علمته القمع فلما اشتد ساعده قمعني

٢٧ شباط ٢٠١٦

أفرزت الحالة التي خلقها الاعتصام الأخير للمعلمين الفلسطينيين، وبالتحديد الرد القمعي العنيف من المؤسسة السياسية الرسمية العديد من التساؤلات والنقاشات حول الأزمة البنيوية لمنظومة التعليم الفلسطيني ككل، فتوجب تعميق البحث لفهم الأسباب التي أدت إلى ما حدث من إضراب وقمع مضاد وصولاً إلى نقد السياسة الشاملة التي تنتهجها الحكومة الفلسطينية تجاه القطاعات الاجتماعية كالتعليم والصحة وغير ذلك من القطاعات التي تؤثر مباشرة على الوعي والثقافة والمستوى المعيشي لمجتمع تحت الاحتلال.

تضامننا مع حراك المعلمين ومطالبتنا بحقوقهم لا يخلوان من النقد أيضاً، والنقد كذلك لا يقلل من شرعية مطالب المعلمين. ولكن قمع الأجهزة الأمنية لمظاهرات المعلمين واعتقال بعضهم يرتبط كذلك بالقمع في النظام التعليمي، فماذا نتوقع من طالب يقضي سنوات المدرسة مكرهاً كارهاً لها ولمعلميه وسلطتهم الأبوية وادعائهم امتلاك الحقيقة المطلقة، وإن ناقضهم كانت له العصى والنبذ والعقاب النفسي والجسدي. وماذا نتوقع كذلك من معلم يمشي بين طلابه بعصاه وكأنه وكيل إقطاعي من العصور الغابرة، فهل سينتج هؤلاء من يراهم قديسين؟!

كان دائماً معلمونا الأفاضل يعيدون علينا الجملة الشرطية “إن تدرس تنجح”، ويكررون “ستحصد ما تزرع”. اذاً لما هذا الاستغراب عندما يقمع الشرطي المعلم؟ فها نحن نحصد ما زرعناه من خلال نظامنا التعليمي. علينا أن نقف أمام ما حدث وأن نعيد النظر في كل أساليب التعليم ومضمونه ووسائله. علينا أن نراجع ونغير هذا النظام التعليمي الذي أنتج وأعاد إنتاج القمع.

البعض مصدوم من أداء الحكومة وكأنها حكومة سويسرا يقودها رامي الحمدلله الذي جعل موازنة العام 2016 تبلغ 4.25 مليارات دولار، حظي قطاع الأمن لوحده بما نسبته 28% منها ، حيث يخصص لـ64 ألف موظف عسكري مبلغ مقداره 3.9 مليارات شيكل من إجمالي فاتورة الرواتب، مقارنة بـ91 ألف موظف من كافة القطاعات الأخرى يخصص لهم 3.8 مليارات شيكل.

والبعض مصدوم  من رجال الأمن الذي منع المعلمين من المطالبة بحقوقهم .. وكأن هذا غريب علينا. ألم يقمعوننا يوماً لأننا طالبنا بما هو أسمى من زيادة راتب؟ عندما طالبنا بحرية هي القيمة العليا للحياة الانسانية؟ ألم يقمعوننا عندما قلنا إن التنسيق مع العدو خيانة؟ ألم يقمعوننا لأننا قلنا ﻻ لفسادهم … لقد قمعنا واستمرت منظومة التربية والتعليم تنتج كل عام نهج القمع ونهج التسلط حتى طُبِّق عليها مباشرة ..

ما حدث ويحدث بحاجة لأكثر من زيادة رواتب المعلمين، نحن بحاجة لإعادة التفكير جذرياً بتغيير النهج المستخدم في المؤسسات التعليمية والذي يعلم الإقصاء وينمي الانتهازية والأنانية وحب التسلط والظهور، نحن بحاجة لزرع التسامح والمشاركة والديمقراطية والقدرة على التجريد والتفكير دون صب المعلومات في عقول الطلبة وكأنها مقدسات ومسلمات لكي يكبر الطالب دون طاعة عمياء للأب في البيت وللمعلم في المدرسة وللمسؤول في العمل.

سيطر التعليم التقليدي الذي حاولت وزارة التربية والتعليم جاهدة أن “تطوره” بما يتوافق والنظرة الغربية الممولة على آليات التفكير المتمثلة بالتلقين وتعبئة الطالب بما يجود عليه المنهاج المسلم به والمعلم “مالك” المعرفة والحقيقة المطلقة بكل ما يمثلان (المنهاج –المعلم) من قيمة سلطوية عليا تجعل الطالب عاجزاً عن امتلاك القدرة على الحوار والنقد، فالتعليم البنكي كما يسميه فيلسوف تربية الحرية في العالم المستَعمر باولو فريري “يكبح الحوار ,ويربي على التلقين ، ويمنع أن تكون معادلة التعليم تشاركية بين المعلم والتلميذ حيث يتعلم كل منهما من الاخر بدلا من ان يقوم المعلم بضخ ما لديه في عقل الطالب كوعاء بحاجة الى الملئ” حيث يرى فريري أن التعليم يجب أن تحكمه أسس مهمة كالحب والثقة والتواضع والحوار لخلق جو من المشاركة من شأـنه خلق ملكات النقد والتحليل لدى الطالب الأمر الذي يدفعه إلى البحث عن سبل الحرية.

وفي مجتمع يرزح تحت أعتى منظومة استعمارية معاصرة كالمجتمع الفلسطيني تبرز الحاجة إلى خلق منظومة تعليمية من أجل الحرية الوطنية والاجتماعية كأولوية وأساس لخلق المجتمع الواعي بضرورة وجوده بدلاً من الاستمرار في أسلوب شيخ الكتاب التي تعمق القمع وتنتج مزيدا من التبعية والتسلط وتكرس الواقع الاضطهادي بكل تجلياته الاجتماعية والأمنية في ظل عمل دؤوب على هز ّ(الجبهة الثقافية) الفلسطينية الرافضة بالضرورة لكل أشكال الاستغلال والاضطهاد.

هنا يرى باولو فريري من جديد أن ذلك التعليم الحواري النقدي الذي تحتاجه مجتمعات العالم “الثالث” الرازح تحت نير الاستعمار المعاصر بعولمته القاتلة للذات يحتاج الى عوامل ثلاثة هي (تحليل الواقع، نقل التجربة، تدرج الحوار)، فتحليل الواقع يؤدي الى فهم الأسباب التي خلقت المشكلة بعد فهم البيئة المحيطة، ويعطي الطالب القدرة على فهم الأسباب قبل أن يخوض في النتائج ويكرسها ويغويه شيطان تفاصيلها، ونقل التجربة استناداً على أسس تحليلية يفتح المجال لتصويب ونقد تلك التجربة من أجل المراكمة عليها والتعلم من أخطائها بدلاً من تقديسها وتكريسها. فعندما نرى كيف يتم الحديث عن التاريخ في مدارسنا ندرك كيف يتم إيصال التجربة الفلسطينية السابقة للطلاب على أنها نتيجة طبيعية لسياق طبيعي من الأحداث تسقط منه الأخطاء القاتلة التي تسببت في الكارثة … بل والأخطر عندما يتم تبرير وتجميل تلك الأخطاء كما يتم الحديث عن اتفاقية أوسلو على سبيل المثال. أما العامل الثالث الذي يراه فريري مهماً لخلق التعليم الحواري فهو التدرج في الحوار، حيث يتم التشجيع على طرح الأسئلة والتفكير بها جماعياً بدلاً من منعها ومنع التفكير بها وخلق مسلمات يجب أن يقتنع بها الطالب دون تفكير خوفاً من سلطة عليا يمثلها المعلم والأب والحزب والدولة.

وكما يعتقد ماركس ” ثقافة الطبقة المسيطرة هي الثقافة السائدة في المجتمعات”، فإن الطبقة السلطوية المرتهنة للتمويل المشروط والمكبلة بقيود اتفاقيات الاستسلام من أوسلو وتوابعها هي التي فرضت نفسها على الحياة الفلسطينية، ومن ضمنها التعليم المدرسي (والجامعي أحياناً) لتنتج مزيداً من التهاوي الثقافي والمعرفي وتنخرط في الحالة العربية العامة المكبلة بقيود التبعية للمركز الغربي، دون الانفتاح على التجارب الناجحة التي أنتجتها مجتمعات شبيهة بنا كأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا مثلاً.

ختاماً:

لم يكن إضراب المعلمين المطلبي ليفتح الباب واسعاً أمام نقاش موسع إلا عندما اصطدم بالإشكالية المركبة التي دخلها النظام السياسي الفلسطيني بعد أوسلو بكل افرازاته وليس موضوعياً ولا علمياً الحديث عن أزمة المعلمين بمعزل عن تلك النتائج الكارثية التي راكمتها السلطة الفلسطينية على مر سنوات وجودها في سعيها لبناء مؤسسات دولة تحت الاحتلال بكل ما تحمله هذه المؤسسات من تشوهات وتعقيدات توجتها السنوات العشرة المنصرمة والتي تمثلت بإجهاض انتفاضة العام 2000 في عام 2005 وإعادة التفكير ببرمجة وهندسة الواقع الفلسطيني من جديد، حيث تم العمل من خلال فريق دايتون تارة على هندسة المجتمع الفلسطيني أمنياً ومن خلال فياض على هندسته اقتصادياً ومن خلال السلطة بقيادة فتح المنقسمة على ذاتها سياسياً مرورا بالانقسام بين غزة والضفة وتكريس الهندسة اجتماعياً مع تنامي وانتشار الفكر السلفي القائم على المسلمات ودخوله الثقافة المجتمعية كأحد أهم الفاعلين في بناء نموذج ثقافي فلسطيني مميز.

فبين المقدس القائم على النص الديني المسلم به وبين المقدس القائم على السلطة السياسية والمالية دخل الفعل الثقافي حالة من الفوضى العامة وطال أهم مراحل التثقيف وهي مرحلة التعليم المدرسي حيث فرض كل طرف تصوره ومنطلقاته الفكرية على ما يسيطر عليه من مجالات. هناك في غزة لو انتقد الطالب دخل في الحرام وهنا في الضفة لو انتقد لدخل في الخيانة .. وبين حرام وخيانة وقف المعلم والمربي متماهياً بينهما محاولاً الموازنه ليحافظ على راتب بسيط هو أقل من الحد الأدنى لأي حياة كريمة تجعله قادراً على التفرغ لمهنته التربوية الكبرى مراكماً التذمر والإحباط وعاكساً ذلك على طلبته لتدخل الأزمة الفلسطينية مرحلة الأزمة المركبة بنيوياً في كافة مجالات الفعل الفلسطيني وتقف أمام انسداد أي أفق تحرري على الصعيد الوطني والديمقراطي، فانعزل الفلسطيني يبحث عن خلاصه الفردي ولم يعد لديه أدنى شعور بالمسؤولية الوطنية الجامعة ولا بالقضايا المصيرية الكبرى بسبب انعدام الثقة بالمكونات السياسية التقليدية على الساحة الوطنية من جهة، ولانشغاله بالهم الحياتي الخاص الذي يزداد تعقيداً أمام تلك الآلة الضخمة التي طحنته منذ أوسلو والمتمثله بمنظومة كاملة يديرها الاحتلال طوعاً منها تارة ورغما عنها تارة اخرى، بتحكمه بكافة تفاصيل عملها والتي اسمها السلطة الفلسطينية.

هذه السلطة التي كرست وظيفتها وطابعها الأمني بكل الوسائل التقليدية للنظام الاستبدادي بتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية بما يضمن ترسيخ القمع السياسي والاجتماعي دون أي التفات للقطاعات الأخرى التي تعطي حالة من التوازن الاجتماعي للمواطن الفلسطيني كالصحة والتعليم والزراعة وغيرها من القطاعات الأخرى فكانت موازنات الأعوام المنصرمة منذ أوسلو لغاية اليوم تعطي ثلث قيمتها للأمن مقابل ثلثيها للقطاعات الاخرى بينما يتنامى اللا أمن ويتضاعف الشعور الجمعي بعدم الاستقرار والخوف ويتكرس الاحتلال بكل راحة دون تحمل تبعات احتلاله بإلقائها على عاتق السلطة بأمنها ومؤسساتها .