دعوة مفتوحة للثورة

٠٣ أيار ٢٠١٦

أنا أكره الأطباء ولا أثق بهم.

أكره جميع الأطباء إلا أمي؛ كنت حين أمرض – مرّة أصبت بالأنفلونزا عدّة مرّات خلال العام نفسه، فقضيت حوالي نصف العام مريضاً – أرفض زيارة العيادة أو المستشفى وأصرّ على أن أمي-  وهي طبيبة نسائية-  هي الوحيدة التي يسمح لها بمعالجتي.

بعد انتقال أمّي للعيش في منطقة قريبة جداً من القطب الشماليّ- حيث يقطن بابا نويل ويستعبد العديد من السكّان الأصليين في صناعة هدايا الشتاء لأطفال العالم الأول-  قرّرت أن أعتمد على نفسي في القضايا الصحيّة والطبيّة ظنّاً مني أنّني أًصبحت راشداً بما يكفي.

على أيّة حال، وكي لا تطول مقدّمتي لتصبح مثل خطب السياسيين؛ مؤخّراً أصبحت معدتي –بحسب تحليلي- ترفض هضم الطعام بالشكل اللّائق، وأعتقد بأنّ ذلك هو خطوة احتجاجيّة تصعيديّة على سياساتي في احتساء العديد من فناجين القهوة المُرّة، فقررت تغيير تلك السياسة وإجراء بعض الإصلاحات الغذائيّة في محاولةٍ لاحتواء هذه الحركة الاحتجاجيّة ومنعاً لتوتّرها وحقناً للدماء.

وكانت أولى نقاط البرنامج الغذائيّ الجديد الذي أقررته في بداية الأزمة؛ قبل حوالي شهرٍ من الآن؛ أن أقلّص مستحقّاتي من القهوة لفنجان واحد في النهار وأن أرفع الحدّ الأدنى من الماء لحوالي 4 لترات يوميّاً يتركّز معظمها أثناء النهار قبل فنجان القهوة.

كان لهذه السياسة العديدُ من العوارض الجانبيّة؛ مثل الاضطرار للركض المستمرّ خلال الساعات الأولى من النّهار إلى الحمام… وفي صباح يوم الثلاثاء الموافق 19/4/2016، وبينما كنت أحاول السيطرة على هذا العارض الجانبيّ؛ تفاجأت بأنّ باب الحمام كان مغلقاً وهو ما يعني بالعادة في الحضارة البشريّة الحديثة أنّ هناك شخصاً آخر يشغل هذا المكان، ولسبب ما لا أعرفه، يصبح من المعيب علينا –نحن البشر المنتظرين بلهفة دورنا لبلوغ الحمام- أن ندخل ذاك الحيّز، بل وحتى من المعيب أن نطرق الباب، وكأنّ الحمام مكانٌ مقدّسٌ نلجأ إليه بحثاً عن راحة البال والخصوصيّة، وكأنّ انعدام الخصوصيّة أخطر علينا من انفجار المثانة.

وعلى أيّة حال، لم أكن مستعدّاً في تلك اللحظة للخوض في جلّ تلك المواضيع؛ فقرّرت الانصياع والانتظار في الخارج، وكي ألهي جسدي عن مظاهرات المثانة قررت فتح جبهة أخرى تسرق اهتمام الإعلام؛ فأشعلت سيجارة، ولا أعتقد بأنّ هذا التكتيك نجح كثيراً؛ ما اضطرّني لإطفاء السيجارة في منتصفها والعودة مرة أخرى للحمّام، ولكن الأبواب كانت مغلقة أمام ذلك الخيار أيضاً.

أمسكت بهاتفي واتصلت بصديقي الذي كان قد استعار مني كتاباً، وافتعلت معه جدالاً كي أشتّت تركيز الأعصاب في جسدي، لكن صديقي هذا كان لطيفاً جداً، فاعتذر بسرعةٍ لم أتوقعها؛ فاضطررت للانصياع بعد فشل كلّ محاولاتي السياسيّة هذه. ذهبت إلى باب الحمّام مرةً أخرى مصرّاً على تحطيمه، وبالتالي تحطيم قيم الحمام الحديثة، وما إنْ أمسكت بيد الباب ولويتها إلى الأسفل، حتّى اكتشفتُ أنّ الحمّام كان فارغاً طوال الوقت!

( تشششششش)…

تذكرت حينها التجربة السلوكيّة الشهيرة حول القرود الخمسة؛ حيث وُضع خمسة قردة في قفص يحتوي سلّماً تقود درجاته لبعض قرون الموز، في كلّ مرة حاول فيها أحد القردة الصعود لتناول الموز كان يتلقى صعقة كهربائيّة، وحاول جميع القردة صعود السلّم وجميعهم تعرّضوا للصعقة، ثمّ قام العلماء بتبديل أحد القردة (اللي انقرصوا من السلم) ووضعوا قرداً جديداً (ما انقرصش لسّا ومش فاهم اللّعبة)، وعندما حاول هذا القرد تسلّق السلّم؛ انهال بقيّة القردة عليه بالضرب لمنعه حفظاً لسلامته… بعدها قام العلماء بتبديل جميع القردة تدريجياً بحيث أصبحوا القردة الخمسة المتبقين في القفص جميعهم لم يتسلّقوا السلّم ولم يتعرضوا لصعقة كهربائيّة، ولكنّهم استمروا بمنع أيّ قردٍ من تسلّق السلّم وصولاً للموز!

أخشى ما أخشاه أن تخشى الشعوب –مرتكزة على “قرصة الربيع العربيّ”- من الثورة والسّلوك الثوريّ في أن تلوي يد النظام العالميّ وقيمه، وأن نبقى نشغل أنفسنا بإشعال سجائرنا ومشاكل وجدالات جديدة هرباً من مواجهة باب الحمّام وسلّم الموز والقرود الأخرى. وفي النهاية أطالب كلّ القوى التقدّمية –وبكلّ تواضع- أن تحذو حذوي بعدم التردّد في ليّ يدِ باب الحمّام بكلّ الاندفاع الثوريّ في كلّ مرة، وإن فشل ذلك فعلينا ألّا نستكين ونرتدّ؛ بل علينا التفكير بتحطيم الباب أو حرقه أو تفجيره أو حفر نفق تحته أو….

_______

تتمة :

بعد أن انتهيت من كتابة هذا النصّ ذهبت للبحث عن تجربة القردة فاكتشفت أن هذه التجربة مشكوك بأمرها ومن المرجّح أنّها لم تحدث أصلاً؛ ما جعلني أتأكّد بأنّني لستُ مثل القردة بل مثل الحمار! فأنا في دعوتي ألا نسلك سلوك القردة، فعلت بالضبط ما فعلوه!