عن أن نمنح التطبيع منبراً باسم الحريَّة

٢١ تشرين الأول ٢٠١٧

تكرَّر وصفُ أيّ مظهر احتجاجيّ وطنيّ أو نقابيّ فلسطينيّ بأنه عملٌ "لا حضاريّ". مثل إغلاق الطلبة لجامعة بيرزيت، أو إتلاف ذات الطلبة لمعرضٍ من جهةٍ مموِلةٍ أجنبيةٍ "يُعالج" قضية الاحتلال للضفة الغربية، وغيرها الكثير. واليوم يواجه الكثيرون الاحتجاجات التي خرجت ضدَّ فيلم زياد الدويري "قضية 23" بذات المنطق، ويدَّعون الدفاع عن "حرية التعبير" في وجه طغمة "تكفيرية" تدعي الوطنية، تحمِّل في طياتها أفكاراً داعشية. وبالطبع، وكما جرت العادة، فإنَّ أصحاب دعوات "حرية التعبير" يصوّرون ذواتهم بأنّهم أصحاب المشروع التنويريّ وحرية الفكر والمعتقد وينطلقون بنا نحو رحابة الغد "الحرّ"، في مواجهة ما يسمونه "الإرهاب الفكريّ"!

الإشكاليَّة الأوضح في هذا التصوير، هو أنَّ دعاة "التنوير" و"حرية التعبير"، لا يلاحظون أنَّهم كلَّما رفعوا راياتهم كانوا يصطفون إلى جانب السلطة المهيمِنة ومشروعها، لا في صفّ المقهورين وتحررهم. فهم يدعون لهذه الحرية عندما يتعلق الأمر برأي إدارة الجامعة وبرنامجها النيوليبرالي الذي ينزع نحو خصخصة التعليم أكثر وأكثر، وإنتاج ثقافة ومعرفة مرتهنة للسوق النيوليبرالية، متجاهلةً الهموم الوطنيَّة في التحرُّر، والهموم الطبقيَّة "لمن هم تحت". وهم ذاتهم يصدحون ضدّ "الهمجية" عندما يتعلق الأمر بمواجهة جهات تمويل أجنبية. وبذات المنطق، فهم اليوم يصطفون إلى جانب مخرج مطبِّع -وهذا لا خلاف عليه (أنَّه مطبِّع)، إذ أكدته لجنة المقاطعة أيضاً في بيانها الذي رحبت به إدارة المهرجان، وإن جاء هذا البيان ضعيفاً مخيباً لآمال الكثيرين- ينتج أعمالاً سينمائية –وللتذكير فهذه الأفلام مادة أيديولوجية- مصطفة إلى جانب تيارات رجعيَّة عربية وتخدم في تبييض صورة الاستعمار الصهيوني.

"حرية التعبير" هنا، هي بكل وضوح، أداةٌ لتعزيز هيمنة البنية القائمة، وإعادة إنتاج التبعية. فكيف لنا أن نطالب بحرية التعبير للمطبعين وللممولين والمنظومة النيوليبرالية! أليسوا هؤلاء هم من يصيغون حاضرنا البائس؟! ألسنا نحن، المقهورون والمقصيون والرافضون للاستسلام، من نفتقد لحرية التعبير؟! كم من منصةٍ أصبحت تتوافر للمطبّعين اليوم، خصوصاً وأنّهم يعملون في بيئة عربية رجعيَّة رحبة تتقاطع مع أفكارهم ومصالحهم؟ أليست جميع منابرنا محتكرة ومستلبة من الاستعمار وأدواته، بما فيهم منظومة التمويل وأجهزة السلطة وجميع من يرتبط بهم؟ ألا يرى هؤلاء المثقفون الليبراليون أنَّهم يصطفون إلى جانب القمع وفي مواجهة التحرُّر عند مناداتهم بحرية التعبير؟! هذا هو بؤس الثقافة (ثقافتهم)، أن ننادي بحرية التعبير لمن هم فوق ويكتمون أنفاسنا.

كيف لنا أن ندعو جمهوراً أسود للاستماع لرأي العنصريين البيض فيه؟ وكيف لنا أن نعطي منبراً وندعو جمهوراً للاستماع لآراء تدافع عن التحرّش؟ وكيف لنا أيضاً اليوم أن نفعل ذات الشيء لمن يدافع عن الاستعمار، ويكرّس عمله "الإبداعي" للدفاع عن مَنْ قتلنا في صبرا وشاتيلا وفي فلسطين المحتلّة؟ زياد الدويري ليس فقط مطبّعاً، وإنما هو يدافع عن المطبعين الأكبر منه والعملاء أيضاً، مثل بشير الجميّل.  فكيف لنا أن نتيح منابر ثقافيّة لقتلتنا ومَنْ يدافعون عنهم، ويعزِّزون من موقف الرجعية العربية في التطبيع مع الاستعمار الصهيوني؟! أليس في عرض هذا الفيلم اصطفافاً مع بشير الجميِّل في وجه حبيب الشرتوني، وموافقة ضمنية على حكم الإعدام بحق مناضلٍ قاتل في سبيل قضيتنا جميعاً؟

على ما يبدو، يتوجب علينا اليوم أيضاً إنقاذ حرية التعبير من دعاتها المزيفين، أيّ هؤلاء المثقفين الليبراليين. وأن ندعوهم كما دعاهم من قبلنا لينين:

"إنَّكم أحرار لا في أن تدعوا وحسب، بل أيضاً في الذهاب إلى المكان الذي يطيب لكم، إلى المستنقع إن شئتم؛ ونحن نرى أنَّ مكانكم أنتم هو المستنقع بالذات، ونحن على استعداد للمساعدة بقدر الطاقة على انتقالكم أنتم إليه. ولكن رجاءنا أن تتركوا أيدينا، أن لا تتعلقوا بأذيالنا، أن لا تلطخوا كلمة الحرية العظمى، ذلك لأنَّنا نحن أيضاً "أحرار" في السير إلى حيث نريد، أحرار في النضال لا ضدَّ المستنقع وحسب بل أيضاً ضدَّ الذين يعرجون عليه!"

حرية التعبير ليست فوق علاقات القوة، وهي مكفولةٌ بفعل القوّة للمهيمِن. وهذه الدعوات لـ"حرية التعبير"، ما هي إلا دعوات مزيّفة؛ فما يعنونه فعلاً في هذه الدعوات هي أن نترك النضال جانباً وأن ننغرس في مشاريع التطبيع وأن نصمت عن حقنا في التحرُّر، وأن نترك همجيتنا السوداء، وننغمس في المشروع "الحضاريّ" الأبيض الآتي لقتلنا، ومن المفضل أن نفعل كلّ ذلك بصمت، حفاظاً على "حرية التعبير".