد، ما بعد "حرب" حركة الفهود السود مع الدولة، الذي أدّى إلى مسح جيلٍ كامل من المثقفين، إمّا بالقتل أو السَجن، ونتيجة لذلك ظهر جيل جديد دون أي معرفة أو اتّجاه أو ثقافة، وهو الجيل الذي تربّى فيه شكور.

المشابَهة بين جيل المجتمعات السوداء آنذاك وأجيال البلاد العربية الحديثة، والفلسطينيَّة خاصّةً، هي مشابهة حادة. نتجت عن كل من الانتفاضة الفلسطينيَّة الثانية والحروب الخارجيَّة والأهليَّة والاستعمار والثورات في الدول العربيَّة، مشاكل اجتماعية وفجوات فكريّة تطابق مشاكل جيل السّود (من ضمنها التفريق الطبقي بين السود نفسهم، وفقدان الهوية والقوميَّة السوداء) ما بعد تفكُّك حركة الفهود السود في العام 1982 – والسنوات السابقة التي أدَّت إلى هذا التفكك –، والتي لخَّصها شكور في خطابه:

أولاً أريد أن أحيّي أمّي، هي ليست هنا ولكن من دونها لم أكن لأكون هنا.

نظرت إلى مقدِّمة هذا الشيء [المنصة]، وكان مكتوب عليها "ابدأوا من الداخل لإعادة بناء عظَمتنا الأصليَّة" صحيح؟ وهذا ما فعلته أمّي. وأنا أستمع إليكم تتحدّثون عن "محاربو الحرية" والمكافحون، يجب أن تفهموا أنّه عندما كان مفترض أن يكون معك سلاح وتكون في الشارع، تنازلت أمي عن ذلك لتكون في المنزل وتغسل الأواني وتطعمنا وتضع الأفكار في عقولنا. لأنَّنا لم نحصل على أيّ من التاريخ من كل هؤلاء الجنود الذين خسرناهم. لقد ذهبوا جميعاً إلى السجن إن كنتم تذكرون! ولم نرَ أيّاً من تلك المعرفة، ولولا أن أمي بقيت في المنزل لم يكن ليكون لديّ أي شيء، ولم أكن لأصل إلى أي مكان.

ما أريد أن أفعله ... ما أريد أن أكونه هو أنا توباك شكور. عليّ أن أكون تذكيراً أنَّه لا يمكننا الاستراحة وهذا ليس وقت الجلوس، ما زالت [المعركة] قائمة اليوم كما كانت قائمة عندما كنتم صغاراً. وعليكم الآن أن تقولوا "تباً لهذا" كما قلتم "تباً لذلك" عندها. إذاً لماذا الآن بعد أن أصبحت في العشرين من عمري وأريد أن أفعل شيئاً يقول لي الجميع "اهدأ". كما تعلمون؛ لا تسبّ، اذهب للمدرسة، اذهب للجامعة، تباً لهذا! لأننّا في الجامعات منذ فترة طويلة وما زال هناك أشباه "بريندا"(1) وما يزال السود محاصرين وهذا... يغضبني [يضحك] لأنَّني أعرف أنَّ هذا لن يتوقف حتى نوقفه نحن.

وليس الرجال البيض هم فقط من يفعلون ذلك بـ"بريندا" وليس الرجال البيض فقط هم من يبقونا محاصَرين. إنهم السود! هل تفهمون ما أقول؟ يجب أن نجد "الإفريقي الجديد" في الجميع، في كل واحد منا. لأننا إن استمرينا بالبحث عن الأكثر سواداً، ومن لديه "داشيكي"(2) ذات ألوان أكثر، فسيستمرّون –واعذروا لغتي- باغتصابنا.

يؤلمني أن أرى أمّي تصارع للتخلص من إدمانها على المخدرات. فهي شخص رأيته يسافر في أنحاء البلاد (3) في وقت كانت فيه النساء تخفن من التحدّث بصوتٍ عالٍ عن الفهود السود. تحدَّثت في جامعات "هارفرد" و"ييل" وفي كل مكان، والآن أراها كما هي في الواقع، ولا أرى بهرجات حولها الآن. وهي كانت قد حصلت على دزينة من الجوائز. والآن لا يوجد أحد [حولها]، هل تفهمون؟ ولكن كل هذا آخذه بخفة.

ما أريدكم أن تأخذوه بجدّيّة هو ما علينا فعله من أجل الشباب، لأنّنا نتربى في عالمٍ مختلفٍ تماماً. هذا ليس ذات العالم الذي كان لديكم. هذه ليست الستّينات. أنتم تربّيتم في عصر ما قبل الـ"كراك"(4). هذا يوضح كل شيء. لم نكبر مع آباءنا وأمهاتنا. كان لديكم أمّهات وآباء، أخبروكم عن هذا الشيء وذاك. أمّا الآن ليس لدينا ذلك. اليوم لدينا أطفال بعمر الرابعة عشرة يصلون إلى المنزل ليروا أمهاتهم تدخن المخدرات، أو تمارسن الجنس مع أعزّ أصدقائهم للحصول على المخدّرات. هل تفهمون ما أقول؟

ذلك يعني أن الموضوع هو ليس أن تهتم بطفلك؛ بل أن تهتمّون أنتم [بكل] هؤلاء الأطفال. يؤلمني -لا بل يزعجني- أن عليّ شخصياً أن أتخلّى عن شبابي من أجل أن أقوم بشيء من واجب شخص آخر القيام به. هناك الكثير من الرجال، لم يحن دوري بعد. من المفترض أن أتبع ذلك الشخص (يشير إلى شخص في الجمهور) لأتلقى المعرفة. لا يمكنني حتى الذهاب إلى الجامعة اللعينة. هناك الكثير من المشاكل في الخارج [لأن أذهب]؛ ليس لدي المال، لا أحد لديه.

وما أقوله هو أن الأمور ليست بالسهولة التي نخطّط لها أن تكون، ويجب أن نكون واقعيّين. قبل أن نكون أفارقة جدد يجب أن نكون سود أولاً. يجب أن ننقذ إخواننا من الشوارع مثلما فعلت "هارييت توبمان"(5). لماذا لا ننظر ونرى ما كانت تفعله. مثلما فعل مالكوم؟ يجب أن تتذكروا أنه قبل ذلك كان قوّاد وتاجر مخدرات وكل هذا. نسينا كل ذلك؛ خلال مسعانا لأن نكون متنورين تنويرنا نسينا كل إخواننا في الشوارع وكل تجار المخدرات والمروّجون والقوادون، وهؤلاء هم من يعلمون الجيل الجديد، لأنكم أنتم لا تقومون بذلك! أنا متأسف، ولكن القوادون وتجار المخدرات هم من يعلموننا. فإذا كانت لديكم مشكلة مع كيفيَّة تربيتنا فإن ذلك لأنه لم يقم أحد غيرهم بذلك. فبينما أراد الجميع الذهاب إلى الجامعات، هم الذين قالوا لنا "الرجل الأبيض لا يسوى شيء، انظروا إلى هذا، أيها "البلود"(6) الصغار، تأخذون المنتج هذا وتبيعونه وتحصلون على المال وهكذا تتغلبون على الرجل الأبيض! تحصلون على المال وتخرجون من هنا". لا أحد آخر قام بذلك، لذا لا أريد أن أسمع أي تعليق عن من يجب أن أحترم وأحب حتى تبدئون أنتم بالقيام بما قاموا به.

بالنسبة لي هذا [المكان] هو مكّة (أي تشبيه تجمّع السود بتجمع المسلمين في الحجّ)، هذه هي العائلة السوداء التي أراها هنا، ولكن ما يحزنني ويجعلني أريد البكاء هو أن ما إن أخرج من هنا، تخرج مكّة أيضاً. سنعود إلى الواقع وهناك في الخارج سترون نفس "الأخوات" مثل "بريندا" وسوف تركبون سياراتكم وتقودونها إلى منازلكم اللعينة. أن متأسف ولكن لا يمكنكم أن تغضبوا من لغتي أكثر من ما تغضبون على ما يحصل في الواقع، وهذا حقيقي! وهذا لأننا نسمح للإعلام-وللرجل الأبيض- بالتدخل بيننا [وإفسادنا] والقول لنا بأن مغنيين الراب ليسوا حقيقيّين وعليك أن تكون إمّا "شخصاً متعلماً" أو أن تكون "من المزراب". نحن كلّنا سواء، وكلّنا نعاني نفس المعاناة ولكن أنا لا أستطيع تثبيت ملامح وجهي عندما أراها.

هذا دليل أننا بإمكاننا أن نتجمَّع. وأن الشاب والشابّة السود هما مستقبلنا نحن، وهما ما تجتهدون أنتم بصنعهم، وما تقومون أنتم به. فإذا لم تقوموا بشيء فلا تغضبوا عندما ننفجر.

 

 

 

(1): بريندا: شخصية في أغاني شكور تمثّل معاناة الشابة السوداء؛ تحمل بطفل في عمر المراهقة ولا أحد يحاول مساعدتها فترمي بالطفل بالشارع في حاوية قمامة.

(2): الداشيكي: لباس إفريقي تقليدي مزخرف وملوّن

(3): كانت أفيني شكور، أم توباك، عضو في الفهود السود وناشطة من أجل حقوق المرأة وأسيرة سابقة للدولة.

(4) الكراك: نوع من الكوكايين يتم تعاطيه عن طريق التدخين، انتشر في الضواحي الفقيرة في أمريكا في أواخر السبعينات ووصل ذرة استهلاكه في أوائل الثمانينات.

(5): هارييت توبمان: (1820 – 1913) ناشطة في مجال إلغاء الرق وعبدة سابقة. هربت من عبوديتها وقامت بعمليات عديدة حررت فيها أكثر من سبعين شخص من العبودية.

(6): "بلود": يطلق على أي عضو من عصابة الـ"بلودز" (Bloods) التي تأسست في لوس آنجليس، واسمها اختصار لـ"الحبّ الأخويّ يتفوق على الاضطهاد والتدمير".