ضحكة ميدوسا

٢٥ تموز ٢٠١٦

إنَّني أكتب هذا كامرأة، للنساء. عندما أقول “امرأة”، فإنّني أتحدث عن المرأة في كفاحها الحتمي ضد الرجل التقليدي، وعن موضوع المرأة العام التي ينبغي أن يعيد النساء إلى رشدهنّ وإلى معناهنّ في التّاريخ. ولكن في البداية يجب قول أنّه بالرغم من فداحة الكبت الذي أبقاهنّ في “الظلام”، ذلك الظلام الذي كان الناس يحاولون جعلهنّ يقبلنه على أنَّه صفتهنَّ المميزة، وفي هذا الوقت، لا يوجد امرأة عامّة، ولا امرأة نموذجيَّة واحدة.
وسأقول ما هي الخصائص المشتركة بينهن. ولكن ما يفاجئني هو الفيض اللانهائيّ لتكويناتهنّ الفرديَّة: لا يمكنك الحديث عن جنسانيّة الأنثى، وتماثلها، وتجانسها، وإمكانية تصنيفها ضمن قوانين – أكثر مما يمكن التحدث عن أن لاوعياً ما يشبه آخر. إن خيال المرأة لا ينضب، مثل الموسيقى، والرسم، والكتابة: سيل خيالهنّ لا يصدّق. 
لقد كنت مندهشة أكثر من مرة من وصف أعطتني إيّاه امرأة عن عالم خاص بها كانت ترتاده سراً منذ طفولتها المبكرة. عالم البحث، توسيع المعرفة، على أساس تجربة منهجيَّة مع الوظائف الجسديَّة، واستعلام عاطفي ودقيق لجينيّة شهوتها الجنسية. هذه الممارسة، الغنية والإبداعية بشكل استثنائي، لا سيما فيما يتعلق بالإستمناء “استرجاز”، تكون مطوَّلة أو مترافقة بإنتاج أشكال، ونشاط جمالي حقيقي، وكل مرحلة من النشوة تنقش رؤية مدوّية، وقطعة موسيقيَّة، وشيء جميل. لن يكون الجمال محظوراً بعد ذلك. 
تمنّيت لو أن تلك المرأة تكتب وتعلن عن هذه الإمبراطوريَّة الفريدة، بحيث قد تهتف نساء أخريات، وممالك غير معترف بها: أنا أيضاً أفيض: رغباتي ابتكرت رغبات جديدة، وجسدي يعرف أغانٍ لم يُسمع بها. وأنا كذلك شعرت، مراراً وتكراراً بأنّني مليئة بسيل مضيء، بحيث كان يمكنني أن أنفجر – أنفجر بأشكال أجمل بكثير من تلك المقدّمة داخل إطارات وتباع مقابل ثروة قذرة. وأنا كذلك، لم أقل شيئاً ولن أبيّن شيئاً: لم أفتح فمي، ولم أعد رسم نصفي من العالم. لقد كنت أشعر بالخجل. كنت خائفة، وابتعلت خجلي وخوفي. وقلت لنفسي: أنت مجنونة! ما معنى هذه الأمواج، وهذه الفيضانات، وهذه الثورانات؟ أين المرأة المتحمسة المطلَقة، الغارقة كما كانت في بساطتها، الباقية في الظلام (الجاهلة)بشأن نفسها، والمدفوعة إلى إزدراء الذات من قِبل اليد الكبيرة لامتياز الأبوية – الزوجيّة (الأب – الزوج) المتمركز حول العضو الذكري، التي لم تكن تشعر بالخجل من قوتها؟ المذهولة والمذعورة بالإضطراب الخيالي لدوافعها (لأنها جُعلت تؤمن بأن المرأة المتكيّفة جداً والطبيعيَّة تتمتع بـــ.. اتزان مقدّس!)، التي لم تتتهم نفسها لكونها وحش؟ والتي تشعر برغبة غريب في تهيّج داخلها (لتغني ولتكتب وليكون لديها الجرأة للكلام، باختصار لتبرز شيئاً جديداً)، التي تفكّر بأنّها كانت مريضة؟ حسناً، إن مرضها المخجل هو أنها تقاوم الموت، وأنّها تخلق مشاكلاً. 
*** 
ولأنَّ “الإقتصاد” لرغباتها هائل، فلا يمكنها أن تفشل، في اغتنام الفرصة للكلام، ولتخوِّل بشكل مباشر وغير مباشر جميع أنظمة التبادل القائمة على أساس اقتصاد ذكوري. وستنتح شهوتها الجنسيّة آثاراً للتغيير الإقتصادي والإجتماعي راديكاليَّة أكثر مما يمكن أن يحب أن يعتقد البعض. 
ولأنّها تصل، نابضة بالحياة، مراراً وتكراراً، فإنَّنا في بداية تاريخ جديد، أو ربَّما عملية صيرورة تتقاطع فيها عدّة حقب تاريخيَّة مع بعضها البعض. كموضوع للتاريخ، تظهر المرأة في عدة أماكن بتزامن. والمرأة غافلة عن توحيد وتنظيم التّاريخ الذي يجانس القوى ويوجّهها. جامعا التناقضات في ساحة معركة واحدة. في المرأة، يندمج التاريخ الشخصي مع تاريخ جميع النّساء، وكذلك مع التاريخ القومي والعالمي. وكمناضلة، فهي جزء متمم لجميع الحريات، وينبغي أن تكون بعيدة النظر، وغير ضيقة الأفق في تفكيرها في التفاعل المفصَّل. وتتوقع أن حريَّتها ستفعل أكثر من تحويل علاقات السلطة، أو قذف الكرة عالياً إلى المعسكر الآخر، وستحقق طفرة في العلاقات الإنسانيَّة، وفي الفكر، وفي جميع التطبيقات العمليَّة: ونضالها لبس ببساطة صراع طبقي تدفعه قدماً إلى حركة أوسع بكثير. لا يعني ذلك أنَّه من أجل أن تكوني امرأة تخوض نضالاً (نضالات)، يجب عليك أن تتخلّي عن الصراع الطبقي، أو أن تتنصّلي منه: ولكن ينبغي عليك أن تشطريه، وتنشريه على مساحة أوسع، وتدفعيه قدماً، وتملئيه بالصراع الأساسي للحيلولة دون الصراع الطبقي، أو أي صراع آخر من أجل تحرير طبقة ما أو شعب ما، ومن العمل كشك من أشكال القمع، وذريعة لتأجيل التغيير الحتمي المذهل في علاقات السلطة وفي إنتاج شخصيات فرديَّة ذات سمات مميّزة. هذا التغيير يؤثر علينا بالفعل – في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، حيث الملايين من الزاحفين اللّيليين هم في طريقهم إلى إضعاف العائلة وحل النشاط الإجتماعي الأمريكي بكامله. 
إنَّ التاريخ الجديد قادم، إنه ليس حلماً، بالرّغم من أنه يمتدّ إلى ما وراء خيال الرّجال، ولسبب وجيه. فهو سيحرمهم من جبائرهم المفاهيميَّة، بدءاً بتدمير آلة الإغراء الخاصة بهم. 
*** 
المرأة التي لا تزال تسمح لنفسها أن تُهدد من قبل عضو ذكري كبير، والتي لا تزال متأثرة بفتنة انتصاب القضيب، والتي لا تزال تقود سيداً مخلصاً إلى قرع الطبول: تلك هي امرأة الأمس. إنهن لا يزلن موجودات، ضحايا سهلة وعديدة لأقدم المهازل: إما أنهن شخصيات مسرحيَّة في النسخ الأصلية الصامتة، مثل التيتانيات المستلقيات تحت الجبال التي صنعنها بارتعاشاتهنَّ، التي لم يرين فيها أبداً ذلك النصب التجريدي منتصباً للعضو الذكري الذهبي الذي يلوّح، بالطريقة القديمة، فوق أجسادهنَّ. أو يخرجن اليوم من فترة طفولتهنّ وإلى النسخة الثانية “المستنيرة” للحط القويّ من كرامتهنَّ، ويرين أنفسهنَّ فجأة معرضات للإعتداء، من قِبل بناة الإمبراطوريَّة التحليليَّة، وبمجرد أن يبدأن بتشكيل الرغبة الجديدة، عاريات وبلا اسم، وسعيدات جداً بالإستعراض، ويتم أخذهنَّ إلى حمامهنَّ من قِبل الرجال الجدد المسنّين، ومن ثمّ، أووبس (التفاجئ من حدوث خطأ)، يغويهنّ بأدلاء جذابين، شيطان التفسير – منحرف، ومتأنّق بشكل عصري – يبيعهنَّ الأصفاد القديمة ذاتها، والحلي الرخيصة، والسلاسل. أي نوع من الإخصاء تفضّلن؟ مهانة من ترغبن بها أكثر، مهانة الأب أو مهانة الأم؟ آه، يا لها من عيون زميلة جميلة، أنت أيتها الفتاة الصغيرة الزميلة. هاكِ، إشترِ نظاراتي، وسترين الحقيقة أنا بنفسي سأخبرك كل شيء يجب أن تعرفيه. ضعيها فوق أنفك خذي نظرة عبد فَتَش (أنتِ أنا، المحلل الآخر – ذلك ما أخبركِ به) على جسدكِ وجسد الآخر. أترين؟ لا؟ انتظري، سيتم شرح كل شيء لك، وستعرفين في النهاية أي نوع من العُصاب ترتبطين به. ابقِ ساكنة، سنقوم برسم صورتك، بحيث يمكنك البدء بأن تبدين مثلها حالاً. 
نعم، السذج من الدرجة الأولى والثانية لا يزالون كثر، إذا كانت المرأة الجديدة، الواصلة الآن، تجرؤ على الإبداع خارج النظري، ويتم استدعائها من قبل شرطة الدليل، تبصم بأصابعها، وتحتج، وتُحضَر إلى خط الطقس الديني الذي من المفترض أنها تعرفه: ويُحدد لها بقوة عمل حقير مكان في السلسلة المشكَّلة دائماً لصالح الدليل الموسور. ويُعاد ضمناً إلى الخيط الذي يعيد، إن لم يكن إلى اسم الأب، إذن من أجل انحرام جديد، إلى مكان الأم القضيبيَّة. 
احذري يا صديقتي، من الدليل الذي سيعيد إلى سلطة المعني! احذري من التشخيصات التي يمكن أن تقلل من قدراتك التناسلية. الأسماء “النكرة” هي كذلك أسماء علم تنتقص من فرديّتك عن طريق تصنيفها في أنواع. اهربي من الدوائر، لا تبقي داخل الإنغلاق التحليلي النفسي. انظري حولك، ثمّ شقّي طريقك. 
وإذا كنا فيلق، فذلك لأنَّ حرب التحرر قد حققت حتى الآن اختراقاً ضئيلاً فقط. ولكن النساء تتهافت عليه. لقد رأيتهنَّ، أولئك اللواتي لن يكن مغفلات ولا خادمات (مكرسات للعمل في المنزل). أولئك اللواتي لن يخشين من مخاطرة كونهنّ نساء، ولن يخشين من أية مخاطرة أو أيّة رغبة، أو أي مكان لا يزال غير مكتشف في أنفسهنَّ وبينهنَّ وبين الأخريات، أو في أي مكان آخر. إنهنَّ لا يؤمنَّ بالأفتاش(لا يقدِّسنَ تقديساً أعمى!)، ولا يرفضن ولا يكرهن. إنهنَّ يراقبن، ويتناولن، ويحاولن أن يرين المرأة الأخرى، والطفل والمحبوب – ليس لتعزيز نرجسيتهنَّ، أو لتأكيد صلابة أو ضعف السيَّد، ولكن لجعل الحبَّ أفضل، وللإبتكار. 
الحب الآخر – في البداية هي اختلافنا. الحب الجديد يتجرأ على الآخر، ويريد الآخر، ويصيب بالدوّار، إنه رحلات طيران متهوّرة بين المعرفة والإختراع. إن المرأة التي تنجح بشكل متكرر لا تقف ساكنة، إنّها في كل مكان، إنّها تأخذ وتعطي، إنّها الرغبة التي تَمنح. (إنّها غير محدودة في مغالطة الهبة التي تأخذ، ولا تحت وهم الإندماج الوحدوي، لقد تجاوزنا ذلك). إنّها تأخذ موقعها، وتدخل في الوسط بين نفسها وبيني وبينك وبين الأنا الأخرى حيث يكون الشخص دائماً بشكل مطلق أكثر من واحد وأكثر من أنا بدون الخوف من عدم الوصول إلى حد أبداً: تثيرها جاذبيّتنا، وسنبقى جاذابات!. وتشق طريقها خلال حب دفاعي، وأمومة وتهلف: بعيداً عن النرجسيَّة الأنانيَّة، وفي الفضاء المتحرّك والمفتوح والإنتقالي، تخوض مخاطراتها. ووراء النضال حتى الموت الذي نُقِلَ إلى السرير، ووراء معركة الحب الذي يدعي تمثيل التبادل، إنها تحتقر ديناميّة إيروس (إله الحب والجنس) التي تُغذّي بالكراهيَّة. الكراهية، إرث، مرة ثانية، تذكير، تابع مغفَل للعضو الذكري. لكي تحبّي ولكي تشاهدي – تفكري – تبحثي عن الآخر في الآخر، لتخرجي من خصوصيّتك ولتكشفي عن بواطنك. هل يبدو هذا صعباً؟ إنه ليس مستحيلاً، وهذا هو ما ينعش الحياة – حب ليس في تجارة، مع رغبة قلقة تحتاط ضد الحاجة وتسخر من الغريب، حب يبتهج بالتبادل الذي يُضاعف. وهي لا تطأ حيثما يكون التّاريخ لا يزال مكشوفاً، مثل تاريخ الموت. والمعارضة، والتبادل الهرمي، والنضال من أجل الهيمنة التي يمكن أن تنتهي فقط بموت واحد على الأقل( سيد = خادم واحد، أو إثنان من غير الأسياد = موت اثنان)، جميع ما يأتي من حِقبة في الزمن يكون محكوماً بقيم الهيمنة الذكورية. إن حقيقة أن هذه الحقبة تمتد في الحاضر لا تمنع المرأة من بدء تاريخ الحياة في مكان آخر، في مكان آخر. تعطي فيه. هي لا “تعرف” ما تعطيه، إنّها لا تقيسه، ومع ذلك، فهي لا تعطي انطباعاً مزوّراً، ولا شيء ليس لديها. إنها تعطي أكثر، بدون ضمان أنها ستحصل على مقابل، وحتى على بعض الأرباح غير المتوقعة مما تنتج. إنها تعطي فربّما يكون هناك حياة، وفكر وتحوّل. هذا “اقتصاد” لا يمكن وضعه بعد ذلك في مصطلحات اقتصادية. فحيثما تحب، يتم التخلي عن جميع المفاهيم القديمة للإدارة. وفي نهاية حساب واعٍ تقريباً، فإنها لا تجد مبلغها الإجمالي، وإنما اختلافاتها. إنني بالنسبة لك ما تريدني أن أكون في الوقت الذي تنظر فيه إليَّ بطريقة لم ترني فيها من قبل: في كل لحظة. عندما أكتب، إنه كل شيء لا نعرف أننا نستطيع أن نكونه هو الذي يُكتب من داخلي، بدون استثناءات، وبشروط، وكل شيء سنكونه يدعونا إلى البحث الذي لا يكل والمثير عن الحب، وفي بعضنا البعض لن نكون محرومين أبداً”.

 

من كتاب النّظرية النّسوية، مقتطفات مختارة. الأهليَّة للنشر والتوزيع.