خمسة شواقل ثمناً للتهويد

١٣ تشرين الثاني ٢٠١٧

باعتبارها قلب فلسطين والعاصمة، ظلَّت القدس نابضة بالمقاومة والاشتباك، ولطالما ظلّ المقدسي في حالة تأهب دائمة لكل مشروع صهيونيّ يهدف إلى تهويد القدس. وعلى الرغم من المظاهر التهويديَّة الكثيرة في المدينة، والتي اعتادت عين المقدسيّ عليها، إلّا أنَّ بعض المناطق في هذه المدينة أبت إلّا أن تظل نقيَّة من كل مشهد صهيوني.

شارع صلاح الدين وشارع الزهراء، من أهم الشوارع في المدينة. تمشي في هذه الشوارع لتنقّي عيناك برؤية فلسطين: محال تجاريّة مليئة بالبضائع الفلسطينيّة تلفظ أنفاسها الأخيرة وهي تحاول الوقوف في وجه بديلها "الإسرائيلي"، مجموعة شبّان فلسطينيين يتناقشون بأحداث البارحة أثناء توجههم إلى البلدة القديمة، وكيف قام الجنود بتوقيفهم وتفتيشهم عند باب العامود لما يقارب النصف ساعة، مطاعم كثيرة على جانبيّ الطريق، مطعم الشاورما الذي اعتدت الذهاب إليه يوميّاً أثناء عودتك من المدرسة، مقبرة المجاهدين في شارع صلاح الدين حيث دفن أقرباؤك. يبدو المشهد أمامك كاملاً بجماله ونقائه، ليعكّره محل لإحدى الشركات "الإسرائيليّة" في منتصف هذه الشوارع.

ظهر خلال الشهر الماضي في شارع صلاح الدين وشارع الزهراء ثلاثة محالّ تجاريَّة تابعة لشركات "إسرائيلية" وهيcofizz cofix, scoop,، عن طريق وكيل فلسطيني أخذ على عاتقه مهمّة زيادة منافسة البضائع "الإسرائيليّة" للبضائع الفلسطينيَّة. كما أخذ على عاتقه أيضاً مهمة المساعدة في تهويد ما تبقى من القدس.
cofix  وcofizz هي محال تجاريَّة تقوم ببيع "القهوة المثلَّجة" وغيرها من المنتجات، بأقل من ثمن السوق، ولكنَّها بالطبع لا تبيع القهوة فقط، بل هي أيضاً تبيع "البرستيج" للمشتري، نمط حياة معيَّن وثقافة استهلاك، كلّ ذلك بـ5 شواقل فقط! 

ظهور هذه المحال التجاريّة في منتصف شارع صلاح الدّين وشارع الزهراء ليس بالأمر العبثيّ بالطبع، فهذان الشارعان هما ما تبقى من مساحة للتجّار الفلسطينيين في القدس، للحصول على رزق قليل يذهب معظمه إلى حكومة الاحتلال من ضرائب ومخالفات وغرامات ماليّة. ظهور هذه المحال، بهذه الشوارع وبهذه الأسعار، هي بمثابة الضربة القاضية للتاجر الفلسطيني، الذي لن يستطيع منافسة هذه المُنتجات، ليس من ناحية الجودة، بل في أسعارها وشكلها الخارجي.

لا بد من الأخذ بعين الاعتبار الثغرة التي استطاعت هذه الشركات التوغّل من خلالها داخل هذه الشوارع، فما توفّره هذه المحال التجاريّة من منتوجات بأسعار منخفضة، بالإضافة إلى اسم/ماركة يُستدلّ بها على نمط حياة "راقي" يتماشى مع "الموضة"، أسهم بنجاح وجودها في هذه الشوارع، في ظلِّ التشرّب التام لثقافة الاستهلاك. كما استطاعت هذه الشركات، من خلال تماشيها مع "الموضة"، أن تسرق غضب الشباب، حيث لم تظهر أي محاولة مقاومة تذكر لمنع هذا الاقتحام.

كما تجدر الإشارة إلى أنَّ مركزيّة هذه الشوارع، ومرور أغلب سكّان المدينة وخاصّة طلبة المدارس منها، سيسهّل أن تألف عين المقدسيّ هذا النوع من الصور في هذه الشوارع.

إنَّ الثمن لطمس هويَّة الفلسطيني وتاريخه سيصبح، كما هو واضح، فقط خمسة شواقل، لأنَّه وباللحظة التي تألف فيها عين الفلسطينيّون على وجه العموم، والمقدسيّون على وجه الخصوص، رؤية الاستعمار في كل مكان، لن يكون بمقدورهم إيقاف هذا التوغّل والتهويد، ولربما لن يكون بمقدورهم رؤية الاستعمار!