عاش الثامن من آذار، عاش النضال

١٠ آذار ٢٠١٩

يأتي اليوم العالمي للمرأة في الثامن من آذار كل عام، ونحتفل به عادة من خلال أخذ عطلة إذا أقرَّتها الحكومة، وفي كل عام يترقب البعض إصدار مرسوم حكوميّ (ما عدا هذا العام لأنَّه أتى يوم جمعة) يعطي عطلة رسميَّة لجزء من العاملات أو العاملين أو الطلاب، تبعاً للمؤسسة أو الشركة أو أصحاب العمل، إلا أنَّه لا يتعدى كونه يوماً إضافيَّاً للعطل التي ننتظرها بفارغ الصبر. وفي كل عام يأتي يوم المرأة أو يوم "النسوان" ويحمل معه موجة من الاستهزاءات في بعض الأحيان، أو بعض المظاهر الاحتفاليَّة من توزيع الورود أو توزيع الهدايا على العاملات (الطناجر على سبيل المثال) كحركة رمزيَّة لهذا اليوم. وينتهي اليوم، وتنتهي العطلة (إذا عطلنا)، ونمضي.

من الطبيعي أن تكون علاقتنا بهذا اليوم سطحيَّة، فما أكثر الاحتفالات التي لا تحمل أي معنى، فها نحن نأخذ يوم عطلة للاحتفال بالاستقلال! لا يهم المضمون، من الواضح أنَّ الفكرة أهم! ولست بصدد الاستخفاف بالفكرة، فالوطن فكرة وقالها غسان كنفاني: "تسقط الأجساد لا الفكرة" ولكن شتان ما بين الفكرة والفكرة، أي بين وجوب النضال والاحتفال.

لقد بزغ يوم المرأة من خضم الحركة العماليَّة، والتي أفرزت ذاتها في لجان نسائيَّة متخصِّصة، وبعد تراكم النضالات والمآسي العماليَّة التي تسبَّب بها رأس المال والنظام البرجوازي الرأسمالي، قررت النساء العضوات في مجموعة من الأحزاب الاشتراكيَّة في العالم الممتدة من الولايات المتحدة إلى روسيا القيصريَّة بتعيين هذا اليوم يوماً نضاليَّاً للتظاهر والإضراب ضد السياسات القمعيَّة التي تقع على العمال عامة والنساء العاملات خاصة، فكان هذا اليوم المختار في المطالبة بتحسين الظروف الاقتصاديَّة والسياسيَّة للمرأة العاملة، وتسهيل انضمام النساء للنضال الطبقيّ، وتوحيد صفوف الطبقة العاملة، وذلك في عام 1909[1].

ولذلك لا يمكن النظر إلى يوم المرأة على أنَّه يوم رفاه، أو يوم احتفاليّ بالأنوثة، ولا حتى كاحتفال بسيدات الأعمال، حيث أنَّ هذا اليوم يمثِّل النضال العماليّ ضد الاستغلال والقمع والتوحيد على أساس الطبقة والعمل المتساوي وليس من أجل الأختيَّة النسائيَّة ولا من أجل كره الذكور. وما يذكِّرنا به يوم المرأة العالمي ليس فقط ما يصاحب هذا اليوم من احتفالات أو مسيرات أو إضرابات، بل بأهمية النضال الواسع ضد الاستغلال بأشكاله سواء أتوج هذا النضال بيوم أو أيام أو لم يتوج بأي يوم.

وفي المقابل، قد لا نستطيع النظر إلى النضال في فلسطين من الناحية العماليَّة البحتة، فلم تبرز حركة عماليَّة يوماً عدا عن النقابات التي كانت فاعلة ضمن فاعليَّة الأحزاب السياسيَّة الثوريَّة يوماً ما، مما قد يفسِّر تراجع دور النقابات حالياً بعد تشرذم وتراجع الحالة السياسيَّة للأحزاب (وما شهدناه في قضيَّة الضمان الاجتماعي الأخيرة من تضارب المصالح بين النقابات والمتظاهرين خير مثال على ذلك).  ولذلك عندما نحاول فهم يوم المرأة كيوم نضالي في السياق الفلسطيني، يتوجب النظر إليه من خلال المسيرة النضاليَّة التي خاضها ويخوضها الشعب الفلسطيني. ولكن النضال الشعبي اختلف وتشرذم بعد أوسلو، وانتقلنا من ساحة نضاليَّة مشتركة وواضحة المعالم تسير بخطى ثابتة نحو تحقيق الاستقلال والحرية إلى واقع سياسي متشرذم من اقتتال سياسي داخلي وتفكك النسيج الفلسطيني المتماسك. وكما تشرذمت صفوف الحركة العماليَّة عالميَّاً، كذلك تشرذمت صفوف الحركة الوطنيَّة فلسطينيَّاً. وبينما كانت الحركة الثوريَّة الفلسطينيَّة هي الرافع لانضمام مكونات المجتمع المختلفة في النضال، وبزغت خلالها المرأة كشريكة في النضال، أدى تشرذم الحركة الثوريَّة، وتراجع النضال الشعبي الميداني والكفاح المسلح إلى تراجع دور المرأة في النضال عامة والدور الاجتماعي الاقتصادي النقابي خاصة.

لقد ساعد امتداد الحركة الوطنيَّة الفلسطينيَّة على دخول المرأة النضال وبشكل نشط، وساعد ذلك على تشكل أطر نسائية ثوريَّة أضافت بعداً ومكانة مختلفة للعمل النسائي. ولم تكن يوماً هذه الحالة ورديَّة بل كان على النساء المنخرطات في العمل كسر الكثير من القيود التي وضعها المجتمع عائقاً أمام حركتها ونضالها، ولذلك لم تنجز المرأة تغيّراً جذريّاً ولكنها استطاعت كسر بعض الصور النمطيَّة، وتأكيد أهليتها بامتياز على مجاراة شريكها في النضال في كافة أنواعه وعلى رأسه الكفاح المسلح والذي مثَّل أسمى أنواع النضال، وما زال يمثل الحلم والحرية للكثيرين والكثيرات مع انحساره ونخبويته في المرحلة الحاليَّة. 

وفي عقود الستينيَّات والسبعينيَّات والثمانينيَّات، استطاعت النساء من خلال العمل الثوري النهوض بالدور الاجتماعي الذي احترفته الفلسطينيات منذ بداية القرن العشرين ليرتقي العمل الخدماتي الخيري إلى عمل تنظيمي مؤطَّر أفرز نفسه في لجان وأطر ومشاغل وخلايا وجمعيات. وقد تكون الأحزاب اليساريَّة أول من أكد على دور المرأة في الأدبيات الحزبيَّة وخصَّص إطاراً للمرأة ضمن الحزب، إلا أنَّ وحدة الساحة النضاليَّة ساهمت في نشر المفاهيم وتعميمها وتأثّر النساء الفاعلات بعضهنّ ببعض، وتظافر جهودهنّ في الكثير من الأحيان. وهذا ما تكشفه لنا الملصقات الحزبيَّة التي كانت تظهر سنوياً في ذكرى اليوم العالمي للمرأة في سنوات السبعينيَّات والثمانينيَّات والتي كانت تتمحور حول نفس الوجهة، وتشترك في رمزيَّة الصورة التي تجمع بين المرأة والبندقيَّة بالضرورة، بالإضافة إلى الملصقات الحزبيَّة العامة والرموز التي تمثلها من نساء مقاومات ومناضلات وأسيرات وشهيدات.

ما تحمله كلمة نضال من معان ضمنيَّة هي الانتظام والعمل ضمن استراتيجيَّة واضحة وخطة عمل جديَّة، وهذا ما نفتقده حالياً وما يجعلنا في حنين دائم إلى الماضي. ولا يمكن إغفال الإنجازات النضاليَّة الحالية التي يحققها الكثيرون والكثيرات، إلا أنَّها تبقى إما فردانية أو متشرذمة. فلم يتوقف الشعب الفلسطيني يوماً عن التحرّك، إلا أنَّ الحركة مشتتة، واللجان التي انبثقت عن الحركة الوطنيَّة الفلسطينيَّة ما زالت قائمة والكثير منها ما زال فاعلاً، ولكن غياب الاستراتيجيَّة التنظيميَّة والعمل الموحَّد أدى إلى تفتت النضال إلى مشاريع وحراكات مطلبيَّة ضيقة النطاق غريبة عن الشعب، وهذا ما يفقدنا الأمل في التنظيم وفي الأحزاب وفي السياسة وفي المفاهيم الإنسانيَّة السامية وفي حقوقنا وفي النضال.

لقد ساعدت الحركة العماليَّة المنظَّمة حول العالم النساء على الانتظام ومخاطبة حقوقهنّ وتحفيز العاملات، وعملت من أجل تحصيل حقوق العمال عامة واستنهضت الحركة العماليَّة وحفزتها وأشعلت نارها مثلما حصل في روسيا القيصريَّة عام 1917 والتي أبت يومها النساء الالتزام بتعليمات الحزب وعدم التظاهر وحفزت خروج 90,000 عامل وعاملة للتظاهر فسقط حكم القيصر بعد أسبوع لتبدأ سلسلة من الحراكات والتظاهرات التي توجت بثورة أكتوبر العمالية[2]. وفي الحالة الفلسطينيَّة، ساعدت الحركة الوطنيَّة النساء الفلسطينيات على الانتظام أيضاً والعمل على تغيير الواقع الاجتماعيّ لتنضم النساء إلى صفوف الحركة الوطنيَّة وتعززها وتقويها، وبرزت شعارات تعبر عن هذه الحالة في يوم المرأة العالمي مثل؛"نساء فلسطين في وجه التسوية" و"التضامن الأممي بين نساء العالم يعزَّز بالنضال المشترك ضد كافة أشكال الاضطهاد" و"نضال مستمر لحماية الثورة ومواجهة المؤامرات" و"معاً حتى تحرير أرض البرتقال" و"ليتعزَّز النضال من أجل المساواة" و"المجد لنساء الانتفاضة" "بشموخك وعطائك تستمر الانتفاضة"[3].

وللأسف، أُجهضَت الانتفاضة من خلال اتفاقيات أوسلو وأجهضَت معها كل منجزات الثورة الفلسطينية التي حققتها النساء وكل اللجان التي فعّلتها الحركة الوطنيَّة الثوريَّة مثل النقابات العماليَّة واللجان الفنيَّة والثقافيَّة وغيرها. ودخلنا عصر النيوليبرالية في قالب دولة متخيَّلة أعادت تشكيل الحالة الثوريَّة إلى بناء دولة وحكم ورشيد وحقوق إنسان، فغُيّب النضال الجدي ليستبدل "بالحنكة السياسية."

قد تكون الحالة سوداويَّة ومحبطة، إلا أن أياماً مثل هذا اليوم وغيره تضعنا أمام تساؤلات جديَّة عن موقعنا ودورنا في هذا الوضع، وهذا المجتمع وهذا العالم. ما يذكّرنا به يوم المرأة العالمي، ويوم الأسير ويوم الشهيد وكل الأيام هو واجبنا تجاه قضايانا، ودورنا في النضال وفي إعادة حرف البوصلة، وتعميم النضال ليكون جزءاً يومياً من حياة الجميع وليس مقتصراً على حزب أو على مجموعة رجال. ما يذكرنا به يوم المرأة هو أنَّ النساء قد يتأخرن عن النضال بسبب الظروف الاجتماعيَّة، إلا أنهنّ عندما ينهضن يزلزلن القواعد ويفتتحن الثورات. وما يذكرنا به يوم المرأة هو أنَّ أمامنا طريق طويل وقضايا كثيرة، وأنَّ لا مجال للتنحي جانباً. وما يذكرنا به يوم المرأة العالمي هو ضرورة التوحد والشراكة رجالاً ونساءً من أجل تحقيق الغد الأفضل المتمثل بالتحرر من الاستعمار، ومن كل استغلال.

وفي هذه المناسبة من الجدير أن نقول: عاش الثامن من آذار وعاش النضال.

 

 


[1] https://www.marxist.com/the-origin-and-historical-development-of-8-march.htm

[2] https://www.marxist.com/100-years-ago-women-sparked-the-russian-revolution.htm

[3] https://www.palestineposterproject.org/special-collection/international-womens-day