سؤال الحريّة والدكتاتوريّة في مسرحيّة كارمن

٢٥ أيلول ٢٠١٦

ما أن يكتمل طاقم المسرحيّة على الخشبة، ويطلُّ عليهم محمد صبحي – المخرج، حتى نجد أنفسنا أمام ممثلين يقومون ببروفا لمسرحيّة كارمن، مستخدمًا في ذلك تقنية “بين الإرتجال والمسرح داخل المسرح” للكاتب الإيطالي “لويجي براندللو” كما استخدمها العديد من الكتّاب والمخرجين العرب مثل زياد الرحباني في مسرحيّة “شي فاشل” ومحمد الماغوط في “خارج السرب” ودريد لحّام في “صانع المطر”.

وخلال ثلاث ساعات من العرض تتداخل المسرحيّتان فتصبحان وِحدة واحدة تتشابكُ فيها الأحداث وأحيانًا المكان والزمان والفعل، والأكثر من هذا الممثّل حيث يصبح هو نفسه الشخصيّة – ليس المقصود هنا تماهي الممثّل بعواطف ومعاناة الشخصيّة تبعًا لمنهج ستانسلافسكي – وإنما هو استخدام أسلوب “المنظور المركّب” إذ ينشأ من الخلط بين بعض المشاهد المسرحيّة وبعض الأحداث الواقعيّة، فيتم مَسرحة الممثلين لقصتهم من ثم يمسرح الممثلون واقعهم الحقيقيّ.

وقد وضّح المخرج تصوّره الإخراجيّ للممثلة – كريمة أثناء شرحه لها شخصيّة كارمن التي سوف تؤدّيها  “تصوّره القطعيّ دون أدنى تدخّل أو مشاركة من الممثل” قائلًا في ذلك: “مُهمّتي أن ألخبط الجمهور في الصالة، عايزه يقول ده حقيقي يرجع يقول لأ دي مسرحية… لأ ده بيحصل في الواقع…”

باعتقادي أن ذكاء المسرحيّة ليس في التقنية الإخراجيّة نفسها فقد ذهب صبحي أبعد من ذلك في توظيف التقنية لخدمة وحدة الفكرة بين المسرحيتين، والتي تتعلق بمسألة الحريّة المطلقة والدكتاتوريّة في عدّة سياقات؛ العلاقات، السياسة، الإخراج… .

من المفارقة أن يقوم المخرج الدكتاتوريّ بإخراج مسرحيّة حول الحريّة، فيقوم بدور الشرطي الدكتاتوريّ “خوزيه” وتقوم الممثلة التي ترفض سيطرة المخرج عليها بدور كارمن الحرّة. فيتشابك التصاعد الدرامي والتوتر بين الحدثين الرئيسيين؛ علاقة المخرج بالممثّلة، وعلاقة خوزيه بكارمن.

مع نهاية المسرحيّة وعند ذروة التوتّر الدرامي والواقعي/ الحقيقي تُصَبّ الأفعال في لحظة دراميّة واحدة تكشف الممثّل والشخصيّة معًا، تحديدًا عند طرفي التوتّر الذي أخذ شكل الصراع، فكما هي النهاية المكتوبة أي قتل خوزيه لكارمن ينتهي العرض، ولكن بقتل المخرج للممثلة أثناء قيامه بمشهد قتل شخصيته “خوزيه” لشخصيتها “كارمن” وإذا أردت الذهاب إلى أبعد من هذا هي قتل المخرج الدكتاتوريّ للممثل الحرّ والدكتاتور السياسي للإنسان الحُرّ.

المخرج الدكتاتور

في مسرحيّة كارمن كما في معظم المسرحيّات التي تَعرض على الخشبة جزءًا من تفاصيل العمليّة المسرحيّة، نجدُ أن شخصيّة المخرج دكتاتوريّة من منطلق السخرية أحيانًا وأحيانًا ليتمّ تبرير كون المخرج شديد وحاسم، ولأسباب أخرى لستُ بصدد الحديث عنها الآن، ولكن المختلف هنا أن المسرحيّة نفسها تعالج مسألة الحريّة والدكتاتوريّة، للوهلة الأولى تصوّرت أن صبحي يحاكم نفسه في محاولةٍ منه لاستكشاف نفسه كمخرج دكتاتوريّ حسبما يتم وصفه في الوسط، ولكن في مرحلة متقدّمة من العرض يبرّر المخرج دكتاتوريّته في الإخراج كون المخرج – حسب اعتقاده – هو من يرفع العمل والطاقم المسرحيّ إلى الهدف النبيل ولو كرهوه على اعتبار بأن المخرج هو رب العرض، ونجاحه هو نجاح العمل والطاقم. أمّا مع نهاية المسرحيّة إذ يصل المخرج إلى أقصى الفعل الدكتاتوريّ وهو التعذيب من ثمّ القتل، فأعودُ إلى مسألة النقد الذاتي ونقد الطاقم الذي لم يعترض.

باعتقادي أن مسألة شكل المخرج لا تتعلّق بمسرحيّة بعينها وإنّما ترتبط بمعظم – إن لم يكن كل – من يعملون في المسرح ذاك أن هناك عدة أشكال وأنماط من المخرجين ممكن أن نأخذ شكليهما الأوسع والأكثر جدلًا: المخرج الديموقراطي الذي يخلق نوعًا من التسيّب والإهمال وأحيانًا كثيرة تشتّت خط مسيرة المسرحيّة وعدم وحدتها ولكن يخلق حبًا، والمخرج الدكتاتوريّ الذي يأمر الطاقم فيطيعون، ويقوم بتحريك الممثّلين والتحكّم بخط سير المسرحيّة حسب تصوّره ورؤيته الإخراجيّة فيضبُط العمليّة المسرحيّة ولكن يخلق معها البغض والعداوة.

لاستكشاف المعضلة أكثر أودُّ طرحَ تساؤلي حول من الذي أعطى المخرج مكانته العليا من المسرح؟ فكما نعلم بأنّ المسرح مرّ بثلاث مراحل كبرى في تاريخ الإنسانيّة، وهي مرحلة المؤلّف “النص”، من ثمّ مرحلة الممثّل والآن مرحلة المخرج، في المرحلة الأخيرة استطاع المخرج أن يخلق من نفسه ربّ العرض فصدّقه المسرحيّون على اختلاف تخصّصاتهم ومجّدوه وشرّعوا استبداده وفرديّته المتحكّمة في مسيرة العمل متناسين في ذلك مراحل ما قبل المخرج، ومتجاهلين أيضًا ما يمكن أن يأتي بعد “مرحلة الإخراج”، العمليّة المسرحيّة إذن ليست مرهونة بالمخرج؛ كما كانت سابقًا وكما يمكن أن تكون، بل يمكن التعامل معه على أنّه عامل كأيِّ عامل آخر لنجاحها، ومن الممكن الإسترشاد بالمخرج المسرحيّ “جيرزي كروتوفسكي” الذي يعتقد بأنّ المسرح ليس أكثر من ممثّلين وجمهور وما تبقّى هم عناصر تزيد من جماليّة ونجاح المسرحيّة وحسب.

عودةً إلى مسرحيّة كارمن وبالتّحديد الفعل الدكتاتوريّ المركزيّ للمخرج، فأودّ التنويهَ إلى أن الدراما لا تحاكم الفعل بل تستكشفه من خلال البحث في طبقات المعنى حسب دوروثي هيثكوت: “الفعل، الدافع، الإستثمار، النموذج، المنظور الحياتي/ القيمة الفلسفيّة” وللمنظور الحياتي الواحد أكثر من فعل، وقد قدّم لنا صبحي فعلين مركزيّين مرتبطان بالمنظر الحياتي نفسه وهما الفعل الدكتاتوريّ للمخرج المتعلق بقيمة نجاح ومجد المسرحية والفعل الدكتاتوريّ لرجل السياسة المتعلق بقيمة نجاح ومجد الدولة. ولنذهب أكثر من ذلك إلى مقولة الفاعل نفسه، فالمخرج الذي اعتقد بأن الديموقراطية تخلق تسيّبًا وفوضى عند الممثّلين والطاقم على خشبة المسرح لا يختلف عن السياسيّ الذي اعتقد بأنّ الديموقراطية تخلق تسيّبًا وفوضى عند الشعب على الأرض الواقعيّة – الدولة.