عاطلون عن العمل... وبلا خدمة صحيَّة؟

٢٦ آذار ٢٠١٧

تسربت قرارات حكوميَّة في النصف الثاني من شهر كانون الأول للعام 2016، حول إلغاء التأمين الصحيّ للعاطلين عن العمل.  هذه التسريبات وما تبعها من قرارات في الأشهر اللاحقة أثارت جدلاً واسعاً خصوصاً أن القرارات الحكومية بقيت مبهمة. وبعد أن تحرَّكت عدَّة مؤسَّسات أهليَّة وقاعديَّة ونقابيَّة وإعلاميَّة لفهم ما يجري، وللتصدي لعمليَّة الإلغاء، بدأت تصريحات حكوميَّة متعدِّدة تتحدث عن أنَّ ما سيجري هو عمليَّة لتحديث بيانات العاطلين عن العمل فقط.

إلا أنَّه وبعد أيام معدودة من تأكيد الحكومة سريان مفعول التأمين وعدم إلغائه، صدرت ما تسمى بـ "شروط التقدُّم للتأمين الصحيّ للعاطلين عن العمل"، والذي يحوي عشرة شروط تعجيزيَّة ملتفَّة على حقِّ العاطلين عن العمل في الوصول للحدِّ الأدنى من الخدمة الصحيَّة، لتعاود الحكومة وجِهات الاختصاص فيها نفي وجود الشروط وتسميها "مجرد بيانات"! ومن خلال المتابعة لهذه القضيَّة الأساسيَّة، لا بدَّ أن نراقب المجريات العمليَّة لها والتيقن من حقيقة ما سيجري، لما شابها من تخبط وإرباك وعدم وضوح وتهديد لشريحة العاطلين عن العمل وحقوقهم الصحيَّة.

في هذه الوقفة لا بدَّ أن نلقي الضوء على بعض النقاط المفتاحيَّة في تناولنا لهذه القضيَّة وغيرها فيما يندرج تحت الحقوق الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة للمواطن ومسؤوليَّة الحكومة اتجاهه:

  • تتحمل الحكومة مسؤوليَّة إيجاد فرص عمل للعاطلين عن العمل، وإلى حين إيجاد الفرص وتشغيلهم، هي مسؤولة عن توفير سبل عيشهم ودخلهم وتأمين حقوقهم الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة الأخرى كاملة غير منقوصة، ومن ضمنها حقوقهم الصحيَّة.
  • إنَّ العاطلين عن العمل هم شريحة واسعة من أبناء شعبنا (حسب تصريحات وزارة العمل يوجد أكثر من 400 ألف عاطل عن العمل في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس)، ولا يشملهم قانون الضمان الاجتماعيّ، لذا لا بد من البدء ببحث وجود تأمين وضمان اجتماعيّ لهذه الشريحة وتحويل هذا الموضوع لحيِّز الواقع وأن لا يستمر إغفاله وتجاهله.
  • إنَّ السياسات الحكوميَّة العامة، هي سياسات تنحاز للقطاع الخاص على حساب حقوق المواطن، ولا تتردَّد في فتح المجال أمام ولادة الاحتكارات والشركات الربحيَّة الخاصَّة وتسهيل عملها وخصخصة المرافق والخدمات العامة (الاتصالات، والكهرباء، والصحة، والتعليم، وأنظمة الدفع المسبق... الخ)، كما تمعن في سياسة الجباية االضريبيَّة وتخفيض الإنفاق العام على الخدمات بغرض تقليل نفقاتها ومصروفاتها، إذن فالمواطن هو عنوان للجباية ولتمويل عجز الموازنة وفي ذات الوقت هناك تقليل للخدمات المقدمة له. وجميع هذه السياسات مبنيَّة على فلسفة اقتصاد السوق الحر، بنسخته النيوليبراليَّة، تلك التي ستزيد من حدَّة هذه السياسات وآثارها المفقرة للمواطن والمتسبِّبة بمزيد من بؤس حياته.
  • إذاً، وطالما أنَّ الحكومة على هذه الشاكلة وبهكذا مضمون فيما يتصل بالحقوق الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، فلا بدَّ من أن يتحِّد جميع المتضرِّرين والمُفقَرين والمحرومين والمستغَلين ليشكِّلوا أداتهم النضاليَّة للتغيير الاجتماعيّ، وذلك بالمراكمة النقديَّة على التجربة، والإبداع بأدوات ووسائل جديدة ملائمة للأهداف الاجتماعيَّة المنشودة.

إنَّ هذه النظرة تنطلق من فكرة الحقوق الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة للمواطن، وبالتالي هي نظرة تمثل حدَّاً أدنى ومخفَّفاً للمعاني الأكثر عمقاً وانحيازاً للفقراء والمستغَلين وحقوقهم الاجتماعيَّة الأوسع، وهي أيضاً حدّ أدنى للتقاطع والالتقاء، وخلق التحالفات والتكتُّلات والائتلافات على مستويات مختلفة في جوانب الحياة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة... وحريّ بنا أن لا ننسى أنَّ هذا النضال الاجتماعيّ يتزامن ويتداخل مع النضال الوطنيّ التحرريّ، إيماناً منا أنَّ معركة التقدُّم الاجتماعيّ هي عمليَّة مستمرَّة أيضاً، وبما أنَّه لا يمكن للتنمية بمعناها الأشمل والأكبر أن تتحقق في ظلِّ الاحتلال، يصبح السؤال كيف لهذه العمليَّة ومخرجاتها أن تسهم في تقوية المجتمع ومكوناته وتعزيز صموده والارتقاء بفاعليَّة دوره المقاوم، وهذه القضايا لا يمكن أن تتحقق في ظلّ مزيد من القهر والاستغلال وسياسات الإفقار.