"رجلان في الخزينة "اشتباك وخزينة

٣١ تموز ٢٠١٨

المكان معتم ولا أرى إلا ظلال الأشياء، صوت خطوات نبيل تعلو ويزداد معها توجّسي... أجلسُ على رزمةٍ من النقود الّتي لا أعرفُ عددها، لم يجُل في خاطري أن أحصيها فيما كانت تربكني الأسئلة المعقدة، واضعاً رأسي بين ساعديّ مصوّباً نظري إلى الأسفل، وأنا ألمح ورقة نقود... كيفَ حوصِرنا هنا؟ ماذا سنفعل؟ وهل يجبُ أن أنتظر أوامره أم أننا الآن وهنا تحديداً خارج نطاق الوظيفة؟

أحسستُ بنزق نبيل الذي أصبحَ يزيد من وتيرة خطاه كلما مضينا في المكوث هنا أكثر، شعرتُ بأنه في أيِّ لحظةٍ قد يجهش صارخاً في وجهي لأقوم من زاويتي، ولكني قد تصالحتُ معها ومع رائحة النقود، كما أنه لا يجدُرُ به أن يستشيطَ غضباً في وجهي فلم أعد أسأله عن هذه الرفوف المكدسة بالنقود، ولا عمّا يمكن أن يكون خارج أسوار الخزينة، فلا أصوات من هنا تُسمع ولستُ أدري إن توقّفت الإشتباكات في الخارج وقُتِل أو سُجِن المشتبكون أم أنها ازدادت وانتشرت لتصبح انتفاضة عارمة في كل مكان فنظل محبوسين هنا... لم أعد أجادله في شكل المقاومة الأكثر جدوى ولم يعد بإمكاني أن أرفع من صوت نشرات الأخبار الّتي تغضبه... ولو فعلتْ لما استطاع... يبدو أنه يعاني أو أنه قد مرضَ.

ربّما عليّ ألا أفكّر في الأمر أكثر... لمستُ الورقة النقدية وكانت مرقّطة بقليلٍ من العرق... "كم قيمتك الآن؟"

لم تجب فأعدتُ السؤال بفمٍ محمّلٍ بالهواء، فطارت إلى الوراء قليلاً، توقّف صوت خطواته ليصرخ بصوتٍ متعبٍ:

- ماذا تريد الآن؟

أجبته بترددٍ مشوبٍ بالتّوجس:

- أن أعرف ماذا سنفعل؟... يومان بلا ماء أو طعام، والجو حارّ... الكاميرات لم تزل تعمل أليس كذلك؟

- حتماً سيأتي أحدهم ويفتح لنا الباب... وقلتُ لكَ ألفَ مرةٍ أن تكفَّ عن أسئلتكَ التي باتت تزعجني أكثر من هذا الحبس!

تثاقلتُ على كفيّ ووقفتُ نافضاً بعض النقود عن مؤخرتي، اقتربتُ منه وقلتُ مستنكراً:

- من يجرؤ على فتح خزينة بنك؟؟... هه من يمتلك المفتاح أصلاً؟

ازدردَّ ريقه وهو يقول:

- أشعر بعطشٍ شديد.

وراح يجلس في زاويتي وعلى نقودي التي جعلتُ منها وسادةً مريحة، ابتعدتُ عنه أتجولُّ في المكان فيما كانت آلافٌ من الهواجس تعصف بي؛ "هل سيؤجل البنك دفعة القرض؟" إنهم يروني الآن على شاشتهم وسيغفرون لي تأخري... حتماً سيفعلون... يا إلهي أكاد أختنق من رائحة النقود وحجم القرض بحجم رائحة بيتي القديم قبل أن أرممه بمال هذا المكان الخانق، أختنق من محض السؤال "لماذا هدمتُ جزءاً من بيتي القديم؟" أختنق من رمده الذي تساقط وتهافت وتلبّد في أنفي وأغشى عينيّ.

جسدي كله يتصبب عرقاً، أمسحه فينضح من جديد. أرمقُ نبيل بنظرة استفهامٍ فأجده منشغلاً بمسح وجهه بدولارٍ قد امتصَّ عرقه واتٍّسخ.

- سيخصمه من رابتك.

أجابني دون أن ينظر إليّ:

- قد نموت هنا.

- ألهذا تستهلك نقوداً مع عرقك؟... يبدو أنك مريضٌ!... هل...

ولذنا بالصمت حين سمعنا صوت طرقٍ شديدٍ على الباب الحديديّ، اقتربنا مسرعين وتسمّرنا قليلاً أمام الباب. صوت الطرق يشتد وصمتنا أشد، رفعتُ يدي أهم باستجابة الطرق بالطرق، فأمسك يدي وأعادني إلى الوراء.

- الباب يُدَق، قد يكون الطارق يعرف شيئاً.

سمعتُ صوت لهاثه ولمحتُه يمسح عرقه بكم بدلته قبل أن يقول بصوتٍ متردد:

- ليس من صلاحياتنا... سيعاقبني المدير إن فعلت

صوت الطرق يشتدّ وكذلك العتمة... ونحن في أماكننا ساكنين، بعد هنيهةٍ وضعنا أذنينا على الباب لنسمع إن كان يقول شيئاً ولم نسمع غير صوت الطرق الذي اشتدَّ أكثر... تراجعنا إلى الوراء قليلاً

- الخزينة تخنقني أرجوك دعنا نردّ عليه بالطّرق!

هممتُ بالطرق مرةً أخرى فدفعني متعباً وبأمرٍ حاسم:

- لا تدق باب الخزينة. ثمة من يتربّص بالبنك... وما أدراك؟ ربما لا يملكُ مفتاحاً.

- بالتّأكيد يملكُ طريقةً... أفلا تدلّه على طريقة؟... أنتَ تعرف أليس كذلك؟

- ربما... ولكن لا... لا أستطيع... ربما يكون لصاً ويسرق البنك أو أحد الجنود أو ربما...

شعرتُ بأن لسانه قد صار ثقيلاً وليس في وسعه مواصلة الحديث فعاد إلى صمته، نزل إلى الأرض وصار يتنفس بصعوبة بالغة "يا إلهي لو أن النقود لم تأخذ حيز الأكسجين، ربما نعيش يوماً آخر!" اقتربتُ منه فسمعته يتمتم: "هـ..و..ا..ء... مـ..ا..ء"

أخذتُ رزمة نقود وهففتُ بها على وجهه. صوت الطرق يشتدّ، رفعتُ صوتي:

- لنخرج... الخزينة تقتلنا... يبدو أنك مريض... هل تعاني من ضيقٍ في التنفس؟ هل...

 سكتّتُ حينَ شعرتُ بأن حالته تسوء قد بدأ وأنفاسه تثقل أكثر...

- يا نبيل البنك لن ينصف موتك!!

كاد يستفرغ فتمالك نفسه مغلقاً عينيه، ثم قال لي وكأنه ينازع كلماته الأخيرة:

- ولن يغفر لي نجاتي.

- لننجو أولا، نطرق باب الخزينة وننجو.

بدأ يخفت صوت الطرق فيما أخذ مديري نفساً عميقاً وراح يستهلك بقايا جهاز نطقه:

- ننجو فقط إذا توقّفت الاشتباكات في الخارج.

توقّف صوت الطرق تماماً. وبدأت تعلو دقات قلب نبيل مع صوتِ لهاثه...