سيد درويش: فنان العمال والصنايعية

١٣ كانون الثاني ٢٠١٩

ولد السيد درويش البحر في الإسكندرية في السابع عشر من آذار 1892وتوفي في العاشر من أيار 1923، نشأ في عائلة فقيرة في إحدى حارات الإسكندرية، توفي والده وهو طفل، كان على الطفل أن يعمل ليلاً ونهاراً ليعيل عائلته، تزوج وهو في السادسة عشرة من عمره، واشتغل في مهن شاقة كالبناء، لكن ذلك لم يمنع روحه الموسيقية من أن تعيش متصوفة منتجة ألحاناً وغناء جديداً دون أن يكون لدى السيد أيّة ميول للاحتراف فكان موهوباً، يعمل في مجال آخر بعيداً كلّ البعد عن الموسيقى.

دخل السيد في صغره مدارس الكتّاب التي كانت تعلم الدروس الدينية في الحي، وغدا السيد شيخاً، حفظ القرآن، ولكنه في ظلّ ظروفه المعيشية القاسية والظالمة من كل النواحي لجأ للموسيقى لكي ترقى بروحه ولتكون مخرجاً له، فكان يغني ليلاً ونهاراً، ويعاقبه أهله وشيوخه لأنه يغني، ولكن وجد فيه أصدقاؤه مطرباً وموسيقيّاً مثيراً لعواطفهم فرأوا في السيد فناناً يدخل القاهرة بفنه وموسيقاه أكثر من كونه شيخاً، ومن هنا ذاع صيت السيد الذي كان في السادسة عشر من عمره في الحي وأخذ يحيي الحفلات الموسيقيَّة في الأفراح والمقاهي والجلسات الصوفية وجلسات المزاج، والمثير للاهتمام أنه كان يغني لمن سبقوه أمثال الشيخ سلامة حجازي وعبده الحامولي وغيره، لكنه كان يغني ألحانهم بنمط جديد وتوازيع جديدة دون علم موسيقي.

حاول السيد في عمر السابعة عشرة أن يعرض فنّه على شركات الاسطوانات، ولكن لمّا كان السيد من حي فقير؛ وبسبب الطبقية الاجتماعية المشبعة بغطرسة النظام الملكي، لم يستطع أن يخرج بفنه. فعاد السيد مهزوماً، وترك فنَّه وتنازل عنه ليعيل زوجته وأمه وإخوته، فعمل كعامل بناء، لكنه لم ينقطع عن الغناء أثناء عمله، فصار يغني للعمال، وهنا لفت انتباه صاحب العمل أن غناء سيد والعمال يرددون خلفه كان يزيد من إنتاجية العمل، فعرض على السيد ألا يعمل معهم، فقط عليه أن يغني وهنا كان المقاول بمثابة شركة الإنتاج لكن دون تعريض فن السيد للانبثاق والانطلاق نحو العالم.

استمر السيد بالعمل كمغني للعمال، وفي يوم من الأيام بالصدفة الحاسمة أثناء غنائه في العمارة كان يستمع له اثنان يجلسان في مقهى قريب من مكان العمل، هما أمين وسليم عطا الله - مالكا فرقة مسرحية في الشام- عرضا على السيد الذهاب معهم في رحلة للشام، فوافق، وتعلَّم السيد العزف على العود بحرفيَّة وتعلَّم النوتة الموسيقية، ثم عاد لمصر. واستفاد من هذه الرحلة بأنه تعلم التراث والغناء الدقيق وأهم ما في رحلته القصيرة أنه التقى بعثمان الموصلي الفنان المخضرم -فنان الموشحات الأندلسية وغناء السلطنة- فتعلم منه وحفظ التراث، ثم عاد السيد مرة أخرى عام 1912 إلى الشام في رحلة مع الفرقة المسرحية والتقى الموصلي مرة أخرى، وهنا تعلم الموسيقى الغربية، فكان السيد شرقياً بعاطفته ولكن تجديده الموسيقي كان متأثراً بالتجديدات الأوروبيَّة دون الاقتباس، بل كان يستفيد من فكرة التجديد نفسها.

بدأ السيد يغني من ألحانه وتعرف على الشيخ سلامة حجازي الذي قدمه للمسرح في القاهرة فغنّى السيد أول أدواره "يا فؤادي"، وهنا بدأت الرحلة العبقرية للسيد ليجوب عالماً أخراً في آخر خمس سنين من حياته.

 

أثر سيد درويش في الفن العربي والموسيقى وجوانب أخرى.

كان الغناء في مصر قبل سيد درويش مقيداً من عدة نواحي، فكان هدف الغناء التطريب والسلطنة فقط، أي الجانب العاطفي، بل المزاجي أكثر منه، واقتصر الغناء على التغني بالعشق والغزل واللهو، وأهم ما ميّز تلك الحقبة هو التأثر بالفن التركي لدرجة كبيرة، فجاء السيد الذي كما أسلفنا سابقا كان يستنبط فنه من وحي ظروفه الخاصة وصراعاته الداخلية، وكان السيد رافضاً لمبدأ محاكاة الغير في التعبير عن العواطف، فكان له فلسفته التعبيرية التي تخرج من صميم مشاعره.

فمثلاً غنى السيد طقطوقة "الحشاشين"، فيبدأ المذهب ب "يا ما شاء الله ع التحفجية أهل اللطافة والمفهومية"، بدأ المذهب بمدح الحشاشين ويسترسل بعدها ليشرح عن جو الحشاشين، وهنا السيد لم يحاكي ولم يتخيل قصة ما عن الحشاشين بل كان واحداً منهم، يسهر معهم ويستمع لحكاويهم ثم يستلهم الموقف ويخرج بلحن، لنعد لطقطوقة الحشاشين، التسليم في الطقطوقة ينتهي ب"ويوم م نلقى بلدنا طبت في أي زنقة يحرم علينا شربك يا جوزة، روحي وانت طالقة ملكيش عوزة، دي مصر عايزة ناس فايقين"، وهنا نقطة التحول الكبيرة في هذه الطقطوقة الخفيفة، فالسيد بعد أن مدح الحشاشين في البداية يعود ليطلب من رفاقه أن يرموا الجوز ويصحوا لنصرة بلدهم وقد كانت بمثابة تحريض لخوض الكفاح في ثورة 1919، وهنا شارك السيد في الثورة وتعرض للاعتقال وواصل تحريض الناس على الثورة بأغانيه التي زجت به في السجون والتعذيب، فحقا من هذه الطقطوقة نتوصل بيقين بأن السيد كان رائداً للمدرسة التعبيرية الحقيقية.

من هي الحلوة التي يريد سيد درويش أن يتغنى بها؟ إنها امرأة بسيطة، تعد خبز الصباح لأسرتها في وسط شعبي بين عامة الناس الذين يربون الدواجن في منازلهم المتواضعة يظهر وسطها الإنساني في الجملة التالية على لسان مجموعة من الصنايعية تخرج فى الصباح الباكر فى رحلة كل يوم للبحث عن الرزق تقول: " ياللّا بنا على باب الله ... ياصنايعية ... يجعل صباحك صباح الخير يا اسطى عطية".

ما هو الجميل في المرأة الكادحة التي تخبز خبز الصباح؟ إن هدف سيد درويش ليس الغَزَل هنا، كان نصب عينيه أمر أهم، الشعب الذي لم يكن يمثل شيئاً على أي صعيد اجتماعي في الطبقات العليا التي تستمتع بالفنون، حتى نساؤه لم تحظَ بالغزل إلا فى التراث الشعبى الممزوج بطمى النيل، ثم إن الفن الراقي كان حكراً على صالونات الأتراك والمستتركين من أتباع الدولة العثمانية، ولم يكن لبسطاء مصر غير الطمر التام في طينها وترابها، إنه يتطرق للحديث عن بؤس فئة من الناس تشكو همومها إلى رب العالمين، لكن فئات أخرى عديدة من الشعب كانت تشعر بنفس الشعور، وتعاني من نفس الإحباط، فسرت أغنيته فى نفوس الناس تتحدث عنهم وباسمهم:

" طلع الصباح فتاح يا عليم، والجيب ما فيهش ولا مليم، مين في اليومين دول شاف تلطيم، زي الصنايعية المظاليم،

ثم يتصاعد كلاما ولحنا إلى صيحة الصنايعية: "الصبر أمره طال، وايش بعد وقف الحال"

ثم يطلق دعوة إيمانية خالصة: "ياللي معاك المال، برضه الفقير له رب كريم"

وينتقل إلى النظر حوله، للأمم التي تقدمت، ويبحث في سر تقدمها: "أولاد أوربا ما بيناموش، عن الصنايع مايونوش"

ويتساءل لماذا نحن مهمومون بينما لدينا كل المواهب:"سبع صنايع في إيدينا، والهم جاير علينا"

ثم يوجه اللوم مباشرة إلى أغنياء القوم: "ياما شكينا وبكينا، يا أغنيا ليه ما تساعدوش"

وليس ما تغنى به سيد درويش من نظمه، وإن كان له في ذلك الكثير، ولكن اختياره للموضوع، وهو ملحن، قد أدخل الفن إلى عالم جديد، وهذه هي المفاجأة، إنه موضوع جديد، وجاد، وجريء، ويحمل معه آفاقاً جديدة من التعبير عن أحوال بسطاء الناس، الصنايعية هنا على سبيل المثال، الذين لم يكونوا من قبل فى أجندة الفن، ولا فى أي أجندة، والتجاهل التام لموسيقى الصالون الحاكم كانت مفاجأة سارة للشعب المصري، لكنها لم تكن كذلك لا للقصر الملكى ولا للاحتلال الأجنبي.        

مثال آخر، يجد الشيخ سيد كلاماً منشوراً في إحدى الصحف لبديع خيري "قوم يا مصري مصر أمك بتناديك، خد بنصري نصري دين واجب عليك"، يعجبه الكلام فيأخذ فى تلحينه ونشره كنشيد سهل الغناء يثير حماس الناس ووطنيتهم.

والأمثلة غير ذلك كثيرة، لم تقتصر التعبيرية عند السيد عن الوضع الاجتماعي المكتسب والوطني، فماذا عن التعبيرية الدّرويشيّة في الحب؟

كان السيد في قصص غرامه كالفنان الذي تحمل يده القلم وتبدأ ترسم الخطوط العشوائية بسريالية ما وحين تنتهي تتشكل لوحة فنية تحمل كل المشاعر التي دارت في وعيه.

وهنا نستعرض قصة السيد مع الراقصة التي عشقها في الحي: كان يغني السيد في أحد المقاهي الليلية في الحي وكانت الراقصة جليلة ترقص على أنغام صوته، ولكنها جعلت قلب السيد يرقص على ألحان الراقصة بجمالها وعذوبتها، فوقع السيد في هواها وصار أسيراً، وأنتج السيد أروع أغانيه التي أصبحت تراثاً للعشق: "أنا هويت وانتهيت، دور أنا عشقت"

هكذا كان السيد حقا رائداً للمدرسة التعبيرية التي تحمل المشاعر الحقيقية في شتى المجالات، فعبر عن هموم الناس وعن همومه وعن العشق بعيداً عن التخيلات التجريدية.

أثر السيد في الموسيقى والغناء

"كلنا خرجنا من عباءة سيد درويش" - السنباطي

ويشاركه بذلك الكثير من الموسيقيون الآخرون، وهم بذلك يعترفون بأنه كان المجدد الأول في العصر الحديث، وبأنَّ التطور الذي أحدثه كان كفيلاً بمدّ من جاءوا بعده من الفنانين بمدد لا ينفد. وتكفى هذه الشهادة لإثبات مدى أصالة هذا الفنان، وكانت الموسيقى قبله من عزف وغناء وتأليف وتلحين لمئات السنين تهتم بالقوالب الشكلية والزخرفة بصرف النظر عن الجوهر والمضمون، واتفق فى ذلك الفن التركي مع بقايا الفن الأندلسي من الموشحات، وانفصال كلاهما عن واقع الحياة والناس، وقد توجَّه سيد درويش بالموسيقى نحو الأصول الشعبية والتحديث في آن واحد.

سار على نهج سيد درويش كبار الملحنين فى القرن العشرين، والذين لم تقتصر ألحانهم على مصر بل ذاعت فى جميع الأقطار العربية، وهم محمد القصبجي، وزكريا أحمد، ومحمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي، وأحدثت تلك الألحان ثورة جديدة فى الذوق العربي الموسيقي، وساهمت فى إثراء الحركة الثقافية القومية.

والواقع أن المتتبع لآثار فن سيد درويش في أعمال الآخرين لا يجدهم فقط قد ساروا على نهجه وإنما يجد أيضاً مقاطع كاملة من أعماله في أعمالهم، وهم لم يستطيعوا حتى تحويرها أو تغييرها معالمها فظهرت كما هي.

يتحدث الموسيقار الشهير محمد عبد الوهاب في كتابه "رحلتي" عن (سيد درويش) وأدواره في الفن العربي وأفضاله، حيث يقول: "يخطئ من يتصور أن سيد درويش أغنية ولحن، إن سيد درويش فكر، تطور، ثورة، فسيد درويش هو الذي جعلني أستمتع عند سماعي الغناء بحسي وعقلي، بعد أن كنت قبله أستمتع بحسي فقط، إنه فكرة العصر التي لولاها لما لحّن الملحنون بالأسلوب الذي يلحنون به الآن، ولا ننسى بأنه أول من أدخل اللهجة المسرحية السليمة الحقيقية للأعمال المسرحية.  

من أفضال الشيخ سيد درويش على الألحان العربية أن أدخل الأسلوب التعبيري في ألحانه حتى في الأدوار التقليدية الكلاسيكية التي لحنَّها، ويظهر هذا جيدًا في أدواره الثلاثة التي لحنها في المسارح الغنائية، وهذا يدل على أنه بفطرته تعبيري، وبطبيعته مسرحي، والمسرح هو المكان الطبيعي للتعبير.

الحديث عن السيد لا ينتهي ولكنني حاولت قدر الإمكان قول شيء قد يفيد بخصوصه."

انتهت حياة هذا الفنان الخالد يوم 10 أيلول (سبتمبر) من عام 1923، وهناك روايات كثيرة عن سبب وفاته ومنها أنه توفى بسبب جرعة زائدة من المخدرات ولكن أحفاده خرجوا ونفوا تلك الرواية مستندين على خطاب بخط يده يقول فيه لصديقه أنه أقلع عن السهر وكل ما يصاحبه، وينصح صديقه في هذا الخطاب بالتخلي عن ذلك أيضاً، واستندوا فيها أيضاً على ما تم ذكره في مذكرات بديع خيرى أن الشيخ سيد أقلع عن المخدرات ويظهر ذلك جلياً في أغانيه التي تنصح الشعب بالابتعاد عن المخدرات، أما الرواية المؤكدة بالأدلة أن سبب الوفاة هو تسمم مدبر من الإنجليز أو الملك فؤاد بسبب أغاني سيد درويش التي تحث الشعب على الثورة وتوفي وهو له من العمر إحدى وثلاثون سنة وما أقصره من عمر وما أكثره من إنتاج وما أشقه من جهاد في سبيل هذه الحياة القصيرة المتواضعة.