ديناميكيات المُقدس في الدين والرأسماليّة: مُراجعات في فكر الدكتور عبد الهادي عبد الرحمن - الجزء الأول

٢٣ أيلول ٢٠١٨

المُقدس وجودهُ من خلال انعكاس تفكيرنا ووعينا على العالم، المُقدس يُصيغ الحقيقة لدينا. المُقدس في وعينا وتفكيرنا مُختلف عن الآخر وأشكل المُقدس عندهُ، السؤال والتحدي الذي يطرحه علينا المُقدس: هل الحقيقة الكونيّة للبشر مُمكنة في ظل المُقدس. في مقالةِ الفيلسوفة حنّة آرندت «الحقيقة والسياسة»[1] ترى أن الحقيقة كانت في صراع دائم مع السياسة، ومحاولة جعل الحقيقة كرأي آخر دائماً أدى لضعف كونيتها، وطمس الحدّ الفاصل بين الحقيقة والرأي من أجل إخضاع مادة تاريخيّة حقيقيّة إلى النقاش والاختلاف، السياسية وتشكيل المُقدس الذي يجعلنا نرفض الحقائق التي تُعارض هذا المُقدس، حتى لو في أمور حاسمة وراهنة لا تحتملُ الرأي ولا الرفض، يُعاد إخضاعها لموقع اللايقين. تأتي حنة بمثال عن دور تروتسكي في الثورة البلشفية روسيا، كيف تمّ إنكارهُ وتغييبه في فترةِ ستالين مع أنَّه حقيقة -بحد تعبير آرندت- لا تحتمل النقاش.

 الحقيقة من زاوية سياسيّة تحمل صفة استبداديّة لا يمكن أبداً احتكارها من قِبَل الطغاة الذي يخشون مُنافسة حرّة دون كذب وافتراءات. هُنا يكمن قصدُ حنة آرندت أنَّ الحقيقة دائماً في صراع مع السياسة طالما السياسيين لا يريدون أن يخضعوا للحقيقة. المُقدس كأداة سياسيّة تتبلور، وتؤدي وظيفةٍ من خلال العلاقات الشائكة في الدماغ وتشكيل الهويّات في خضم الصراعات الاجتماعيّة الثقافيّة، والوطنيّة ضد الكولونياليّة والامبرياليّة، أهم المواضيع التي سنُناقشها في كتاب «عرشُ المقدس» وفكر الدكتور عبد الهادي عبد الرحمن.

المُقدس والمفهوم المادَي

          ما غاب في تحليلات حنة آرندت البنية المادّية للحقيقة وعلاقتها في الإنسان وحياتهِ، إغترابه، عمله كمشكلات يجبُ على السياسة مُعالجتها وقوننة تصوّرات أخلاقيّة عادلة للمُجتمع. الدكتور عبد هادي عبد الرحمن أراد في تحليلهِ المُقدس أن يصل بنا إلى الإنسان وما يشغلهُ مادّيا وكيف أصحاب السياسة يحافظون على سياسات مُعينة مُستقرة وقوننة نُظم أخلاقيّة تحمي أصحاب المال والدولة من خلال تغليفها بمُصطلحات المُقدس والمتعالي عن الوجود البشري. المُقدس من وجهة نظر المواطن العادي يكون أداة للأمن السيكولوجي وخلاصاً من الحيرة على حدّ قول الدكتور عبد الهادي[2]، المنهجية التي يتم اتباعها من أجل فحص ديناميكيّات المُقدس في شتى نواحي الحياة وتكوَنه:

"وندّعي بأَّننا لم نقدم أي تصور لاهوتي، لا ظاهراً ولا باطناً، وإنما هو كشف بعض من مناحي المُقدس سواء في حياتنا المُعاصرة، أو في التاريخ عبر الانتقال من العملي إلى النظري ومن النظري إلى العملي. وإن بدا أحياناً أَّنني أخوض معركة، فهي ليست أبداً معركة مع تصورات بعينها أو دين بعينه، أو مع حركة سياسية بعينها، وإنما هي حماسة لكشف أبعاد المُقدس كجزء من منظومة ثقافية نرجو توسيعها وإغناءها بدلاً من إفقارها سواء بعفوية أو عن طيب خاطر"[3]

ويشرح عمليّة البناء والتكوّن "ينبني المُقدس ذاته كإسقاط إنسانيّ من الذات لخارجها، فإنه ينبني في إطار تكوّن تاريخي واجتماعي ثقافي عام، لا يسبق أحدهما الآخر بعمليّة تسبق فيها الألف الياء، ولكن تتجادل، أي تذهب وتعود، تقبل وترفض، تختفي وتظهر علاقات جديدة، وبُنى جديدة، تثبت مؤقتاً، أي تكون في حالة تأرجح دائم إما داخل الأنساق أو خارجها (critical oscillation)"[4]

هذهِ المنهجية الجديدة تنطلق من إعادة اعتبار المُقدس كحالةٍ ديناميكية تؤثر على إنتاجنا وعملنا ونشاط الإنسان في العالم. في صراعتنا وحاجتنا الاجتماعية المادّية يتم تبلور المُقدس من خلال علاقتنا مع السلطة السياسية والاجتماعيّة (سُلطة المُقدس) والخاضعين لها.

          أهم ما يعترضنا في تفكيك تاريخيّة المُقدس، مفاهيم الخير والشرّ التي يُقدمها المُقدس. هذه المفاهيم ليست وهميّة بل لها أساس مادّي في خلق تصوّر الخير، الذي يحمي الإنسان من الشعور بالعدم، ويحميه تصوّر الشر من شعور الاستلاب من العالم، الذي خلقه بيديه. الشر مُصطلح يُطلَق على الظواهر والأفعال التي نحسبها سيئة. الشر أخذ موقع ميتافيزيقي مُقدس عند الإنسان، كيف يكون لذلك دلالات مادّية؟ سنتطرق لمفهوم الشرّ عند الفيلسوف ابن سينا من أجل تحديد تعريف الشرّ، حدد ابن سينا مفهوم الشرّ من خلال حصر مجالهِ، النقائص الضروريّة، والعدم المؤكد ضررهُ.[5]

جعل ابن سينا ثلاثة مفاهيم للشرّ: الطبيعي، ما يؤذي الإنسان ويُلحق بهِ ضرراً وبحاجاتهِ ورغباتهِ ووسيلة الإنسان لتعريفهِ اللذة والآلم. الشرّ الأخلاقي يتعلق بأفعال الإنسان باختيارهِ وما يراهُ ضارّاً أو نافعاً. والشرّ الميتافيزيقي يتعلق بالنقص الذي يلحق الموجودات الممكنة وينمعها من أن تصل إلى الكمال الواجب لها. الشرّ الطبيعي وأيضاً الأخلاقي تحديدهما مُتعلق في مُمارستنا المادّية في العالم. الشرّ الأخلاقي خاصّة هو المُقدس الذي نراهُ شرّاً وضارّاً وفق اختيارنا ورؤيتنا. وهُنا الشرّ يكون مفهوماً مادّياً، يُصاغ وفق تصورات الإنسان المادّية. من هُنا يكون للخير والشر معنى فعلياً في حياة الإنسان.

المُقدس والبيولوجيا: جذور

لكي نفهم مراحل تطوّر المُقدس عند الإنسان وآلياتهِ، وثمّ كيف يكون المُقدس آلية سلطويّة سياسيّة للإخضاع. علينا أن نعي حقيقة الإنسان البيولوجيّة كونهُ حيواناً، حاجاتهِ، مُتطلباتهِ، طموحاتهِ تقتضي أبعاد بيولوجيّة.[6] السؤال الأكثرُ جدلاً الذي يطرحهُ الدكتور عبد الهادي "لكن الذي قد يُثير الجدل هو علاقة هذا «الحيوان»، بإنتاج الأديان والمذاهب والأساطير والفنون بكلّ أنواعها."[7] من هُنا يبحث في جذور علاقةِ البيولوجيا في المُقدس، وفي القدرات الدماغيّة وكيفيّة الاستقبال (perception) للعالم واستيعابهِ كمُقدس، ومن جهة أخرى يطرح علاقات السُلطة في إنتاج المُقدس. شرح العلاقة يكون من خلال آليات أوليّة عند الإنسان التي مكنته من التميّز عن الحيوان في إنتاج المُقدس، العمل واللغة.

السيطرة على الطبيعة، وتطوير ظروف وأساليب المعيشة والبقاء في الحياة، وإشباع الحاجات وخلقها، وأيضاً التحوّل من «موضوع» في الطبيعة إلى «موضوع» خارج الطبيعة أهم التطوّرات في التاريخ البشري. وأيضاً اللغة ساهمت في التواصل البشري وخلقت العالم السحري للكلمات.[8] الإشكاليّة التي صاحبت هذا التطوّر هي الإنفصال عن العمل وعن المنتوج الإنسان ويغترب عما أنتجتهُ يديه، سببُ ذلك تطوّر النُظم الاجتماعيّة (البرجوازيّة) وأيضاً مع بداية تقسيم العمل، بدأ اغتراب الإنسان عن عملهِ وتفشي الجهل عند الفقراء والعُمال.[9] تغوّلت الطبقات المُسيطرة في الهيمنة والاستغلال حتى أصبح الإنسان مُجرد مسمار غير مرئي في آلة هائلة الضخامة على حدّ وصفهِ.[10]

الإنسان لم يكن على حقيقتهِ بل مُتلاشياً مسحوقاً، يشعر بالموت الناتج عن فقدان قيمتهِ بذاتهِ. آليات الدفاع النفسي تنشط في هذهِ الحالة، فوجدت ذاتَه والحياة في وجود آخر، واللغة هي الجسر للوصول إلى الوجود الآخر، في الدين والقوميّة والخيال والأسطورة. ولكنها تبقى في اللغة في الدماغ غير حقيقيّة. وهُنا تكمن الإشكاليّة في «المُقدس الحديث» في الفترةِ الرأسماليّة التي نعيشها، الإعلامي والأيديولوجي الذي يُسيطر على أدمغتنا ويُهيمن على قرارتنا، الاغتراب والتخيّل يجعلنا فريسة سهلة للإعلام والمُشتريات والأسواق والوهم وسيطرة الرغبة، طالما اغتربنا عن العمل واللغة، المُقدس يُعيد إنتاج نفسهِ وتمركزهِ في مظاهر وأدوات جديدة، والسُلطة والطبقات المُسيطرة هي التي تتحكم في الحقّ والباطل وبذلك تضمن استمراريّتها.[11]

الآلية الدماغيّة التي تُمكّن عبور «المُقدس الحديث» والتعصب والتمركز حوله، من خلال عمليّة دماغيّة المُكاملة (integration) استدماج الواقع الخارجي بتنوعاتهِ في الرأس رمزياً (internalization)، وينتجه بشكلٍ مُتكامل واحد، وبذلك يفقد التنوّع والاستثناء ويُركز على المُقدس والدماغ يتحول إلى ثنائيّات ساعة المواجهة والتفكير.[12] المنظور الواحدي والتفكير الثُنائي للعالم، دائماً ما تكون هشّة طالما لا تعتمد على التعدد أيّ «المُكاملة النوعيّة» في المنظور. آلية الدفاع ورد الفعل الواقي والسريع عند الإنسان، هُنا يفقد الإنسان التفكير في الحلول والإبداع فقط. تقسيم العمل والبيروقراطيّة تُبرز هذهِ الآلية وتزيد من فعاليّتها، كونها لا تحتاج تفكير وإبداع بل فقط حشو وتلقين.[13]

كيف تكون اللغة أداة في تبلور المُقدس، سؤال آخر يُناقشهُ الدكتور عبد الهادي بالاعتماد على ناعوم تشومسكي، بأنّ النحو اللغوي يُمكن إرجاعه إلى الإطار البيولوجي البشري، فالدماغ يُصمم أنظمة الاعتقاد، التفكير والتفسير والفهم مُرتبط بشكلٍ مُباشر مع البنى التحتيّة للغة في الدماغ. ينطلق من هُنا لتحديد العقليّة العربيّة التي تعتمد على الجذور اللغويّة لقدسيّة النصّ كونهُ مُتعالياً على الواقع، يُحدد مظهر تخلف العقل العربي من خلال تعلقهِ في البُنى التحتيّة للغة، التي تعتمد بالأساس على النصّ المُقدس.[14] ويُضيف حول العمليّة التي تجري في الدماغ واللغة، التي تُمكن بدورها تقديس النصّ «وتبديه» ما هو غير بديهي:

"إّنه كما ترى نصّ قائم على العلاقات الرمزيّة الداخليّة في توليد أنساق لغويّة تبدو وكأنها تحمل مضامين موضوعيّة، لكنها مُضللة، لأنها فقدت علاقاتها الخارجيّة، أي «اتفاقية» الجماعة اللغويّة العربيّة، وحلقت في «اللاتحديد». وهذه طبيعة اللغة الحشويّة الهاربة، يسمونها فلسفيّا «السوفسطائيّة»، أي ما تستطيع البُنية العصبية الدماغيّة إنتاجهُ في مجرى العلاقات الداخليّة لرموز اللغة ذاتها من دون أن تحتاج إلى أي بُنية موضوعيّة خارجيّة تحكم تكوّن تلك الأنساق اللغويّة، أو ما يُمكن أن نسميه: الخبرة الزمنيّة الخارجيّة، وإن كان يعتمد على خبرة آنية يطلقها مُنبه وقتي (Synchronic Stimulus) لتقدم تلك الاستجابة الأسطوريّة الطابع،  بمعنى «فعل الكلام على الكلام» metalanguage))، والذي يُعطينا صياغات صحيحة لغويّا، أي تبدو طبيعيّة، لكنها خالية من المعنى، أي غير طبيعيّة في حقيقتها، ومن هُنا أسطوريتها، أي «تبديه» ما هو غير بديهي; إنها آلية المُقدس ذاته، وآلية الأيديولوجيا أيضاً بكلّ أشكالها القديمة والمُعاصرة"[15]

          يُصيغ لنا الدكتور عبد الهادي نظريّة حول العلاقات البيولوجيّة مع المُقدس، يرصد الديناميكيّات التي تُساهم في المُقدس، كمنظور إلى العالم من خلال الرموز وأيديولوجيا واعتقادات.

يتبع

[1] حنّة آرندت. الحقيقة والسياسة. مجلة يتفكرون العدد6. 2015

[2] عرشُ المُقدس. عبد الهادي عبد الرحمن.دار الطليعة بيروت. الطبعة الأولى 2000 .ص16

[3] عرشُ المُقدس. عبد الهادي عبد الرحمن.دار الطليعة بيروت. الطبعة الأولى 2000 .ص11

[4] عرشُ المُقدس. عبد الهادي عبد الرحمن.دار الطليعة بيروت. الطبعة الأولى 2000 .ص13

[5] الشر وموقعه ضمن التصور الميتافيزيقي للعالم عند إبن سينا. محمد الصادقي. مجلة تبيّن العدد 16. 2016

[6] عرشُ المُقدس. عبد الهادي عبد الرحمن.دار الطليعة بيروت. الطبعة الأولى 2000. ص58

[7] عرشُ المُقدس. عبد الهادي عبد الرحمن.دار الطليعة بيروت. الطبعة الأولى 2000. ص58

[8] عرشُ المُقدس. عبد الهادي عبد الرحمن.دار الطليعة بيروت. الطبعة الأولى 2000. ص60

[9] عرشُ المُقدس. عبد الهادي عبد الرحمن.دار الطليعة بيروت. الطبعة الأولى 2000. ص61

[10] عرشُ المُقدس. عبد الهادي عبد الرحمن.دار الطليعة بيروت. الطبعة الأولى 2000. ص61

[11]عرشُ المُقدس. عبد الهادي عبد الرحمن.دار الطليعة بيروت. الطبعة الأولى 2000. ص62

[12]عرشُ المُقدس. عبد الهادي عبد الرحمن.دار الطليعة بيروت. الطبعة الأولى 2000. ص63

[13] عرشُ المُقدس. عبد الهادي عبد الرحمن.دار الطليعة بيروت. الطبعة الأولى 2000. ص64

[14] عرشُ المُقدس. عبد الهادي عبد الرحمن.دار الطليعة بيروت. الطبعة الأولى 2000. ص68

[15] عرشُ المُقدس. عبد الهادي عبد الرحمن.دار الطليعة بيروت. الطبعة الأولى 2000. ص69