صفقة راحابيا بين الكنيسة الأرذوكسيَّة والاحتلال: صراع مع احتلال أجنبيّ على الهويَّة والوجود

١٧ آب ٢٠١٧

يكفي القارىء أن يعرف أنَّ مساحة الوقف العربيّ الأرثوذكسيّ في فلسطين تناهز الـ7% من مساحتها التاريخيَّة، و29% من مساحة القدس خلف أسوارها وأكثر من 35% من مساحة القدس الإجماليَّة والبالغة 379.000 دونم عام 1541 في زمن الحكم العثمانيّ، ليدرك أنَّنا نقف أمام قضيَّة وطن وأنَّ القضيَّة الأرثذوكسيَّة من طراز خاص تطال الأرض والشعب معاً في هويتهما الوطنيَّة. وأنَّها ليست قضيَّة كنسيَّة داخليَّة أو خلاف عابر بين رعيَّة ورئاستها الروحيَّة.

لا نريد الغوص في العامل التاريخيّ تفصيلاً لتبيان كيف تشكَّلت وتطوَّرت قضيَّة الكنيسة الأرثوذكسيَّة العربيَّة، فهذه لا تأت في عجالة هذا المقال. لكنَّنا سنكتفي بالإشارة السريعة فقط إلى تحولان بارزان كان لهما دور حاسم في رسم خطّ سير هذه القضيَّة وتطورها؛ الأول: منذ الاستعمار العثمانيّ للمنطقة العربيَّة، وفلسطين جزء منها، سعت الحكومة العثمانيَّة ولحسابات ومصالح سياسيَّة للهيمنة على الكنيسة الارثوذكسيَّة في مناطق نفوذها، فكانت كنائس البلقان والمشرق العربيّ هدفاً للسيطرة والهيمنة، فعملت على استقدام وتقديم الكهنة اليونان لهذه الكنائس لتحقيق أغراضها. عادت كل الكنائس لأهلها واستعادت هويَّتها الوطنيَّة ما عدا الكنيسة الأرثوذكسيَّة في فلسطين والأردن اللتان ظلتا تحت هيمنة الرهبان اليونان واللذين اعتبروها وكل أوقافها ملكاً خالصاً للأمة اليونانيَّة.

أمَّا التحول الثاني فهو الحرب العالميَّة الأولى؛ سايكس بيكو ووعد بلفور ودخول العنصر الصهيونيّ سياسيَّاً على خارطة المنطقة الجيوسياسيَّة وتحديداً في فلسطين كمشروع استعماريّ كولونياليّ، والعمل على تأسيس دولة الاحتلال الاستيطانيَّة بغطاء ودعم بريطانيّ واستهداف أرض فلسطين والوقف العربيّ الأرثوذكسيّ كجزء أصيل من مكونات التراب الوطنيّ.

في ظلِّ تقاطع مصالح العنصر اليونانيّ المهيمن على الكرسي البطريركيّ في القدس مع مصالح الحركة الصهيونيَّة ودولة الاحتلال لاحقاً، جرت عشرات الصفقات لصالح إسرائيل لسنا بوارد تعدادها هنا وسنكتفي بذكر بعضها.

بعد انفضاح صفقة باب الخليل وانكشاف تفاصيلها وتأكيدها من قبل لجنة التحقيق الخاصّة المنبثقة عن السلطة الفلسطينيَّة، ومن ثم انتفاض الرعيَّة الأرثوذكسيَّة في فلسطين والأردن رفضاً، وإدانة، ومطالبة بإلغاء الصفقة، وفي إطار تصفية الحسابات داخل البطريركيَّة تمَّ عزل البطريرك إيرينيوس من قبل أخويَّة القبر المقدَّس بحجة (الفشل الذريع في إدارة البطريركيَّة).

بعد ذلك بدأت صفقات محمومة بسرعة جريان مياه النهر في مسقطه، لانتخاب ثيوفولوس بطريركا جديدًا. وبعد تنصيبه وقَّع على وثيقة تعهد خطيّ للسلطة الفلسطينيَّة وللحكومة الأردنيَّة، أهمّ بنودها: العمل على إلغاء الصفقات السابقة، والتعهد بعدم إبرام صفقات جديدة، وعدم إعطاء وكالات إلا بموافقة المجلس المختلط، والعمل على الالتزام بقانون27/58 وعقد المجلس المختلط خلال شهر من تاريخ انتخابه. وبعد 12 عاماً من تعهداته وانتخابه، نجزم بالقول إنَّ رصيده بالوفاء بهذه التعهدات معدوماً! فقد تنكر وماطل وما زال. ومن جهة أخرى، فإنَّ التزامه ووفائه لدولة الاحتلال تجاوزت بكثير تعهداته ووعوده الشفهيَّة التي قدَّمها هو بشخصه ومستشاريه القانونيين أمام اللجنة الوزاريَّة في 11/7/2006 وهو يستجدي اعتراف دولة الاحتلال به، كالقول (إنَّ الاعتراف ضروريّ من الناحية العمليَّة، وغياب الاعتراف يقف أمام استكمال الصفقات، وإنَّ هناك 3 صفقات عالقة لا يمكن استكمالها بسبب غياب الاعتراف، وتاريخ البطريركيَّة مرتبط بهذة البلاد وبدولة اسرائيل والقانون الأردني 27/58 قانون إجرائيّ لانتخاب البطريرك، والبطريركيَّة تعمل وفق القانون الإسرائيليّ ....الخ).

تفوَّق هذا البطريرك على كل سابقيه بكثافة عقد الصفقات؛ صفقات بالعشرات في أهم المناطق ذات القيمة التاريخيَّة والسياسيَّة والوطنيَّة والدينيَّة، صفقات حكر وعقود تأجير لـ99 عاماً تجدَّد قبل نهايتها بما يقارب الـ40 عاماً لـ99 عاماً أخرى. ولم يكتف بذلك بل أصرَّ أن يمتاز عن كل سابقيه من البطاركة بأن يكون الأول في عقد صفقات بيع كاملة لدولة الاحتلال، أو شركاتها بيعاً نهائياً ونقل ملكيَّة تامة.

في هذا السياق جاءت صفقة قيساريا (1000 دونم بمليون دولار) بكل ما فيها من آثار ومدرج رومانيّ وما تمثّله من قيمة تاريخيَّة وحضاريَّة وإنسانيَّة. وتلتها صفقة بيع دوار الساعة في يافا. ورغم الاحتجاجات والاعتراضات على هذه الصفقات إلا أنَّ البطريرك ماضٍ في شراكته مع دولة الاحتلال في تسريب الوقف العربيّ الأرثوذكسيّ والعمل على تهويده، ليفاجئنا بأكثر الصفقات خطورة، وما عرف باسم صفقة راحابيا/الطالبيّه بمساحة 528 دونماً.

هذه الأرض بالأصل تمَّ تأجيرها للصندوق القومي اليهوديّ بموجب عدّة اتفاقيات في الأعوام 1950/1951 ولمدة 99 عاماً، ولأهميّتها بالنسبة لدولة الاحتلال، كانت هناك محاولة لتجديد الاتفاقيَّة لمدة 99 عاماً أخرى عام 2000 بتزوير التواقيع والوثائق. ألغيت صفقة التأجير لثبوت عمليَّة الاحتيال والتزوير. وفي عهد البطريرك الحاليّ كانت هنام محاولات لعقد اتفاقيّات جديدة لتمديد الاتفاقيّة في الأعوام 2008 و2011، وقام بعد ذلك بتأجيرها لشركة استثماريّه استيطانيَّة، ثمَّ تلاها ببيع كامل نقلت ملكيَّة هذه الأرض بموجبها للشركة الصهيونيَّة.

في تبريرها لعملية البيع، سواء في بيانها الرسميّ في الصحف المحليَّة أو في رسائل التوضيح المرسلة للمستويات السياسيَّة، تسوق البطريكيَّة عشرات التبريرات التي ليس هناك ما يدعمها على أرض الواقع. ومن جملة ما تسوق من حجج واهية هو أنَّ الأرض المباعة ليس لها "قيمة سياسيَّة أو دينيَّة". الآن أيها القارىء لك أنت وحدك أنّ تفكر وتستنتج: 528 دونماً غرب القدس القديمة، تمتدّ من باب الخليل حتى مشارف مستشفى هداسا، مقام عليها مبنى الكنيست، وسكن رئيس دولة الاحتلال، والمتحف، والمحكمة، وسكة الحديد، والحدائق العامة، والمباني السكنية بالنسبة لهذا البطريرك اليوناني القابض على عنق الكنيسة الأرثوذكسيَّة والمتربع على كرسيها في القدس ليست ذات قيمة سياسيَّة أو دينيَّة، علماً أنَّ عقود الحكر في بداية خمسينيّات القرن الماضي تنص صراحة وبدون لبس أنَّ الأرض وما عليها يعود ملكها للبطريركيَّة مع نهاية مدة الحكر.

من أعطاه سلطة تقييم التراب والوطن ليقف كالسمسار يحدِّد القيم والأثمان؟ والسؤال هنا، هل هو حريص على الأرض "ذات القيمة السياسيَّة والدينيَّة؟" بالقطع لا. ودليل على ذلك صفقات مار إلياس الأولى والثانية (والثالثة على الطريق) وهي صفقات لأراضٍ ذات "قيمة دينيَّة وسياسيَّة عالية"، هذه الصفقات لأراضٍ تقع في حدود الرابع من حزيران 1967 وهي ستساهم في عزل القدس عزلاً محكماً عن بيت لحم والخليل بحزام من الاستيطان.

تفوق كثافة عقد الصفقات التي يبرمها هذا البطريرك الخيال في حجمها وتسارعها، فأثناء كتابة هذا المقال يرتفع الستار عن صفقات جديدة (باب حطة، ومدخل الحرم، والمعظميَّة، والشيخ جراح، وتلبيوت) بعد أن خسرت البطريركيَّة قضيَّة صفقة باب الخليل في المحكمة المركزيَّة الإسرائيليَّة بتواطىء منها ومستشاريها القانونيّين.

هناك إثباتات بالوثائق على هذه الصفقات، إلا أنَّ البطريركية دائماً تنفي وتكابر وتعاند وفي النهاية تعترف وتبرِّر.

هل هناك أي عذر ومبرّر لبيع أو تسريب أرض الوطن لصالح الاحتلال ودولته العنصريَّة؟ إنَّها قضيَّة أكبر من قضيَّة كنيسة، وأكبر من قضيَّة رعيَّة مع رئاستها الروحيَّة. إنَّها قضيَّة وطنيَّة تحتاج إلى كلّ الجهود والطاقات المخلصة من كل الأطياف السياسيَّة والاجتماعيَّة الفلسطينيَّة.