سؤال التطبيع إلى الواجهة: محاربة التطبيع بالتطبيع

٢٠ شباط ٢٠١٩

عن حوار الدكتور نشأت الأقطش، من جامعة بيرزيت، مع الصهيوني "إيدي كوهين" في برنامج الاتجاه المعاكس، نطرح أسئلة بسيطة بقدر لا يُسمِعنا إجابة. ما الهدف من سجالٍ أو حوار مع العدو؟ "مبارزة كلامية"؟

واقعاً، تتسم غالب حوارات الفلسطيني - أو العربي - مع "الآخر" الصهيوني بالسطحية وانعدام الهدف، فطريقنا، الذي نعرفه، إلى الحقيقة لا يكون بحوار كهذا، في أمر لا يحسمه الرأي والرأي الآخر. تحرير فلسطين هو الحقيقة الوحيدة.

أحد أبرز أسئلتنا هو عن هوية القناة: فقد غلبت على الحوار حول تحديد أهداف مؤتمر وارسو ثنائية متطرّفة في الطرح، أي هل هدف المؤتمر محو القضية الفلسطينية، أم التضييق على إيران وإلغاء نفوذها في المنطقة، وهاتان– من وجهة نظر المُحاور – قضيتان منفصلتان وخطّان متوازيان لا يتقاطعان؛ فتقافز المُحاور بين الموقف والآخر، ليصوّر الصراع في المنطقة، ضمنيّاً، على أنه صراع سني – شيعي، ويفصل قضية التطبيع عن كامل سياقها، وارتباطتها بالتحالفات وعلاقات القوة في المنطقة،  ويسأل "ضيفه الاسرائيلي" عن تحالفه مع إيران في سوريا ولبنان والعراق، ثم يسأل ضيفه الفلسطيني عن موقفه من المقاومة الفلسطينية التي تحالفت مع إيران!

على جانب موازٍ، استحضر الحوار مشهد الانقسام الفلسطيني مختزلاً المعركة ضدّ المشروع الصهيوني في إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية، وصُدّر أن القضية للفلسطينيين وحدهم، فيخرج المُشاهد حاملاً في وعيه كذبة جديدة، فموقفك من أي قضية – تطبيع عربي، تحالفات مع أميركا وإسرائيل – لا يتقاطع بالضرورة مع فلسطين وقضيتها!

سؤال للضيف الفلسطيني: أي انتصار تحقق بلقاء إعلاميّ مع ممثل للعدو؟ إن موقفنا من مشروع المقاومة ومن يحمله موقف مبدأي، لا يُثبت من خلال لقاء إعلامي، بل إنّ هذا النوع من اللقاءات يشوّه مبدأيتنا إذ نشاهد حواراً تتساوى فيه كل الأطراف، فتتحول القضايا العادلة إلى وجهات نظر.

ما مسؤوليتنا كفلسطينيين أمام الزخم التي تشهده حالة التطبيع العربي – الإسرائيلي؟ بتضادٍ مع المواجهات الإعلامية، فعلى الفلسطيني أن يتخذ موقفاً حاسماً قاطعاً من قضية التطبيع، فأي تطبيع فلسطيني – إسرائيلي هو حجة علينا من كافة أنصار التطبيع مع إسرائيل – كما كان واضحاً في طرح المُحاوِر في الأمس -، وأي مساهمة فلسطينية في تطبيع مع العدو سواء على المستوى السياسي، الثقافي، الإعلامي، أو الفني، هو مساهمة في تعزيز حالة التطبيع العربي – الإسرائيلي ودعم لها.

نحن لا نخوض، في هذه اللحظة، معركة مسلّحة شاملة مع العدو، لكننا نؤمن أنَّنا دوماً في ساحة حرب، ونخوض معارك إعلامية وثقافية تدعم معاركنا المسلحة الصغيرة، والكبيرة المحتمَلة ضد العدو، وعليك دوماً أن تحسن اختيار أدواتك وأنت تقاوم.

ختاماً، إن الحوار الإعلامي ما بين ضيف فلسطينيّ وآخر إسرائيلي هو تطبيع للعلاقة معه، وكأنَّ فلسطين قضية خلافية تحتمل الرأي (الفلسطيني) والرأي الآخر (الصهيوني الاستعماري). ولكن هناك ما هو سابق لذلك، فقناة الجزيرة التي تروِّج لنفسها بنفسٍ عروبيّ يحمل قضايا المجتمعات العربيَّة بشكل عام، والتي سعت من خلال هذه الحلقة إلى تسليط الضوء على تطبيع دول "الحصار الخليجي" مع الكيان الصهيوني في مؤتمر وارسو، هي نفسها غارقة في التطبيع الإعلامي منذ تأسيسها، ولا تكفّ عن أن تكون باباً تُدخِل من خلاله صهاينة إلى منازلنا ووعينا.