رسائل بعنوان لماذا الحرب

٠٦ كانون الثاني ٢٠١٦

موضوع هذه الندوة رسالة أرسلها آينشتاين في سياق تكريم المنظمة العالمية للتبادل الثقافي، وردود فرويد عليها، قمت بقراءة الرسالة الأصلية من موقع ألماني للقراءات الفلسفية “باللغة الإنجليزية”. أما رد فرويد فجاء في أجزاء متفرقة، الأول هو الرد المباشر على الرسالة برسالة أخرى عام 1932م، والثاني هو مجموعة أبحاث أنتجها فرويد ابتداء من الحرب العالمية الأولى إلى بدء الإشارات الواضحة لاشتعال الحرب العالمية الثانية، 7 أبحاث قام سمير كرم بترجمتها في طبعة أولى عام 1977م، وطبعة ثانية عام 1981م في (أفكار لأزمنة الحرب والموت، لماذا الحرب، التحليل النفسي وأعصبة الحرب، الحداد والسوداوية، اكتساب السيطرة على النار، انقسام الأنا في العملية الدفاعية، المشكلة الإقتصادية في المازوشية). ومثلت هذه انعطافة في إنتاجات فرويد من الطبيب الذي يفهم تأثير الكوكايين على المرضى ويفسر الأحلام والهستيريا والجنس إلى فرويد المنشغل في علم النفس الاجتماعي، وسأتحدث عن هذه المرحلة في نهاية هذه الندوة وعن الأعمال الأساسية التي تضمنتها المرحلة الأخيرة من إنتاج سيجموند فرويد.  

رسالة آينشتاين

طلبت المنظمة العالمية للتبادل الثقافي من ألبرت آينشتاين أن يقوم بدعوة شخص يحدده هو لتبادل الآراء حول مسألة من اختياره، فاختار آينشتاين فرصة تبادل الآراء مع سيجموند فرويد، والموضوع الذي اختاره هو : “لماذا الحرب؟”. وكان سبب اختيار آينشتاين لفرويد، هي شجاعة الأخير وموضوعيته في تحييده للأمنيات لحساب التحليل الواقعي، كما يراها الأول في أطروحاته حول معنى العدوانية أو الوحشية عند الإنسان، ورغبته في التدمير والقتل، كما أن آراء آينشتاين لم تصل الحدود المظلمة لمشاعر الإنسان ورغباته، ويعتقد بأن فرويد قد يقدم مساهمة في هذه المسألة أبعد من الأطروحات السياسية، وتنطلق من قاعدة العوامل النفسية التي اعتقد آينشتاين أنها ذات صلة باندلاع الحروب دون أن يتعمق في تفصيلات هذه العلاقة.  

رسالة آينشتاين، تموز 1932م، بوتسدام.

الأفكار الأساسية المضمنة في الرسالة ، وقد تراوحت هذه الأفكار ذهاباً وإياباً بين سؤالين أساسيين:

  • ما هو السبب الأساسي لاندلاع الحروب؟
  • كيف يمكن للجنس الإنساني أن يوقف الحروب؟  

هذان هما السؤالان الأساسيان اللذين قدمهما آينشتاين للحوار مع فرويد، ولكنه لم يرسل هذه الأسئلة خالية من أية تخيلات، أو شكل المسألة كما يراها آينشتاين نفسه، إلى الحد الذي قال معه فرويد لآينشتاين، “لقد أفرغت أشرعتي من الهواء”. هذه الرؤية الخاصة بآينشتاين كانت تتمحور حول التفصيلات التالية:

النقاط الأساسية التي أثارها في رسالته : ( تأسيس هيئة عالمية، كيف يمكن لهذه الهيئة أن تمتلك القوة الكافية ولماذا لا تنجح، ولكن كيف لتلك الأقلية أن تنجح في تأليب الألوف، هل هنالك عامل نفسي في الإنسان أبعد من توصيفاتي، وما هو دور المثقفين في التاريخ ).  

  • بعد أن يقدم آينشتاين نفسه على أنه شخص لديه مناعة ضد التحيز الوطني أو القومي، يقترح تأسيس هيئة عالمية أو لنقل محكمة عالمية، تخضع كل أمة لقراراتها، وتلتزم بها التزاماً غير مشروطاً، وتتكون هذه الهيئة من العلماء والمفكرين، وليس من السياسيين العاديين. وبعد أن يقدم آينشتاين الاقتراح مباشرة، يبدأ بذكر الصعوبات التي قد تواجهه :
  • أن هذه الهيئة أو المحكمة ستتعرض إلى أشكال مختلفة من الضغط الخارجي للتحكم في قراراتها. وهذا يفتح الباب على نقاش العلاقة بين القانون والقوة، فلو لم تمتلك هذه الهيئة القوة الكافية لفرض قراراتها، لا تصبح فعالة. ويعتقد آينشتاين بأن العديد من الهيئات تأسست في العالم لهذا الهدف، ولكنها جهودها شلت نظراً لعوامل نفسية تتدخل، يطلب مساعدة فرويد لإيضاحها.
  • يعتبر آينشتاين أن كل أمة فيها طبقة حاكمة، مكونة عملياً من مجموعة محددة من الأشخاص، أي أنها تشكل أقلية، وهذه الأقلية ترفض تسليم جزء من سيادتها الوطنية لهذه الهيئة العالمية لتحافظ على مكتسباتها في الداخل، وهذه الأقلية غير معنية بالهموم الاجتماعية، وإنما تشجع الحرب وتعطيها تقديراً، ومن ذلك تجار السلاح. ويتساءل آينشتاين : ” كيف لهذه المجموعات الصغيرة المسيطرة، أو لنقل الأقلية، أن تشغل الأغلبية لخوض الحروب وحمل الأسلحة خدمة لطموح هذه الأقليات؟ ولا أستثني الجنود من هذه الصيغة، الذين اختاروا الحرب مهنة. ويجيب آينشتاين على سؤاله عندما يقول، نعم ذلك ممكن من خلال سيطرة هؤلاء الأقليات على المراكز الحساسة، المدارس والصحافة والكنائس، مما يعني القدرة على صياغة عواطف الجماهير، ومن ثم يؤكد بأن هذا الجواب لا يوصل إلى حل، فكيف لهذه الوسائل أن تقنع الإنسان التضحية بحياته، لا بد من عامل آخر، وهنا يتساءل، هل يمكن أن يكون الكراهية الداخلية والرغبة في التدمير الداخليين؟  a lust for hatred and destruction
  • وينتقل بعدها آينشتاين إلى سؤال آخر، ولكن لو اتفقنا أن الإنسان كائن تتأصل فيه الكراهية والعدوانية، هل هنالك من وسائل تثويرية لوعي الإنسان تحميه من الكراهية والتدمير؟ وهنا يخطر ببالي الحديث عن الجماهير غير المثقفة، وفئة الانتلجنتسيا التي لم تلعب دورها التاريخي نظراً لعدم اتصالها بالجماهير وبعدها عنها.   ” لقد اعترف العالم بالمسيح وغوته على أنهم قادة عالميين، إلا أنهم لم يؤثروا كثيراً في حياة المجتمعات سياسياً في عصرهم وتمت عملية استعادتهم لاحقاً. وهذا ما ينعكس على حالة المثقفين اليوم، حيث أنهم لا يملكون تأثيراً عالياً على الناس”.
  • بعدها يطرح آينشتاين سؤال آخر، “أنا تحدثت فقط عن الحروب التي تدور فقط على مستوى صراعات الامم، ولكنني أدرك بأن هنالك أنماط أخرى من الصراع ومستويات أقل، الحروب الاهلية، الحروب الدينية، إلخ. مهما يكن، فما أثق به تماماً هو أن هذه الحروب على اختلاف أشكالها هي حروب مدروسة ومتعمدة”.

يختتم رسالته “أعلم بأنه من الممكن العثور على إجابات بشكل صريح أو ضمني على هذه الأسئلة، ولكن يهمني الاطلاع على آخر اكتشافاتك وأبحاثك”.

النقاط الأساسية التي أثارها في رسالته : ( تأسيس هيئة عالمية، كيف يمكن لهذه الهيئة أن تمتلك القوة الكافية ولماذا لا تنجح، ولكن كيف لتلك الأقلية أن تنجح في تأليب الألوف، هل هنالك عامل نفسي في الإنسان أبعد من توصيفاتي، وما هو دور المثقفين في التاريخ ).  

ملاحظات فرويد حول رسالة آينشتاين – حول الحرب، فيينا، أيلول، 1932م. (قبل سفره إلى لندن بقليل).

  1. العلاقة بين الحق والقوة، وفضل فرويد تسميتها بالعلاقة بين الحق والعنف. يرى فرويد بأن البشرية تصارعت على المصالح، وحلت هذه الصراعات بالعنف، وكان التدرج كالتالي: العنف بين الأفراد (من خلال التصفية، أو من خلال الحفاظ على الطرف المهزوم لتقديم خدمات مفيدة، ولاحقاً تمت عملية معالجة تعطش الطرف المهزوم للانتقام)، وعلى الرغم من أن هذا القتل هو نتاج الصراع على مصالح، إلا أنه أيضاً أشبع ميلاً غريزياً عند الإنسان. يرى فرويد بأن الاجتماع الإنساني، أو بناء المجموعات هو واحد من أهم إنجازات البشرية، حيث تم نقل العنف من الفرد إلى المجموعة، أو تم الانتقال من سلطة العنف إلى سلطة القانون. ويمكن اعتبار هذا التأسيس مهماً في الرد على فكرة آينشتاين لمنظمة عالمية تستلم لها قيادات الأمم جميعها، ويعبر هذا عن انتقال جديد من سلطة العنف إلى سلطة القانون، واحتكار أكبر للعنف في العالم.  ويمكن أن تفتح هذه الفكرة الباب على نقاش مهم، هل الدولة أبدية الحاجة ؟ هل اضمحلال الدولة وتلاشيها (أجهزة الامن مثلاً) مسألة حالمة ؟
  2. يرى فرويد بأن الحروب ليست دائماً سيئة، فقد تكون مقدمة للسلام، خاصة إن مأسست العنف، أو نقلت سلطته “إلى المؤسسات الكبرى”. وهنا يتناول مثالين، بأن حروب المغول والأتراك لم تجلب إلا الشر، ولكنه يرى في حروب الرومان تمهيداً للسلام بما يعرف بالسلام الروماني (فترة 27 ق.م و 180 م ، ماركوس أوريليوس) . لقد كان تأييد فرويد (في رسائله مع آينشتاين، وكتاب قلق في الحضارة) وآينشتاين للمركزية واضحاً. إلا أنه كذلك يرى أن توحيد الشعوب بالعنف يحتمل بقوة إعادة إنتاج الصراعات بين المجموعات التي توحدت بالعنف. تم استخدام هذه الفكرة في أدبيات الرأسمالية الأمريكية في نهاية القرن العشرين بأن قطبً واحداً يحكم يزيد من فرص السلام في العالم.  
  3.  يرى فرويد بأن المجموعات تتشكل من خلال عاملين (أحدهما أو كلاهما)، القوة لجهة مركزية ما، والروابط العاطفية التي تنشأ بين الناس. وطرح مثالين أساسيين في هذا  السياق، المسيحيون الذين لم تمنع روابطهم العاطفية من لجوء البعض لطلب مساعدة السلطان في الحرب ضد جناح مسيحي آخر، والإغريق الذين عمموا فكرة الشعور الإغريقي وأفضليته على البرابرة، ومع ذلك كانت بعض التجمعات الإغريقية تتحالف مع أطراف خارجية في حروبها، ما يريد فرويد الوصول إليه هنا أن لا الروابط العاطفية ولا قوة الفكرة كفيلة وحدها ببناء المجموعات وتماسكها، ولا يمكنها أن تستبدل القوة الفعلية في الوقت الراهن، وقد أدرج فكرة الشيوعية تحت هذا الباب، بل اعتبر أن مسألة إلغاء العدوانية في الإنسان من خلال إشباع حاجاته الوهمية هي مجرد أوهام، ومن ذلك تشكيل وحدة السوفييت على أرضية تعزيز الكراهية لمن هو خارج حدودهم. “ملاحظة على نقده للتجربة السوفيتية”.
  4. يناقش فرويد استغراب آينشتاين من قدرة الأقلية على تحفيز الأغلبية لخوض الحروب، وبرأيه بأن غريزة الكراهية والتدمير، تقطع نصف الطريق إليه، وتكمله من خلال تحفيز هذه الأقليات. ويوضح فرويد أن الإنسان يتحرك في حياته بتفاعل شكلين من الغريزة، الأول هو شبقي، أو إيروسي، كما طرحه أفلاطون في محاورته “المائدة”، والثاني هو عدواني، تدميري، أو جنسي. وشبه هذا بمبدأ الجذب والتنافر في مجال الفيزياء التي يتخصص فيها آينشتاين، حيث لا يمكن لأحد العاملين التحرك دون الآخر، ومن الأمثلة على ذلك أن غريزة حفظ الذات لا يمكن إلا أن تحظى ببعض العدوانية في محطات معينة من الخطر مثلاً. يرى فرويد بأن أفعال الإنسان دائماً هي مزيج من شبق وتدمير، وقد استشهد فرويد بمنحنى الدوافع ل “ليختينبرغ”، ويرى بأن الدوافع العدوانية تصبح أكثر جاذبية عندما تترافق مع دوافع شبقية نبيلة، مثل الدفاع عن شرف الأمة والحضارة في الحروب.
  5. إن العدوانية بنظر فرويد غريزة، وبذلك لا يمكن استئصالها وإنما يمكن منعها من التعبير عن نفسها من خلال الحرب. فكيف يمكن ذلك؟
  • من خلال السلطة المركزية والتي لا مفر منها، والتي يذعن لها الأتباع دون شروط.
  • من خلال بناء سلطة للتوجيه النفسي، تتكون من الأشخاص الذين أخضعوا حياتهم الغريزية لديكتاتورية العقل.
  • إدخال عنصر شبقي لمواجهة الغريزة العدوانية، “أحبوا لجيرانكم ما تحبوا لأنفسكم” ، ذلك أسهل أن يقال من أن يفعل ولكنه مفيد. أو من خلال تعزيز عنصر التماثل، وهو المشاركة في تحقيق مصالح هامة، من شأنها أن تخلق مشاركة شعورية شبقية. 

    6. ينهي فرويد رسالته بسؤال: لماذا نتذمر أنا وأنت بكل هذا العنف على الحرب؟ ولماذا نراها إحدى المحطات المؤلمة في الحياة، مع أننا نفسرها في سياقات طبيعية تماماً؟ يعود ذلك   لنفس السبب الذي تتكاثر به الأجناس غير المثقفة بما يفوق الأجناس المثقفة. الثقافة عندما تنتج تفكيراً طوباوياً، وفزعاً شديداً من عواقب الحرب يمكنها أن تفعل فعلتها بخصوص الحروب، “إن كل ما يدعم نمو الثقافة، يفعل فعله ضد الحرب”.

” في العلاقة بين الحق والقوة، فضل تسميتها العلاقة بين الحق والعنف، واعتبر أن الصراع على المصالح أشبع ميلاً غريزياً في الوقت نفسه، الحروب ليست سيئة دائماً، عوامل تشكل المجموعات، العدوانية وعلاجها

ملاحظات أخرى لفرويد حول حروب الأمم

الأمم عندما تتصارع، تمنع سحب الجرحى إلى المستشفيات، لا تميز بين المدنيين والجنود، تدوس على كل القوانين الدولية التي وضعتها لتنظم علاقاتها البينية وقت السلم. فماذا يجري، وكيف يحصل كل ذلك؟

  • إن الدولة نفسها التي تطلب من أفرادها الالتزام بالمبادئ الأخلاقية في الداخل، وتفرض قوانين سامية يتعين على كل فرد الالتزام بها في مسلكه في الحياة، إذا ما رغب أن يكون له نصيب من الامتيازات الجمعية، هي ذاتها توجههم للقتال بلا هوادة ضد “الأعداء”. لن تتوقف الحروب ما دامت الأمم تعيش بهذه الدرجة من الاختلاف؟ هل الأمم هي التي تحارب أم أفرادها؟ هل يدخل الأفراد في الهستيريا الجماعية ولا يعودون هم أنفسهم؟

“الحركة السوريالية التي ظهرت في الحرب العالمية الأولى رفضت القتال تحت عنوان “من أجل من نقاتل؟”، وشككت في شعارات “الدفاع عن الوطن”، و “الدفاع عن الحضارة” “، وقد علق فرويد على هذه المدرسة باعتبارها عبرت عن نفسها بطريقة خاطئة عندما قالت نحن حركة سياسية تقدم لاوعيها للجمهور.

  • إن الدول لا تمارس الحيل الخداعية المقبولة فقط، وإنما تمارس أيضاً الكذب في حق العدو، والدولة تنتزع أقصى درجات الطاعة والتضحية من مواطنيها، ولكنها في الوقت نفسه تعاملهم كالأطفال، وتمارس رقابتها على الأنباء، وتطلق الشائعات التي تخدمها. وتدعو الفرد إلى تبنيها باسم النزعة الوطنية.
  • في الحروب تسمح الدول للأفراد بخرق القوانين الأخلاقية لصالح الحفاظ على موقعها، وتقدم المطلوب لذلك، فالجنون في الخارج سيعود بهدوء على الداخل، تلاحم الداخل سيفكك الخارج والعكس. الكراهية للخارج في سبيل الحفاظ على وحدة المؤيدين في الداخل.

برأي فرويد أن الدولة تمكنت من تحليل الإيروسية والجنسية عند الإنسان، من خلال الممارسة العملية والحفاظ على المصالح.  

ومن الملاحظ أن فرويد الذي وضع كل هذه الشروحات هو نفسه يقول في موقع آخر: “إن واحدة من الأمم المتحضرة العظمى أصبحت مكروهة على نطاق شامل، إلى الحد الذي باتت معه توصف بالبربرية، على الرغم أنها لطالما أثبتت تعاونها في عمل الحضارة. ونحن نراهن على أن القرار المحايد للتاريخ سيعطي الدليل لصالح هذه الأمة، التي يقاتل أعزاؤنا من أجل انتصارها، سيعطي الدليل على أنها أمة لم تعتد على قوانين الحضارة، ولكن من يجرؤ على تقديم نفسه كقاض في قضيته الخاصة؟   

ملاحظات أخرى لفرويد حول عدوانية الفرد – توضيحات

  • إننا في نومنا نزيح جانباً الأخلاقيات التي كسبناها بشق الأنفس، كما نخلع جلباباً،  نقتل وندمر ولا نخفي خوفنا، ننطلق بغرائزنا بلا حدود، وهذا التعري ليس مصحوباً بأي خطر، لأننا مشلولون، محكوم علينا بالعجز أثناء النوم. في الصباح التالي نعود لارتداء هذه الأخلاقيات مجدداً، تنتصر قابلية التكيف الثقافي التي بنتها الحضارة، وتنتصر التفاعلات الشبقية الداخلية في حاجتنا إلى الآخر، ونفصح للأنانية أنها عاجزة دون الغيرية، أو أنها في ذاتها تتحول إلى غيرية “أنانية الحب مثالاً”. عامل داخلي وآخر خارجي يلزما الإنسان بأن يكون في حال أفضل، وإن لم يكن في الحالة الفضلى.
  • إن السعادة القصوى للإنسان تكمن في تلبية حاجاته على صيغتها الوحشية، ولكن مبدأ اللذة هذا يصطدم بمبدأ الواقع، ويصطدم بقوانين الحضارة، وعندها تتحول الأنانية إلى غيرية، والقسوة إلى شفقة، إن الإنسان يعيش في تناقض وجداني للإحساس. عندها يصبح توصيف الإنسان طيب تماماً، أو سيء تماماً، أمراً في غاية التسطيح والسذاجة، فالإنسان المحب يكره بعنف كذلك، والإنسان الذي يحب إنتاج الأمم الأخرى من الفن هو الذي يعتبرها عدواً مطلقاً أحياناً أخرى.
  • ولكن هنالك فرصة لتحويل الغرائز السيئة من خلال عاملين، واحد داخلي، وآخر خارجي. أما الداخلي فهو حاجة الإنسان إلى الحب، فالأنانية عندما تطلب الحب، فهي بحاجة إلى الآخر، عندها تنقلب هذه الأنانية إلى غيرية، وتكتشف الأنا الحاجة الملحة للآخر ووجوده. وأما العامل الخارجي فهو القوة التي تمارس خلال عملية التنشئة، وتضع الفرد على طريق التكيف الثقافي الحضاري.
  • “إننا ندين بأجمل زهرات حياتنا الغرامية برد الفعل ضد الدافع العدائي الذي نكتشفه في صدورنا”.

ملاحظات فرويد حول الإنسان والموت

  • “لا يوجد عند الإنسان غريزة الاعتقاد بالموت”، إن الإنسان في لاوعيه يعتقد بخلوده الشخصي “منذ الإنسان البدائي”، ولقد مر في عدة مراحل في التاريخ، إلا أنه بقي محافظاً على هذه الصيغة الأساسية وإن بأشكال مختلفة (موت الآخر، موت القريب، موته هو)، فلقد فرق بداية بين موته هو وموت الآخر، فكان يعتبر أنهما حدثان منفصلان، وكان يعتبر الموت عرضاً وليس ضرورة، وما زالت هذه الصيغة محمولة باطنياً في حياتنا إلى اليوم “لقد مات بحادث سير، برصاصة، بعدوى، بمرض بسبب نظامه الغذائي”، وعندما تأكد من ان الموت ضرورة وليس عرضاً، واجهه بنزع صفة الفناء عن الموت. إننا في إدراكنا نركن الموت على الرف، ونزيله من الحياة.
  • ولقد أصبح تذكر الموتى عند الإنسان هو جزء من إحساس الإنسان نفسه بالخلود:
  • في الماضي، اثناء الحياة على الأرض، كنا نبجلك لا أقل من إله، نحن الاخيليين ؛ اذن فلماذا يتعين أن يحزنك الموت ، أخيل ؟

هكذا تكلمت : عندئذ أجابني على الفور ، لا تتكلم برفق عن الموت ، أتوسل إليك ، أي أوديسيوس الشهير ، الأفضل كثيراً أن تظل على الأرض كعبد آخر، حتى ولو لرجل لا نصيب له، حظه من حق الحياة ضئيل، من أن تحكم ملكاً أوحد على مملكة أشباح بلا جسد.

  • ولقد اعتقد فرويد أن الأديان اعتبرت من خلال وجود حياة أخرى، أن الحياة القائمة مجرد تمهيد، فحطت من قيمة الحياة المعاشة. إنها مثل فرص الإعادة في لعبة الشطرنج. “إذا أردت احتمال الحياة، فلتكن مستعداً للموت”.
  • إن الحياة تفقر وتفقد أهميتها حين لا يتعرض للخطر أعلى ما في لعبة العيش نفسها من قيمة، وهو الحياة نفسها. يستثني من هذه الصيغة الأفراد الذين يتعرضون مهنياً للموت بكثرة، المحامي أو الطبيب. ويعتبر أن نسيان الموت إن كان يفقر الحياة فهو من جهة يزيد من فعاليتها، السفر في الطائرة، التجارب الانفجارية. كان شعار عصبة الهانز “من الضروري أن تركب البحر، وليس من الضروري أن تعيش”.

ونتيجة حتمية لكل ذلك يتعين علينا البحث في عالم الأدب والمسرح والموسيقى، لتعويض هذا الإفقار الضمني للحياة، بفعل عدم تذكر الموت، وهذا التذكر له شروط، تذكر يمنعك من النسيان ولا يحرمك من الحركة (إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، و اعمل لآخرتك كأنك تموت غدا ). إننا في زمن الحرب، نكتشف القيمة العظيمة للحياة، ونصمم في نفس الوقت أن الموت مازال حالة عرضية، الطلقة التي أصابت هذا الشخص بدلاً من ذاك، حظه البائس!

  • يرى فرويد أن تاريخ الإنسان البدائي مفعم بالجريمة، ولم يكن موت الآخر للإنسان شيء، وإنما كان يعني الانتصار، أما عندما خاض التجربة الأولى في موت الاقارب تغيرت نظرته لموت الآخر، بما في ذلك الأعداء. وتشكل عندها ما أسماه فرويد الذنب البدائي، والتي أسست للخطيئة الكبرى في الأديان، القتل.  
  • ولكن ماذا عن شعور الإنسان تجاه الموت في الحروب، أي عندما تتراكم الجثث، يقول فرويد بأن الإنسان يصبح أكثر ذعراً، لأن القيمة الاسمى في الحياة وهي الحياة نفسها تتعرض للخطر، فيما يرى بريشت أن تراكم الجثث يفقدنا الشعور بالموت، وفيما يرى الصحفي الأمريكي ستيفين ليفيت أن تراكم الجثث في الحرب العالمية الأولى قلل من عضويات الكوكلوكس كلان في أمريكا.
  • يقول فرويد أنه ما زال يعرف القليل فقط عن نفسيات المقاتلين أثناء الحرب، أما شعور الآخرين، لم يعد موقفنا إزاء الموت كالسابق ولم نبلور موقفاً جديداً. وبالنسبة للمحاربين فدخلوا في عصاب “أعصبة الحرب” بين الأنا المسالم قبل الحرب والأنا الحارب بعدها، والأنا المسالم يهرب ويحاول حماية نفسه من الأنا الحارب. وأعصبة الحرب هذه تنشأ بين المجندين في جيش نظامي أكثر من نشوئها في عصابات المحترفين والمرتزقة.
  • يعتبر فرويد أن المقاتلين الجدد يكسبون قيمة الأسلحة الحديثة، فهم لا يشتبكوا مباشرة مع الموت، فلا يضطروا لأداء كفارات شاقة وطويلة “كفارات ذنب الدم التي ترجمها في أسطورة مطاردة أرواح العدو المقتول” كان يؤديها محارب البوشمان عندما يعود منتصراً من المعركة، الأسلحة بعيدة المدى أمنت هذا الشعور الجاف.
  • إن وصية “لا تقتل” هي دليل على أننا انحدار من سلسلة من المجرمين لا نهاية لها. و تعميم وصية بهذه القوة، تعني أن هنالك قوة في الجهة الأخرى توازيها.

الأعمال الأساسية لفرويد:

1891م: كتب بحثاً عن اضطرابات اللغة والأعصاب

1893م: عن الهستيريا مع بروير، الذي افترق عنه بعد أن نشر نظريته عن الجنس.

1896: مشروع في التحليل النفسي العلمي

1897م: كتابته في عقدة أوديب “توجه الأبناء في حبهم صوب الأم، وعدوانيتهم للأب”.

1899م: تفسير الأحلام

1901: علم النفس في الحياة اليومية

1905: ثلاثة أبحاث في نظرية الجنس،  في الحديث أكثر عن “الجنسية الطفلية”.

1912م: الطوطم والحرام.

1921م: علم نفس الجماهير. في الرد على غوستاف لوبون.

1923م: الأنا والهو.

1927م: مستقبل وهم ” نقد الدين”

ولاحقاً، الحضارة وهمومها (قلق في الحضارة) “نقد الحضارة”، وعلم نفس الجماهير ، وموسى والتوحيد.

ملاحظة: أرجع بروير سبب الهستيريا إلى انقطاع الصلة بين حالات النفس الشعورية، أما فرويد فأرجعها إلى تضارب الميول والرغبات “التناقض الوجداني للإحساس”، وفي سياق آخر إلى الغريزة الجنسية. بشكل عام يرى فرويد أن الهستيريا تنشأ عن كبت رغبة جامحة ما، “الأمراض تبدو بديلاً للكبت”.

أعتقد بأن فرويد مر في ثلاث مراحل أساسية في كتابته وأبحاثه: الأولى التي تتخذ المنحى الطبي النفسي، بعد ذلك الاقتراب أكثر من الأدب والفن، فقد أصدر دراسة تحليلية عام 1916م خاصة ليوناردو دافنشي ومدى تأثره بطفولته (أسباب إنصرافه عن الفن للعلم أكثر، أسباب كسله كفنان وعدم إتمامه الكثير من الاعمال الفنية التي بدأ بها، فتوره الجنسي يعود إلى أنه في طفولته حول شهوته الجنسية إلى حافز للاكتشاف، يناقش مذكرات دافنشي نفسها على سبيل المثال قصة النسر وهو رضيع)، وقام كذلك بإنتاج دراسة تحليلية لرواية غراديفا، وهي هنا ليست نقداً أدبياً، وإنما تحليلاً نفسياً لبطل الرواية باعتباره شخصاً واقعياً ولكاتب الرواية كذلك، الألماني فلهلم ينسن.

في آخر عشرين سنة من حياته: أفكار لأزمنة الحرب والموت “الأبحاث السبعة، الحضارة وهمومها أو قلق في الحضارة، مستقبل وهم، موسى والتوحيد”. أي منذ الحرب العالمية الاولى أصبحت أعمال فرويد تنحى أكثر باتجاه الاجتماعي العام. علم النفس الاجتماعي. انتقل من تحليل الإنسان الفرد إلى تقديم مادة في علم النفس الاجتماعي، وهذا لا يعني أنه نسف استنتاجاته السابقة وإنما استند عليها في كثير من تحليلاته اللاحقة. ولقد هوجم بشراسة في حياته في المراحل الثلاثة، أكثرها في الأولى “الجنس”، وفي الأخيرة بسبب “الدين”.

مستقبل وهم، قلق في الحضارة ، نقد الدين ونقد الحضارة:

  • أعماله الأولى التي تأسست على مبدأ اللذة، صادمها أكثر بمبدأ الواقع… استخدم التناقض الوجداني للحديث عن الأنا والأنا العليا، مبدأ اللذة “التلبية المباغتة والفورية للحاجات التي تبلغ توتراً عالياً” ومبدأ الواقع، إلى أن وصل مسألة علاقة الحضارة بنزوع الفرد نحو التحرر الكامل ونقاش هذه العلاقة. من الجدير بالذكر أن هذا الكتاب ناقشه هربرت ماركوزه في كتاب الحب والحضارة. يرى فرويد أن الإنسان اتبع تكتيكات مختلفة للوصول إلى السعادة” “الصقالة النجدة”، “إزرع حديقتك”، “الألم (ليس هنالك أسوأ من سلسلة من اللحظات الحلوة، كما قال غوته)”. في هذه الدراسة يتحدث فرويد عن العلاقة بين السعادة والحضارة، بين مبدأ اللذة ومبدأ الواقع.  اعتبر فرويد الفرد عدواً للحضارة، وقال : “أنا أستغرب، أن بني الإنسان الذي لا يحسنون العزلة والانفراد أصلاً، يشعرون بوطأة اضطهاد ثقيلة بحكم التضحيات التي تنتظرها الحضارة منهم، حتى تجعل حياتهم المشتركة ممكنة”. الحضارة تقوم على الإكراه ونكران الغرائز، ويقول فرويد حتى لو تم توزيع الخيرات بشكل عادل، الإنسان العادي لن يعمل دون إكراه. فالجماهير خاملة، وعادمة الذكاء، ولا تحب نكران الغرائز.  عليك أن تختار بين الحضارة والطبيعة، مع الحضارة ستسيطر على الطبيعة ولكن ضريبة ذلك نكران غرائزك، ومع الطبيعة لن تنكر غرائزك ولكن عليك أن تتحمل قساوة الطبيعة ووحشيتها وبردها.
  • في الدين: شعور الإنسان الأوقيانوسي هو محض معطى ذاتي، غريزة. وهو سبب من أسباب توجه الإنسان إلى الدين . وهنا تناول فرويد مقولة الشاعر “نحن لا يسعنا السقوط من هذا العالم”. الشعور بالأبدية والشعور بالتبعية “البحث عن الأب” إحدى أسباب الدين عند فرويد. وهنا يخصص الكتاب للتحليل النفسي الدين، عجز الإنسان في مواجهة ظروف الطبيعة، كعجز الطفل في مواجهة العالم الخارجي وتحديات المشي، وحاجته إلى الأب..  ليس ثمة سلطة تعلو فوق سلطة العقل، ولا حجة تسمو علي حجته.
  • اعتقد فرويد بالعلاقة المتبادلة بين العلاقات بين البشر، وتوزيع الثروة، وتوزيع الثروة من باب “تلبية الغرائز”.

علم نفس الجماهير:

  • ناقش عمل غوستاف لوبون، الأمر الذي فرد له حيزاً كبيراً عن الشخصيات القيادية وتأثيرها في الأفراد وعن ما أسماه لوبون الجمهور النفسي “أن حاصل تجمع الأفراد يؤخذ بطريقة كيميائية أكثر منها فيزيائية، وهو هنا يتحدث تحديداً عن عقل المجموعة” . سلم فرويد للوبون في دقة توصيفه لنفسية الجماهير، ولكن يأخذ عليه عدم التعمق في أسباب هذه الحالة وهذا في حد ذاته يشتبك مع السياسية. اللاشعور عند لوبون ينطلق من العرق، أما عند فرويد فهو ينطلق من المكبوت.

في الدين، علماني. وفي الحضارة والجماهير كان سياسياً.

موسى والتوحيد :

ملاحظات وتساؤلات في سياق العنوان الرئيسي:

  1. ما هي آفاق تأسيس المنظمة العالمية التي تحدث عنها آينشتاين؟
  2. هل تحمل فكرة فرويد في مثال السلام الروماني فكرة استعمارية كما اعتقد البعض؟
  3. إن كانت الجهة المركزية ضرورة لإدارة الإنسان، لإدارة كراهيته وعنفه بمعنى آخر، هل اضمحلال الدولة يعبر عن فكرة حالمة أو وهمية؟
  4. هل يمكن اعتبار ثورات التاريخ هي فن إدارة هستيريا الجموع؟ هل هي فن إدارة الكراهية والعنف؟ هل يحدث هذا في المولات “الاستهلاك” تماماُ كما في المعارك “ثورات الفقراء، الحروب ضد عدو خارجي”؟
  5. وإن كانت التغييرات الاجتماعية الكبرى تحدث من خلال إدارة هستيريا جموع، هل يعني هذا أن فرانز فانون كان يهذي في حلم تثقيف المسحوقين؟
  6. هل ثمة طاقة تدميرية يبادر إلى إطلاقها الإنسان في حال لم تتعرض غرائزه الأساسية إلى القمع، تلك المتلعقة في حفظ الذات.
  7. ماذا فعلت البهارات والنار والأسلحة الفتاكة بالمسافة الفاصلة بين أنف الإنسان ورائحة الموت؟ هل بات القتل أسهل بعدها؟   
  8. لقد أصبحت قوانين وحدة وصراع الأضداد، ونفي النفي أداة بيد الليبرالية الاجتماعية، من باب أن الإنسان الضعيف يجب أن يموت وأن الإنسان القوي يبقى، تطبيق الداروينية على صراعات النوع الإنساني من الداخل.
  9. ما علاقة الصراع الطبقي بكل ما ذكر في المراسلات حول الحرب: الفئة القومية التي تحفز الحروب، وتجار السلاح، وغيرها.
  10. هل الإحساس بالأبدية “الشعور الأوقيانوسي” هي إحدى عوامل الارتباط باستسهال مغامرة الحرب؟ ذلك يشبه الشوط الأول في مبارة كرة القدم، ولعبة الشطرنج التي ثمة إعادة لها.