دفاتر فلسطينيَّة": الزنزانة، حجرة نوم الفلسطيني"

٠٣ كانون الأول ٢٠١٦

في كِتابه «دفاتر فلسطينيَّة» والصادر في العام 1978والمُتَرجم إلى عدَّة لغات، يروي ابن حيِّ الشجاعيّة بغزة،الشاعر معين بسيسو في أحد عشر دفترًا، مذكّراته عن أحداث هَبَّة 1953 لإسقاط مشروع سيناء ويوميّاته في السجون المصريَّة بشكل أساسيّ، وما تعرَّضَ له مع المعتقلين الفلسطينيّين -والمصريّين أيضًا، من تعذيب وإهانة لكرامتهم الإنسانيّة بسبب مواقفهم السياسيّة. كما يتطرّق بسيسو لبدايات نشاطه الحزبيّ سواء في غزّة كمعلِّم، وفي مصر كطالب ولاحقًا في العراق كمعلِّم. ويتحدّث معين في دفاتره عن علاقته مع العديد من أعضاء الحزب الشيوعي المصري الذين جمعتهم به زنازين السجن الحربيّ ورمال الواحات الخارجة وكرابيج سجن مصر العمومي.

مشروع توطين لاجئي قطاع غزّة

شنَّت قوّات الاحتلال الإسرائيليّ في الثامن والعشرين من أغسطس للعام 1953 هجومًا على مخيم البريج. خلَّف الهجوم 26 شهيدًا وعشرات الجرحى بالإضافة إلى البيوت التي تمَّ نسفها عن بكرة أبيها. كان هذا الهجوم بداية عصرِ الغارات الإسرائيليَّة على المخيَّمات في قطاع غزّة وكان قد بدأ الحديث يدور وقتها حول مباحثات بين الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة والحكومة المصريَّة ومندوبي “الأونروا” حول تفكيك المخيَّمات، وترحيل لاجئي قطاع غزة لتوطينهم في سيناء.

انطلق معين بسيسو ورفاقه المدرِّسين وطلَّابه في مظاهرة عفويَّة من بوَّابة مدرسة البريج إلى أن وصلوا مخيَّم النصيرات،حيث قاموا بتجريد جنود المباحث من بنادقهم التي كانوا يحمونها بكتابة التقارير ضدَّ المخيّمات. في اليوم التالي، كان معين وطلَّابه مجتمعين، لكن ليس في حجرة الدراسة إنَّما في حجرة سجن غزّة المركزيّ.

في هذا الوقت كان (سعد حمزة) -حاكم غزّة العسكري ومدير المباحث العامَّة أيضًا – قد بدأ بالذهاب إلى مخيَّمات وسط قطاع غزّة، ليصرخ في اللّاجئين: «الأفضل أن تذهبوا إلى سيناء في اللوريَّات بدل أن تذهبوا إليها مشيًا على أقدامكم».

أخذَ الحصار على المخيَّمات يشتدُّ، من قبل وكالة الغوث إضافة إلى بعض المخاتير في بعض المخيَّمات، الذين اختاروا أن يقدّموا عيون الأطفال الفلسطينيّين في المخيَّمات، بيضات مسلوقة للمخابرات المصريَّة وغيرها، حسب تعبير بسيسو. وفي ظلِّ غياب جسمٍ تنظيميّ في قطاع غزة،حيث أضحت عصبة التحرّر الوطني “الحزب الشيوعي الأردني”، وغدا أعضاء العصبة في الأراضي المحتلّة 1948 أعضاء في حزب “راكاح” الإسرائيلي، شُكّلت اللجنة المركزيَّة الأولى للحزب الشيوعي في غزّة. وانتخب بسيسو سكرتيرًا عامًا لها. على رأسِ البرنامج المرحليّ للحزب، كان يتربّع إسقاط مشروع سيناء.

كتب معين بسيسو مذكّرة موجهة إلى الحاكم الإداري العام في قطاع غزّة ضدَّ مشروع سيناء، ووقَّع عليها الفلّاحون. ورغم تهديدات المباحث المصريّة، بدأ المدرِّسون في المخيَّمات بعملية جمع الأسماء ضدَّ مشروع سيناء.

قام الحزب الشيوعي في قطاع غزّة بترجمة تقرير خبراء “الأونروا”حول مشروع سيناء وطباعته وتوزيعه في منشورٍ جماهيريّ في المخيَّمات.جاء في التقرير اعتراف المهندسين باستحالة الحياة في تلك المنطقة، لقلِّة المياه والتكاليف الباهظة لاستصلاح التربة، كما تحدَّث الأطباء عن الأمراض التي ستداهم اللاجئين وتُهّدّد حياتهم، إلا أنَّه حمل في ذات الوقت موافقة الخبراء على المضيِّ في تنفيذ المشروع، وأن تتمَّ التجربة بدايةً على عشرين ألف لاجئ، ومن ثمَّ إرسال الدفعات الأخرى من اللاجئين.

بعدما وصل منشور الحزب لكلّ أبناء قطاع غزّة، تحوَّلت حصص التاريخ في المدارس، إلى حصّة لفضح تقرير مشروع سيناء. أعقب ذلك حملة تفتيش مسعورة من قبل شرطة المباحث على الكثير من البيوت، بحثًا عن آلة”الرونيو” التي طُبعت عليها المناشير. آلة “الرونيو” هذه كان قد حملها أحد الشيوعيين المصريّين، لرفاقه الشيوعيّين في غزة. حيث بدأوا يطبعون عليها نشرة “الشرارة”.

أنذرت الغارة الإسرائيليّة على محطَّة السكّة الحديد في غزّة، ليلة 28 فبراير 1955 ببدء تنفيذ المؤامرة. في اليوم التالي خرج الآلاف من رفح حتّى بيت حانون، تحت شعار واحد: «لا توطين ولا إسكان/ يا عملاء الأمريكان».

«سال الدم/ عاش الدم»

انطلقت التظاهرة الرئيسيَّة في هبَّة الأوّل من مارس 1955 من مدرسة “فلسطين الرسميَّة” في غزّة، تجاوزت مركز البوليس العام في الرمال وهي في طريقها إلى شارع عمر المختار، والهتاف يعلو «كتبوا مشروع سيناء بالحبر/ وسنمحو مشروع سيناء بالدم». أمام مستشفى”تل السكن”، حُمِلَ بسيسو على الأكتاف والتفَّ حوله طلّاب مدرسة فلسطين وسائقو السيَّارات والباصات وأصحاب الدكاكين الذين انضمّوا للمظاهرة.ارتفع الصوت في مواجهة بنادق الجنود المصريين،«لا توطين ولا إسكان/ يا عملاء الامريكان»، تقدَّمت التظاهرة،كان رأسها عند سينما السامر، وكتفاها في شارع عمر المختار، وصدرها قرب كليَّة غزّة، وقدماها في حيِّ الشجاعيّة.

على بعدِ خمسين مترًا من سينما السامر، توقفت المظاهرة، أمامها بنادق بأيدي رجال شرطة المباحث. البنادق التي يقول بسيسو عنها، أنَّها لم تظهر حينما أغار الإسرائيليّون على مخيَّم البريج عام 1953، ولا حينما أغاروا على محطَّة السكَّة الحديد في غزّة عام 1955. لكنّها ظهرت لتعترض طريق تظاهرة من الطلّاب والمدرِّسين والفلّاحين والعمّال.

خمسة أمتار، فصلت بين الشاحنة العسكريَّة والتظاهرة. انطلق الرصاص دفعة واحدة من وراء الشاحنة ومن تحت أشجار البرتقال التي يتوارى خلفها رجال المباحث. «البنادق التي كانت مريضة تمامًا ودمها ملوَّث عام 1948 ضدَّ الإسرائيليّين، أصبحت في عنفوان شبابها ضدَّ الفلسطينيّين عام 1955»، يقول بسيسو.

سقط حسني بلال، عامل النسيج في المجدل واللاجئ إلى غزة. هشَّمت رصاصات جندي البوليس الفلسطيني رأسه وصدره وفخذيه.

احترقت الشاحنة العسكريَّة وهرب رجال الشرطة، تقدَّمت التظاهرة لتصل مركز بوليس الرمال حيث يجتمع كلُّ أفراد الشرطة السريّين والعلنيّين ويرتفع الصوت مرَّة أخرى «لا توطين ولا إسكان/ يا عملاء الأمريكان»وارتفعت معه الأصابع وفوقها دم حسني بلال، وعَلا الصوت «سال الدم/ عاش الدم».

في اليوم التالي، كان معين يصرخ فوق رأس حسني بلال «يا فمّ حسني بلال/ الدم سال وقال». ومن فوق سطح مستشفى”تلّ السكن” أطلقت شرطة المباحث الرصاص على التظاهرة وبدأ الرصاص يسقط فوق النعش. كانوا يريدون أن يسقطوا النعش ويسقطوا التظاهرة. تجاوزت التظاهرة المستشفى حتّى بلغت المقبرة، حيث كان عليهم أن يدفنوا شجرة التوت، الجسد الذي أصبح كلّه شبابيك. جسد الشهيد حسني بلال.

تمَّ فرض منع التجوال من رفح حتّى بيت حانونلكنَّ الجماهير كانت قد ملأت الشوارع وفرضت حظر التجوّل على شرطة المباحث. تشكَّلت اللجنة الوطنيَّة العليا ورفعت مطالبها التي تمثَّلت بإلغاء مشروع سيناء،وتدريب وتسليح المخيَّمات الفلسطينيَّة، وإطلاق الحريَّات العامة.

بعد أيام وقف معين بسيسو فوق حائط ليعلن باسم اللجنة الوطنيَّة العليا، سقوط مشروع سيناء.

***

«كان على الرأس الفلسطيني أن يدخل ثقب الإبرة».

الحكومة المصريّة لم تكن لتجعل الأمر يمرّ دون معاقبة كل من كان وراء إشعال تظاهرات إسقاط مشروع سيناء. لم يتأخر الأمر كثيرًا، ففي منتصف ليل 9 مارس 1955، بدأت الغارة البوليسيَّة المصريَّة من رفح حتَّى بيت حانون، على بيوت الفلسطينيّين في قطاع غزة.

في إحدى العربات العسكريّة المغطّاة جلس محمد يوسف النجار، وفي ثانية فتحي البلعاوي، وفي عربة ثالثة كان بسيسو ومعه بعض المدرِّسين والطلاّب والعمّال ومضت بهم العربات من سجن غزّة المركزي إلى محطَّة العريش، من هناك نُقلوا إلى سجن مصر العموميّ حيث كان في استقبالهم على البوابة صفَّان من بوليس السجن. استقبلوهم بالعصيّ.

«نعم لن نموت. نعم سوف نحيا

ولو أكل القيد من عظمنا

ولو مزّقتنا سياط الطغاة

ولو أشعلوا النار في جسمنا

نعم لن نموت، ولكنّنا

سنقتلع الموت من أرضنا»

هذه القصيدة كتبها بسيسو في فجر 9 مارس 1955 في عربة اللّوري العسكرية التي أقلَّته من غزّة إلى سجن مصر العمومي. القصيدة التي غدت بعد ذلك نشيد الزنازين في سجون الأرض المحتلة.

****

«ماكينة الحلاقة التي دارت في الرأس الفلسطيني، كانت تدور كالمحراث في الأرض الفلسطينيَّة المحتلَّة. لم أكد أعرف أولئك المكوَّمين معي في الزنزانة، ولكن حينما استيقظنا في السادسة صباحًا على مفتاح وكرباج السجّان. عرفنا أنَّنا لا يمكن أن نكون غير فلسطينيّين. فلسطيني يصحو ويوقظ كل الفلسطينيّين في الزنزانة».

يدور محور سرد بسيسو في دفاتره حول تجربته الشخصيَّة في السجون المصريَّة سواء خلال فترة الاعتقال الأولى التي تنقَّل فيها ما بين سجن مصر العمومي وسجن القناطر الخيريَّة وفترة الاعتقال الثانية التي دارت رحى أقدامه فيها بين معتقل الواحات الخارجة والسجن الحربيّ الذي غادره في مارس 1963.

هذا ويتحدَّث بسيسو عن أصناف التعذيب التي كانوا يتلقّونها كمعتقلين فلسطينيّين من قبل السجّانين المصريّين من اللحظة التي تخطو أقدامهم بها بوابة السجن، حيث لم يكن بانتظارهم إلّا العصي والكرابيج المجدولة بأسلاك التليفون، تصلي صليًا على ظهورهم ورؤوسهم انتقالاً إلى طقس التعذيب الأصعب والأكثر إهانةً لكرامتهم.”العروسة” والتي هي عبارة عن هيكل من الخشب لها ذراعان مفتوحان، توجد في كل منهما فتحة لكي يدخل فيها السجين يده. أمّا الرأس فمفتوح يكفي لكي يدخل السجين رأسه فيه. كان على الفلسطيني أن يتزوَّج هذه “العروسة”. ويقف خلفهم اللواء (إسماعيل همّت) ليُشرف بنفسه على الزواج، وهو يقول لجنوده: «إضرب على الظهر الفلسطيني الحنيّن». وتلف حبال الكرباج السجين. بعض المعتقلين الفلسطينيّين كانوا طلّابًا لم يتجاوزوا السابعة عشر بعد. «لقد تمَّت حراثة الظهر الفلسطيني»، يقول بسيسو.

في عنبر يضمُّ الشيوعيّين المصرييّن والإخوان المسلمين، سكن المعتقلين الفلسطينيّين الدور الأرضي- ليكونوا أقرب إلى الكرباج. وقد أسكنوا كل ثلاثة وعشرين معتقلًا في زنزانة واحدة مُعدَّة بالأصل لسجينٍ واحد ومُنع المعتقلين الفلسطينيّين من الاتّصال بالمعتقلين الآخرين، من كتابة الرسائل، ومن الفسحة اليوميّة حتّى في ساحة السجن. لم يكن مسموحًا للفلسطيني غير تدخين أصابعه!

بعدها نُقل بسيسو ومن معه، من سجن مصر العمومي إلى سجن القناطر الخيريَّة حيث سكنوا الدور الثاني للسجن. وبعد العدوان الثلاثي على مصر، أصدر جمال عبد الناصر قرار إطلاق سراح الشيوعيّين المصريّين أمّا المعتقلين الفلسطينيّين، فتمَّ نقلهم إلى عنبر آخر في سجن القناطر. غدا الفلسطينيّون وحدهم مع المسجونين الجنائيين وعشرات من اليهود تمَّ احتجازهم خلال العدوان الثلاثي. يقول بسيسو إنَّه قد تمَّ تقديم عرض لهم يقضي بالإفراج عنهم ولكن دون التفكير بالعودة لغزّة وهذا ما رفضه المعتقلين الفلسطينيّين تمامًا، وما كان منهم إلّا أن أعلنوا إضرابًا عن الطعام استمرَّ لمدَّة سبعة أيام ثمَّ فكّوا الإضراب بعدها على أساس الإفراج عنهم على دفعات وإعادتهم جميعًا إلى قطاع غزة. وبالفعل صدر قرار الإفراج عنهم في أوائل تموز 1957.

عودة بسيسو إلى غزة كانت تعني عودته للسِلك التعليميّ حيث عُيّن كمدير لمدرسة “صلاح الدين الإعداديّة للاجئين”، وبشكل أساسيّ عودته لنشاطات الحزب الشيوعي في القطاع والذي كانت بنيته التنظيميّة مفكَّكة ومنهكة آنذاك نتيجة ما تلقَّته من ضربات الحكومة المصريَّة من جهة وحملات الاحتلال الإسرائيليّ من جهة أخرى.

بعد الحملة التي شنَّتها الحكومة المصريَّة على الحزب الشيوعيّ المصريّ والتي انتهت باعتقال غالبيّة أعضائه مطلع العام 1959. بدأت تُفتح في القاهرة ملفّات الشيوعيّين في قطاع غزّة ولم يَطل الأمر كثيرًا حتى عاد بسيسو إلى السجون المصريّة للمرّة الثانية حين اعتقلته المخابرات المصريَّة في منتصف ليلة 23 أبريل 1959. دخل بسيسو السجن الحربيّ برفقة زوجته (صهباء البربري)،وكانت أول فلسطينيَّة مصريّة تدخل السجن الحربيّ، قضت فيه أربعة أشهر في زنزانةٍ انفراديَّة، تمَّ ترحيلها بعدها إلى سجن النساء في القناطر الخيريّة.

«قَدّم لهم عشاءًا جيدًا يا أمين. إنَّهم ضيوف». كانت مائدة الضيافةعبارة عن عشرات من الكرابيج التي انهالت على رؤوس المعتقلين الفلسطينيّين الواصلين لتوِّهم من غزة وبدأت حفلات التعذيب اليومية في السجن الحربيّ. عشرات الكرابيج المصلوبة على الظهر الفلسطيني بمشاركة جوقة الكلاب “لاكي” و”جولدا” و”عنايات”. وضعوا كلَّ معتقل في زنزانة انفراديَّة، وحده وجَردل بول فقط. في اليوم الثلاثين، سُمح لهم بحمل جرادل البول خارجًا لإفراغها وغسلها. في اليوم الثامن والثلاثين، أمسكوا بالهواء، ورأوا الشمس.

في أغسطس من العام 1960 تمَّ ترحيل المعتقلين الفلسطينيّين من السجن الحربيّ إلى سجن الواحات. كانت الظروف صعبة جدًا هناك، يقاتل المعتقلين من أجل حبّة أسبرين، معظم المعتقلين مصابون بالدوسنتاريا وسوء التغذية ولم يكن مسموحًا لهم بارتداء الأحذية حيث كانوا يلفّون أقدامهم العارية بالخِرق أو بقصاصات أوراق الجرائد من فرط اشتعال الرمال. «نحن هنا للموت، ويجب ألّا نموت» هذا ما قاله(فخري لبيب)لمعين بسيسو عند دخوله سجن الواحات. كان على معين ورفاقه أن يورقوا دائمًا أو يهلكوا.

في ظلِّ كلّ تلك الظروف الصعبة التي كان يعيشها المعتقلون في سجن الواحات الخارجة. صدر القرار المشترك في الرابع من يوليو 1961 بين المعتقلين الفلسطينيّين والمصريّين بإعلان الإضراب المفتوح عن الطعام. حيث كان عليهم أن يفعلوا شيئًا، لكي يلفتوا انتباه الذين يمشون بأحذيتهم فوق الكرة الأرضية، حين كان سجين الواحات يواصل مشيه فوق الرمال المشتعلة، وحذائه الذي يلفُّ قدميه ما هو إلا قطعة من قميصه. «في اليوم السادس عشر انتهى الإضراب وانتصرت زهرة عبّاد الشمس على الكرباج» يقول بسيسو.

في النصف الثاني من العام 1962 عاد بسيسو ومن معه من المعتقلين الفلسطينيّين إلى السجن الحربيّ، إلى العنبر نفسه الذي تركوه من عامين، كان الحرس قد تغيَّروا، أمّا حمزة البسيوني فبقي كما هو قائدًا للسجن الحربي، الحداة كانت لا تزال ترفرف في فضاء السجن والجنود الذين يمضون مدة العقوبة ما زالوا يركضون حفاة في دائرة وأحذيتهم مُعلّقة في رقابهم والسجّانون يلاحقونهم بالكرابيج. الكلب “لاكي” ماتولكن هذا “الجدّ” قد ترك الكثير من الأحفاد لكي يرثوا من بعده زنازين السجن الحربيّ.

في مارس 1963، أتى قرار الإفراج عن المعتقلين الفلسطينيّين مع الحرس الفلسطيني، هؤلاء الذين شاركوا باعتقالهم في أبريل 1959. «فلسطين كل فلسطين كانت ولا تزال وستبقى بالنسبة لهم هي: الكلبش والزنزانة والكرباج».

السجن الحربي يغلق أبوابه وراء أبناء غزة. وعلى حائط كل زنزانة كتبوا: «من ابريل 1959 إلى مارس 1963». كان هذا كلُّ ما يمكن تقديمه للسجين القادم.

***

  «النجمة فوق البحر تتزوَّج بحارًا ولكنَّها فوق السجن تحبُّ مُعتقلًا».

في ليالي السجن المعتمة، حيث لا قلم ولا ورقة كان معين بسيسو يحاول أن يكتب شيئًا ما بأصبعه في الهواء وحين يوجد القلم كانت تُهرَّب الكلمات إلى الخارج. ذات يوم، جاء صلاح خلف (أبو إياد) لزيارة بسيسو في سجن القناطر الخيريّة، هرَّب معه رسالة سياسية وقصيدتين مكتوبتين على ورق السجائر. كان بسيسو ينام وهو يحلم بمحطَّة السكّة الحديديَّة في غزّة. يحتضن صفّارة القطار، يضمُّ عجلاته بين ذراعيها ويضع الفحم تحت رأسه، حينها كانت موسيقى أبعد نجمة تصل إليه، ويغني: «يا سهير

أنا في المنفى أُغنِّي للقطار

وأُغنّي للمحطة

أيّ هزَّة

حينما تُومضُ في عينيَّ غزَّة

حينما تلمعُ أصواتُ الرِّفاق

حينما تنمو كغاب من بروق ورياح».

كلمة أخيرة

لعلَّك إن أخبرت أحدًا عن الرجل المُكلّل بالصهيل وفعل الاستصراخ والاستنهـاض، عن النخل الباسقـات، عن معين بسيسو النـاتئ دومًا عن هـدأة أيـّامه، والنافر أبدًا عن الأشعـار المُطمئِـنـة في حبرهـا، لما كان بوسعه أن يُصدّق كيف بوسع رمح منتصب لم يتبقّى له من رمق سوى صرخة أن يمنع وطنـًا من التقلّص ومنفى من أن يتمدّد.

«أنا إن سقطتُ فخذ مكاني يا رفيقي في الكفاح .. ».

ولكي لا يبقى ذلك المكان شاغرًا وكيلا يُخذل معين مرتين،كانت الكلمات أعـلاه.