عملية سابينا 571

٢٤ تشرين الأول ٢٠١٦

ما بعد أيلول الأسود

تعرّضت المقاومة الفلسطينيّة لضربة قاسمة، هشّمت جسدها في معركتها مع الحكومة الأردنيّة عاميْ 1970 و1971، أدّت هذه الضربة إلى حالة من عدم التوازن وفقدان القاعدة ونقطة الارتكاز الرئيسة عند الفصائل الفلسطينية.

قال محمد عودة (أبو داود) : «كان لا بدّ من التفكير بشغلة، تعيد للمقاتلين معنويّاتهم». هذه “الشغلة” بتعبير أبو داود كانت “منظّمة أيلول الأسود”.

أرجع الباحث والكاتب الفلسطينيّ يزيد صايغ السبب الرئيس لنشوء المنظمة للخصومة التي كانت بين صلاح خلف من جهة وياسر عرفات من جهة أُخرى؛ إذ تمّ تجريد صلاح خلف من المسؤولية عن جهاز الاستخبارات “الرصد” في مؤتمر فتح في سبتمبر 1971، وما يعزّز وجهة النظر هذه هي بعض ممارسات عرفات السابقة، والتي كان هدفها تفكيك جهاز الرصد، وحاول خَلَف إنقاذ الوضع من خلال تولّيه مسؤولية نشاط فتح في الأردن، لكنه رُدَّ على عَقِبه، وأُنيطت مسؤولية التنظيم السرّيّ بمحمد غنيم، الأمر الذي ضمن سيطرة عرفات.

وبسبب خسارة علي حسن سلامة (أبو حسن) مقعده في المجلس الثوري، بعد النقد العنيف الذي تعرّض له بسبب الأخطاء التي ارتكبها جهاز الرصد، أدى ذلك إلى قيام سلامة بعمل مستقلّ، بتوجيه “أبو إياد”، فجنّد أعضاء الرصد السابقين، كأعضاء جدد في “منظّمة أيلول الأسود”.

لكن شهادات أعضاء المنظّمة ومن ضمنهم محمد داوود عودة (أبو داوود) وأبو الوليد العشي تقول إنّ أبو عمار كان مطّلعًا على كلّ ما يخصّ منظّمة أيلول الأسود.

أبرز العمليات التي قامت بها المنظمة هي اغتيال رئيس الوزراء الأردني “وصفي التلّ” في القاهرة عام 1971، وإصابة السفير الأردني في لندن “زيد الرفاعي”، وعملية ميونخ التي أدّت إلى مقتل 11 رياضيّاً إسرائيليّاً في دورة الألعاب الأولمبيّة لعام 1972 في ميونخ بألمانيا، وعملية الخرطوم في 2 مارس عام 1973، إضافةً إلى العديد من الهجمات التي شنّتها المنظّمة على شركات هولنديّة وألمانيّة، اتّهمتهم بالتعاون من الاحتلال الصهيوني، وعمليّة خطف الطائرة “سابينا” في يوم 8 مايو 1972، والتي سنخصّها بالحديث هنا.

سابينا 571

بدأ محمد يوسف النجار بإعداد مبادرته في مجال العمليّات الخارجيّة، وكان ذلك بمشاركة كلٍّ من أبو إياد، وأبو حسن سلامة؛ وحُدّد الهدف؛ وهو اختطاف طائرة لتحرير عدد من الأسرى الفلسطينيين.

«الهدف من هذه العملية هو تحرير 100 أسير من الاحتلال»؛ هذا ما قاله علي طه أبو سنينة، قائد المجموعة المنفّذة، في أوّل توجيهاته لأعضاء مجموعته.

خضعت المجموعة للتدريب في بيروت الغربيّة، وضمّت كلّاً من علي طه أبو سنينة- وهو عضو سابق في “الجهاز الخاص” التابع لوديع حدّاد- وثلاثة أعضاء من فتح وهم: عبد العزيز الأطرش (بعض الروايات ذكرته باسم “زكريا الأطرش”)، وتيريز إسحاق هلسة من عكا، والأردنيّة ريما عيسى طنّوس من إربد.

أُمِر المنفّذون بالتوجّه إلى المطار بشكلٍ مفاجئ دون إطلاعهم على التفاصيل؛ ثمّ السفر إلى روما بجوازات سفر أُردنية مزوّرة ومن ثمّ إلى فرانكفورت، حيث كان الاجتماع الأخير، إذ وُزِعت الأدوار على أعضاء المجموعة خلال هذا الاجتماع.

كان موعد التنفيذ في الثامن من مايو 1972؛ فانطلق الأربعة من الفندق بشكلٍ منفرد، على أن يلتقوا في المطار بعد ساعتيْن.

كان الهدف هو الرحلة رقم “571”، والمتوجّهة عبر الخطوط الجوية البلجيكيّة (سابينا) إلى تلّ أبيب.

خُتمت جوازات المجموعة بكلّ سهولة، وصعد الأربعة إلى الطائرة، واتّخذ كلّ منهم مقعده المُتّفق عليه، وكانت المجموعة تحمل من الأسلحة ثلاثة مسدّسات، وقنبلتيْن، إضافةً إلى “معجون المتفجرات” في المشدّات النسائيّة التي كانت ترتديها الفتاتان.

تروي تيريز هلسة -وهي من بقيت على قيدِ الحياة من بين المنفّذين حتى يومنا هذا- تفاصيل لحظة السيطرة على الطائرة: « كلّ شيء كان دقيق التخطيط بحيث خرج علي أولاً من المرحاض الأماميّ وتوجه إلى غرفة الطيّار، وتبعه عبد العزيز بعد ثوانٍ ووقف بين غرفة القيادة والمقاعد الأمامية للمسافرين لحمايته، وفي اللحظة نفسها أخرجت ريما القنبلة من حقيبة يدها، ووقفت وسط الطائرة، وتبعتها إلى مؤخرة الطائرة، وكانت تحمل مسدسًا وعلبة متفجرات، وهكذا تم الاختطاف بشكل سريع وهادئ دون توتّر وعنف، ذُهل المسافرون من سرعة التحرّك والسيطرة التامّة على الطائرة، وسيطر عليهم الذعر عندما قال علي: أنا الكابتن كمال رأفت (الاسم الحركيّ) من منظمة أيلول الأسود، أرجو من الجميع التزام أماكنهم، ما زالت الطائرة متوجّهة إلى تلّ أبيب، نحن فلسطينيّون نمثّل الشعب الفلسطينيّ».

في السابعة والنصف صباحًا حطّت الطائرة في مطار اللدّ، وحينها بدأ علي طه بإجراء المحادثات مع القيادة الإسرائيليّة للإفراج عن السجناء، بَلّغ علي برج المراقبة بأسماء الأسرى المطلوب الإفراج عنهم خلال مهلة عشر ساعات، وإلا سيتمّ تفجير الطائرة.

من جانبها؛ كانت “الحكومة الإسرائيلية” تعقد جلسة طارئة برئاسة “غولدا مئير”، قَدّم فيها شمعون بيرس –وزير المواصلات آنذاك – تقريرًا عن العمليّة، ثم توجّه إلى تلّ ابيب ليلتقي بقائد المنطقة الوسطى “رحبعام زئيفي” الذي كان المطار ضمن صلاحيّته، ووضع برنامج طوارئ، ونُشِرت وحدات عسكرية على جوانب مسالك الهبوط، وتم وضع خطة لاقتحام الطائرة، والتي تمّت بتواطؤ مع الصليب الأحمر.

وافقت القيادة الاسرائيلية على مطالب المجموعة بداية، وظلت تماطل وتمدّد في الإجراءات بحجة أنّها تحتاج لفترة أطول لنقل الأسرى، وفي تلك اللّحظات؛ كان علي طه يحاول الاتّصال مع أبو إياد عبر جهاز لاسلكيّ، «بعد ذلك اتصل علي مع أبو إياد بعد ثماني ساعات تقريباً، وكان الاتّصال الأخير»؛ تقول تيريز.

قبل ساعة من انتهاء المُهلة، جاء مندوب الصليب الأحمر في سيارة ومعه عربة نقل طعام، إضافةً إلى 15 شخصاً، ادّعى أنّهم “فنيّون”، بدأوا بالتجوّل حول الطائرة، بحجّة تفقّد الأعطال وإصلاح الخلل الذي أصاب الطائرة.

لحظات وبدأ الهجوم كلمح البصر من نوافذ الطوارئ، حيث لم يكن “الفنيّون” إلّا أفراداً في وحدة من القوات الخاصّة الإسرائيليّة، وكان من ضِمنهم “إيهود باراك” و”بنيامين نيتنياهو” والذي أُصيب في يده.

واستشهد إثر الاشتباك مع الجنود المقتحمين كلّ من علي وعبد العزيز، وأُصيبت تيريز، واعتُقلت ريما.

فيما بعد؛ كانت تيريز هلسة وريما عيسى من ضمن قائمة أسماء المعتقلين الذين أراد منفّذو عملية ميونخ مبادلتهم بالرياضيين الإسرائيليين الرهائن.

وكان قد حكم على ريما بالمؤبد، وتيريز بالسجن 240 سنة، ولكن أُفرِجَ عنهما في نوفمبر تشرين الثاني عام 1983، في تبادل الأسرى بعد حرب لبنان 1982.

تناقلت وكالات الأنباء أخبارَ العمليّة بتفاصيلها، وحبس ملايين الناس في العالم العربي أنفاسهم، ما بين اليأس والأمل طيلة 21 ساعة؛ إذ كانت كلّ الأنظار متّجهة إلى مصير الطائرة سابينا.

نفت فتح مسؤوليّتها عن العملية، ولكنّها أشارت إلى أنّ :«عمليّة مطار اللدّ تُعتبر تخطيطًا جديدًا فُوجئ به العدو… فوق أرضنا الحقيقيّة».

“الهدف” عنونت صفحتها الأولى ب”أبطال عملية الانقضاض على مطار اللدّ” مرفقةً بصور منفّذي العملية، فيما عنونت أُخرى في صفحتها الأولى : «انفتح الجحيم… وهجم الإسرائيليّون، خطأ أنهى بطولة الفدائيين في تلّ أبيب، منظّمة أيلول الأسود تتهم الصليب الأحمر بالتآمر وتَعِد بمواصلة عمليات خطف الطائرات».

عن الفدائيين

«أمانة أخرى؛ وهي ألّا نحرم القدس من أسمائنا، ولا ننحرم نحن من ذكريات القدس التي لن تبخل علينا بسرد قصّتنا».

علي طه أبو سنينة

ولد علي طه، في حارة “قيطون” في مدينة الخليل عام 1938 وكان أخًا لسبعة إخوة وأربع أخوات، وكان في التاسعة من عمره عندما تُوفّي أبوه؛ فقرّر تركَ الدراسة والانتقال إلى القدس بعد فترة وجيزة، لتوافر فرص عملٍ أفضل فيها.

تتحدث “سهيلة” عن طفولة شقيقها علي: «لا أذكر علي طفلاً طائشًا، بل كنتُ دائمًا أُحسّ بأنّه رجلٌ قادرٌ على المسؤوليّة، وعملَ منذ صغره»، لعلّ هذه الكلمات تعطيكَ صورةً عمَّا سيكون عليه هذا الطفل بعد ذلك.

عمل علي كدليل سياحيّ في القدس، وكان الدّليل الوحيد الذي يترجم الفارسيّة في المدينة، علي ذاته الذي بدأ عمله ببيع المسابح والتذكارات إلى السيّاح الأجانب في باب العامود بالبلدة القديمة، وكان دائمًا يختبئ وراء السيّاح هرباً من الشرطة لعدم حيازته رخصة للعمل كدليل سياحيّ.

لم تكن علاقته بالقدس مُقتصرةً على العمل فقط؛ فتصفها شقيقته قائلة: «كان يسكن في القدس، والقدس تسكن فيه، يعشقها، يهتمّ بها، كان حافظًا لقصصها وتاريخها، غيورًا على ترابها، تربّى في أحضانها؛ بين جبالها، وصخورها ووديانها».

بدأ علي نشاطه السياسي كعضو في حركة القوميّين العرب، ووقتها كان العمل سرّيّاً، واقتصرت مهامه على جمع معلومات أمنيّة ونشر بيانات وتهريب أسلحة، غادر علي وعائلته القدس بعد الحرب عام 1967 إلى عمّان، وهناك بدأ عمله التنظيميّ مع الجبهة الشعبيّة في أواخر عام 1968، وكان اتصاله المباشر مع وديع حدّاد، فغدا موضع ثقة للجميع في التنظيم نظراً لإقدامه على تنفيذ أيّ شيء يُطلب منه، بالإضافة إلى إتقانه عدّة لغات بحكم عمله السابق كدليل سياحيّ.

جمعتهما- علي ووديع حدّاد- علاقةٌ قويّة، حيث كان علي مرتاحاً ومتحمّساً للعمل مع وديع، وكان وديع بدوره يعتبره مكسباً، إذ كانت طبيعة علي تتجاوب مع طريقته في العمل الذي كان يتّسم بالخطورة والسرّيّة التامّة والمغامرة والشجاعة، حيث كان دور علي في أغلب العمليّات؛ وخصوصاً الخارجيّة؛ دورًا تحضيريّاً وليس تنفيذيّاً، كما كان له دورٌ كبير بالاشتراك في التخطيط للعديد من العمليّات.

من أبرز العمليّات التي لعب علي دوراً بارزاً فيها، هي عمليّة مطار الثورة، فقد استلم “دائرة الهجرة والجوازات”، نظراً لامتلاكه خبرة لوجستيّة في الطيران والرحلات والمطارات، وهذا عنصر مهمّ لإنجاح أيّ عمليّة خطف، وأيّ عمليّة من هذا النوع؛ كان هو أهمّ عنصر فيها، كلّفه وديع حدّاد بأن يكون مسؤولاً عن كلّ الرهائن، والإشراف العام على الفرق المخصّصة لكلّ طائرة من الطائرات.

اختير علي بعد ذلك ليكون ضمن مجموعة خطف الطائرة “سابينا”، وكان اتّفاقه مع أبو حسن سلامة على أن يقتصر دوره فقط على التخطيط، والإشراف على المجموعة المُنفّذة للعمليّة؛ لكنّه أصرّ على الإشراف على التنفيذ شخصيّاً.

لم تسر الأمور كما خُطّط لها، واستُشهد علي ورفيقه (عبد العزيز/زكريا الأطرش)، وأصيبت تيريز هلسة، واعتُقلت ريما طنوس.

ممّا جاء في الوصيّة الأخيرة التي كتبها علي طه:

«أمانة يا منظمتنا أمانة يا أيلول الأسود ألّا نتوقّف عن الأخذ بالثأر، أمانة أن نُصفّي العملاء دون هوادة وأن نلاحقهم أينما وُجدوا، أنْ نستعمل كلّ الطرق الكفيلة بإيصال المجموعات إلى هدفها بدقّة متناهية. وأمانة أُخرى وهي ألّا نحرِم القُدس من أسمائنا ولا ننحرم نحن من ذكريات القدس التي لن تبخل علينا بسرد قصّتنا، نحن الشعب الفلسطينيّ في كلّ قرية ومدينة في فلسطين الحبيبة. أمّا نحن نعاهدكم بأنّنا سننقل- بدقة- تفاصيل بطولات شعبنا بالكرامة والعرقوب وفي كلّ شبر اشتركنا بضرب العدوّ فيه، إلى شهدائنا الأبرار عاشت ثورتنا، عاش كلّ المناضلين الشرفاء وثورة حتى النصر».

*****

احنا مش طُلّاب موت، احنا طُلّاب مُقاومة، إذا أجا الاستشهاد أهلاً وسهلاً”

تيريز إسحاق هلسة

ولدت تيريز في الرامة بالجليل عام 1954، ولكنّها عاشت في عكا، هناك كبرت وترعرعت، لأبٍ ذي أصول أردنيّة من مدينة الكرك وأمّ فلسطينية من قرية الرّامة، تلقّت تعليمها في عكا، وأنهت دراستها الثانويّة، لتعمل بعد ذلك مُمرضة.

اقتصرت بدايات تيريز في العمل السياسيّ على مشاركتها في النشاطات التثقيفيّة للحزب الشيوعيّ، ولكنّها بعد ذلك لم تقتنع بضيق أفق عمل الحزب الشيوعيّ في الداخل، فقرّرت الانضمام لصفوف الثورة في بيروت.

كانت آنذاك لم تتجاوز العشرين من عمرها، عندما تركت عكا من دون إعلام أحد من أهلها، وشدّت رحالها إلى مرجعيون في الجنوب اللّبنانيّ، في رحلة استغرقت ثلاثة أيّام وثلاث ليالٍ، مشياً على الأقدام، دون ماء، دون طعام، دون أيّ شيء، دليلها الوحيد هو عزمها وإيمانها بالمقاومة.

وصلت بيروت، وبدأت هناك تدريباً على جميع أنواع الأسلحة والمتفجّرات، واختيرت ضمن المجموعة المنفّذة لعمليّة خطف الطائرة “سابينا”، والتي كان لها هدفان: إسماع صوت القضيّة الفلسطينيّة في المحافل الدوليّة، والضغط على إسرائيل لإطلاق سراح السجناء الفلسطينيين.

تصفُ تيريز لحظات إصابتها في العمليّة: «أُصبت برصاصتين؛ إحداهما بعيني اليُسرى والثانية والمباشرة في يدي التي أستخدم فيها المُسدس، فارتجفت يدي، وحملتُه مباشرة في يدي الأخرى، ثم بسرعة البرق أُصبت بطلقة  في كتفي فشُلّت حركة يدي تماماً، وطُعنت عدة مرات بسكين إحدى الجنود المهاجمين، وقُطِّعت عروقي ونُقلت بعدها إلى المشفى فوراً ».

تعرّضت تيريز لتعذيبٍ جسديّ ونفسيّ كبيريْن أثناء التحقيق معها، وسعوا أكثر من مرّة لإقناعها بأنّها مجنونة، وبعد أربعة أشهر صدر الحكم عليها بالسجن مئتين وأربعين عامًا،  ولكن أُفرج عنها بتاريخ 23 تشرين الثاني 1983 في صفقة تبادل للأسرى، وأُبعدت إلى الجزائر.

انتقلت إلى الأردن عام 1984، وتزوجت بعدها بعاميْن، وأنجبت ثلاثة أبناء؛ وهي حاليّاً رئيسة رابطة جرحى فلسطين.

وقالت تيريز في مقابلة أُجريت معها قبل عدّة سنوات: «لم أندم يومًا ما على ما فعلت، بالعكس فلو عادت بي الأيام تلك لفعلت ما فعلت، فبغضّ النظر عن مدى الرضا أو الخذلان من أيّ تنظيم، فإنَّ القضيّة لم تخذلني يوماً، لذا قناعاتي كما هي».

******

لا داعٍ لأن تـنـتهيَ على الصليب، فأنت قد وُلـدتَ مصلوبـاً

ضيـاعنا الذي كاد أن يسيـل مع دمـاء أيلول العام 1971، و قبلها انكسـار نكبة العام 1948 و هزيمة حرب الأيّام الستة كانت جميعها قد تـسرّبت طازجة و مرّت بين أيام جيل البدايـات، لا شيء حينها كان يدعونا إلى التأقلم مع الخيمة أو كوخ الزنك و الصّفيح.

كنـا نريد أن نـذهب بعيداً دون أن تؤلمنـا خطواتنا، و كان علينا أن نمضي لأن التوقف حفرة كبيرة، لم نعد نملك أن نأتيّ لعـدونـا بغـفران جديد، في نهـاية الأمر تبيّن لهم أنّنـا لسنا بحاجة إلى الكثير كي ينطفـئ ما كنّـا نظنّ بأنـّه لن ينطفئ أبـداً.