عن اختطاف الإنسان الفلسطيني: الأمن مُقابل الإضراب عن الطَّعام

٣٠ آب ٢٠١٦

” في فصول الجحيم، لا بدَّ إذن من الانتهاء إلى القاع، ولا بدَّ من الانتهاءِ إلى السُّجون فِي وضح النَّهار، وأن يتسلَّم الجلَادُ ضحيَّتهُ الأخيرةُ وأن يكسِرَ عُنق الضحيَّة على الملأ دُون خجل. ربَّما لأنَّه ملّ من الاختفاء، وربَّما لأنَّ له حاجة لا يُخفيها عن أن يشدَّد حُضوره الأبديّ فِينا كسجَّان”.

“تبرزُ وجوه الشباب الثلاثة، أينَما كانوا الآن وكيفما كانوا، تبرزُ وجوههم لتحدِّق فينا طَويلاً وتسأل: «هَل نحنُ حقاً مفقودون؟ ولِماذا؟ وهل ستعتادون الغياب؟”.  ” يجبُ علَينا أن نخرجَ جماعاتٍ لنبحث عنهم وإلّا دفعنا ثمنَ هذا من دمنا ودم أبنائنا من بعدنا». هذا حقيقي، هذا الشيءُ الوحيدُ الحقيقيُّ في هذه القضيَّة: أنَّ ثمناً أكبر سيُدفع من بعد، ليسَ فقط إن لَم نخرج جماعاتٍ لنبحث عنهم، ولَيس فقط إن لَم نجدهم، بَل إن لَم نرفض هذا المَنطق الأهوج الذي يسودُ في الضفَّة الغربيَّة منذُ سنين…”

هَل سأقولُ أنَّني لَم أتوقَّف عن التّفكير في “المَخطوفين” منذُ أربعةِ أشهرْ؟ أم في عمليّة الخطف ذاتها؟ هذا كانَ السَّؤال الذي كُنت أسألهُ لنفسي عندما كُنت أفكّر في قضيّة الشباب المَخطوفين لدى أجهزة الأمن الفلسطينيَّة منذُ أشهر. هَل المَسألةُ هِي المَخطوف أم الخاطِفْ؟

وبالأمس، أعلنَ الشَّبابُ عن طَريق مُحاميهم من مؤسَّسة الضَّمير، عزمهم على الإضرابِ عن الطَّعام احتجاجاً على اعتقالهم المستمرّ منذُ أشهر، دون لوائح اتّهام، وهذا هُو التَّعبير القانوني فقَط للمسألة والَتي هِي في حقيقتها: احتجاج على وُجود السَّلطة الفلسطينيَّة في هذا الشَّكل والمضمون معاً، على طَبيعة السَّلطة الأمنيَّة وبنائها الأمني القائم على حالة تعاون مع الإستعمار الصَّهيوني، ربَّما لَم يَسبق له مثيل في تاريخ الإستعمار العالمي، وإن سبَقَ له مثيل، فيبدُو أنَّ السَّلطة عازمة على إبتداع حالة كومبرادور متفرَّدة عن أيَّ كُومبرادور آخر في تاريخ الإستعمار.

بالطَّبع الكتابة هُنا لا تأتي كردّ فعل مُباشر لما أعلنَ الشَّباب المختطفين عزمهم عليه من إضرابٍ على الطَّعام، بَل على المعنى المُصاحب لهذا الفِعل، أو على الأقل المعنى الذي تراهُ الكتابة هنا أنَّ هذا الفعل يقوم بعكسه وتوضيحه. ولذا، كانت الخُطوة الأولى، هي العودة إلى ما كتبتُ سابقاً، قبل أربعة أشهر وبتاريخ 19 نيسان في جريدة الأخبار اللبنانية، عن هذا الموضوع ذاته، وعدتُ إلى بعضِ النّقاط تحديداً التي تم إيرادُها في بداية هذا المقال.

في مُطالعة سريعة لسُلوك الأجهزة الأمنيَّة على مرّ السنوات القليلة الماضية، وخاصَّة السنوات القليلة، لأنَّ تغييراً جذرياً حدث في بناء العقليَّة الأمنيَّة لأجهزة الأمن الفلسطينيَّة منذُ انتهاء الإنتفاضة الثانية وبِداية عهد الإقتصاد الفلسطيني الجديد “النيوليبراليَّة الفلسطينيَّة”، وبدء ما يُمكن أن يُسمَّى “تَصفية الأجهزة الأمنيَّة لأبنائها وتَاريخ أبنائها”، والتَّصفية هُنا تَعني التصفية الجسدية في حالاتٍ كثيرة، والتصفية الفكريّة الممنهجة والممأسسة في مؤسسات مختلفة أكاديميَّة وأمنيَّة دُعمت وتم تأسيسها مِن قبل أجهزة الأمن الأمريكيَّة والصَّهيونيَّة والأوروبيَّة، فِكراً وسِلاحاً ومالاً. في هذه المُطالعة السَّريعة، يستطيع أيّ مُتابع، وأيّ فلسطيني حتَّى وإن لَم يكن متابعاً لما يحدث من حوله أن يستشعر دَرجاتٍ من الوحشيَّة والقَسوة متزايدة فِي أيّ فردٍ من أفرادِ الأجهزة الأمنيَّة، وهُنا، لن نجرّ للحديث بالتَّفصيل عمّا يُمكن تسميته بالتّصنيفات المختلفة للفرد الأمنيّ، من الفَرد البَسيط العاديَّ، الرّيفي أو القروي أو ابن المَدينة الفقير البَسيط الذي يدخل السّلك الأمنيَّ بحثاً عن لقمة العَيش وينتهي بعد سنواتٍ لضَرب أفراد قريته أو مدينته في وسط الشَّارع، وُصولاً إلى ضابِط المُخابرات الأنيق، ذي النّظارات السَّوداء والذي يعرف التَّكنولوجيا الأمنيَّة جيّداً، وتلقّى تدريباتٍ مكثَّفة على أيدٍ أمريكيَّة وصهيونيَّة وفلسطينيَّة تدرَّبت من قبله على الأيدي ذاتها، وما بَين هذين الفَردين من درجات. باختِصار: بالتأكيد هُناك أفراد لا شأن لهم بشيء في الأجهزة الأمنيَّة، وهُم أحجار شطرنج، أو أقل شأناً من ذلك حتَّى، ولكن هذا لَيس المَوضوع هُنا، المَوضوع هو: هذه القَسوة والوحشيَّة، كَيف ومن أين؟

كلُّ فرد من أفراد الأجهزة الأمنيَّة، جندياً كان، أم ضابطاً يعرف جيّداً بصورةٍ عقليّة كانت أم شعوريَّة بسيطة، المُعضلة التي تعيشها السَّلطة الفلسطينيَّة – وهذا يَنطبق أيضاً على السَّاسة الفلسطينيين في السَّلطة – وهذه المعضلة هي: أنَّ السَّلطة وفي السنوات الأخيرة قد خلقت حالة مُستحيلة، تكاد تكون أقرب إلى الحالة الوجوديَّة الصَّهيونيّة في طبيعة المُستحيل الخاصَّ بكلتا الحالتين، وهذه الحالة هِي أنَّ الجَميع يَعرف أنَّه من غير الممكن بمكان استمرار السَّلطة الفلسطينيَّة في طبيعتها الحاليَّة للأبد، ومن حيثُ طبيعتها الحاليَّة، التي تشمل القبضة الأمنيَّة، التّخاذل الوَطنيّ والتَّنسيق الأمني مع الاستعمار الصَّهيوني، وقَتل وتسليم الكثير من الفلسطينيين للإحتلال الصَّهيوني في السنوات الأخيرة ومنذُ نشأتها ولكن بوتيرةٍ أقلّ من الآن، هذه الطَّبيعة في حدّ ذاتها، وفِي ضَوء ما جَرى في قطاع غزَّة من حَسم عسكري كان على يدِ حماس وكتائب القسَّام نظراً للمَجرى التَّاريخي الخاصَّ بقطاع غزَّة، فإنّ السَّلطة تعرِف أنَّ استمرارها هُو نقيضٌ لطبيعة هذه الأرض تحديداً، هذه القضيَّة تحديداً، ولا يُمكن له أن يستمرَّ بِلا انهيار أو نهاية يتخللها العُنف الدمويَّ، ثأراً أو محاسبةً أو هَوجاً ثورياً هُو مِن طَبيعة الثَّورات والإنتفاضات أينَما كانت، ولكنَّه قَد يحقِّقُ بعضَ العدل المَطلوب.

وبكلماتٍ أخرى: إنَّ استشعار السَّلطة والأجهزة الأمنيَّة، ومعرفتهم اليقينيَّة لطَبيعة البدايات والنّهايات، لكلّ من تعاون مع الاستعمار الصَّهويني – روابط القرى مثالاً – جعلت الأجهزة الأمنيَّة تزداد وحشيَّة وقسوةً في السنوات الأخيرة، تمثَّلت هذه القسوة في حالاتٍ مختلفة، يَعرفها أبناء حماس جيّداً على سبيل المثال في سجون السَّلطة – ولا يُمكن إغفال أنَّ الوحشيَّة التي يَراها أبناء حماس في معتقلات السَّلطة تأتي من هذا الشَّعور الدّاخلي لديهم بأنَّ هؤلاء من قَد يحملون مصيرهم المَشؤوم ذات يوم! وماذا عن الآخرين؟ المقاومة، النقابات، المعلّمين الذين في لحظة تاريخيَّة غريبة ونادرة، أبرَقوا رسائلَ تحذير ووعيد لأسطورة الاستقرار التي تتباهى بِها السَّلطة. كلَّ هؤلاء، عندما فَشِلَ الأمن في تحديد تحرَّكاتهم، وفي ضبطها، لجَأت السَّلطة إلى الوسائل الأكثر ترهيباً وتخويفاً وهِي الميليشويَّة في صورتها الواضحة، وإطلاق النَّار على النّوافذ وعلى السيَّارت، والتلويح للنساء على سبيل المثال بماء النَّار – الحرق، الحرق.

هناك مثالان تاريخيّان، لَا ينطبقان تماماً من حيثُ الفِعل ولكن ينطبقانِ من حيثُ المبدأ، القائل بأنَّ الوحشيّة تزدادُ كلَّما ازداد شُعور السَّلطة – القوَّة بأنَّها مهددة من قبل المجهول، وهذه هي الحالة المُستحيلة التي خلقتها السَّلطة لنفسها والأجهزة الأمنيَّة خصوصاً وهي أنَّها جعلَت الشَّعب الفلسطينيَّ الضفَّة الغربيّة بمعظمه مصدراً لشعورها بتهديدها الوجودي، بزوالها، وربَّما ببعض أعواد المشانق.

ما قبل الميلاد، أمرَ الملك اليهوديَّ هيرودوس، والذي يُذكر في المسيحيَّة على أنَّه طاغيَة وفي الفكر المسيحي عموماً، أمرَ بقَتل كلَّ مواليد بَيت لحم، خوفاً من انهيار عرشه عندما علمَ من قبل كهنته، أنَّ المَسيح قد يولد فيها. في المقابل، وعلى إحدى ضفاف النّيل، أمرَ فِرعون بقَتل المواليد من بَني إسرائيل، واستعبادهم، خَوفاً منهُم، وخَوفاً من وِلادة مَن يَحكم منهُم. وفي المقابل، ولد المَسيح، وولد موسى، ومُوسى ولد وصار ابناً لفرعون، والمَسيح ولد وصار نبيّاً فيما بَعد وقتلهُ الرَّومان خَوفاً ومن ثمَّ ابتلعوه نبياً لإمبراطوريَّتهم فصارت مقدَّسةً. لِماذا تُكتبُ هذه الأحداث سريعاً هكذا وكأنَّها عابرة ولا تهمُّ تفاصيلها؟ لأنَّ في كتابتها سَريعاً هكذا، تَظهرُ العبثيَّة الغَريبة للتاريخ، وللواقع معاً، فعندما كان المَطلوب من ناحية، من قبل هيرودوس أنْ يُقتل المسيح ولد المَسيح وصار نبياً ولَم يحكم، ولكنَّه ولد، وأفلتَ من قبضةِ السَّلطة، وأحدثَ بعضَ الثَّورة، ولكنَّها انتهت إلى ابتلاعها من قبل الإمبراطوريَّة، وعندما كانَ فِرعون يَرغبُ بالقَضاء على بني إسرائيل وتحديد نسلهم، ولد من صار لهُ ابناً وهادماً لعرشه، فقَد تلدُ السَّلطة أبناءاً يقتلونها، وقد تَقتلُ السَّلطة أبناءاً في قتلهم يغطَّون على أولئك الذين ينفذون من أبواب التَّاريخ الضيَّقة ويلتفون على كلّ محاولات السَّلطة في إخماد نارِ الثَّورة أينما كانت.

ويا للمقارنة المبتذلة إذ يقارن فرعون بالسَّلطة الفلسطينيَّة! ولكن، هذا تاريخ، وهذه سلطة وهذه سلطة، وهذه خلقت لنفسها منذُ ولادتها، إشكاليَّة مستحيلة، هي إشكاليَّة طبيعيَّة من حيثُ المبدأ في الفلسفة السياسيَّة لأيّ نظام سياسي، فالدَّولة أيَّ دولة، هِي الفَترة الزمنيَّة التي تستطيع فيها مجموعة أو عصبة بشريَّة من احتكار العنف، هكذا، بلا مقدَّمات وشرح نظري زائد عن الحاجة، وما أن تنتهي وتتراخى هذه القبضة حتَّى تأخذ الزَّمام مجموعةٌ أخرى. والسَّلطة الفلسطينيّة، كانت على وشَكِ أن تُفلت هذه القبضة من يدها في سنوات الانتفاضة، لكنَّها استطاعت وبمساعدة إسرائيليَّة وأمريكيَّة أن تُعيد زمام الأمور مرةً أخرى في يدها، وأن تُحكم قبضتها مرةً أخرى على السَّاحة الفلسطينيَّة.

الآن: الإضرابُ عن الطَّعام للشباب المختطفين. في البداية أسأل: أمامَ هذه الطَّبيعة المَريضة نفسياً لأجهزة الأمن الفلسطينيَّة، ما الذي يتوقَّعه الشَّبابُ حقاً عندما يُضربون عن الطَّعام؟ لقَد قتلت الأجهزة الأمنيَّة رجالاً في وضح النَّهار، في الشَّوارع، في السَّجون، وضربت نساءاً ورجالاً، شابّاتٍ وشبَّاناً في وضح النَّهار أيضاً، متظاهرين ضدَّ الإحتلال الصّهيوني ومتظاهرين من أجل حقوقهم الإنسانيَّة والإجتماعيَّة. لَم يبقى فِئةً من فئات المُجتمع الفلسطيني، إلَّا وأهينت، وعذّب من أفرادها في سجون السَّلطة، مقاومين ونقابيين وأساتذة وعمّال وصحافيين ومزارعين، ولَم يَبقَ فلسطينيَّ إلَّا ويستطيع أن يَشعر بالخوف في داخله عندما يَسمع اسمَ المُخابرات أو الإستخبارات الفلسطينيَّة. حسناً، حقَّقت الأجهزة الأمنيَّة أهدافها: تمَّ زرع الخَوف في نفوس الفلسطينيّين. ولكنّ هذا الخَوف أيضاً له درجات يُمكن تقبَّلها، وعند تخطِّيها، فإنَّه يَتحول أيضاً لطبيعة مضطربَة نفسياً لَيست آمنة لا على نفسها ولا على أبنائها، فيتحوَّل الخوف إلى هَوج، غضَب، وإلى رَفض: مسلَّح أحياناً.

هذا ما حدثَ في مخيَّمات كثيرة عندما دخلَت الأجهزة الأمنيَّة إلَيها تُطالب برؤوس المقاومين. ولَا أحدَ حتَّى اللحظة قادر على رُؤية ما يُمكن أن يَكون من سيل دماء عنيف، في نهاية المَطاف من هذه السَّلوكيَّات الأمنيَّة التي تدفع بنفسها إلى الإنهيار وإلى الهاوية، وبِما أنَّها سُلطة وقوَّة، فهي لا تدفع بنفسها فقَط بَل تَدفع الشَّعب بأكمله.

هذا ما يحدثُ الآن في سجن بيتونيا، وهذا ما يحدثُ مع ستَّة شباب مختطفين في أقبيتهم وفي العتمة، في مراحل التّعذيب المخزية، وفي الشَّبح المسائي والصَّباحي وفي الضَّرب والإهانة، بعد كلّ هذا: هُم يَقومون بوضع الأجهزة الأمنيَّة أمام نموذج مصغَّر لإشكاليّتها المُستحيلة: المَوت أو الحَياة بحريَّة، المَوت يَعني أن تَمضي السَّلطة إلى نهاية الطَّريق في نظرتها الإستعلائيَّة الإحتقاريَّة للشعب الفلسطيني، والحَياة يعني أن تَمضي السَّلطة في حال سَبيلها: وهذا هو الجزء المستحيل، السَّلطة لَن تمضي، بفعل طبيعة بنائها الأمني والسياسي والاقتصادي، ترابطها مع الاستعمار، واستعبادها من قبل الاستعمار، السلطة لا تستطيع أن تمضي، ولن تمضي في حال سبيلها إلَّا بفعل عنيف، هذه هي الإشكاليَّة المستحيلة التي خلقتها للفلسطينيّين ولنفسها. وهذه هي إشكاليَّة الشَّباب المختطفين، التي لَها حلَّ سهل بالنٍّسبة للأجهزة الأمنيَّة، فهي قادرة على إطلاق سراحهم واعتقالهم بعد أيَّام، أو يعتقلهم الاحتلال الصّهيوني. هذا خِيارهم هُم، الخيار الذي لا يندمون علَيه، كما نعلمُ عنهم، ولكن، أيّ خيار بالنّسبة للأجهزة الأمنيَّة؟ وأيَّ خيار بالنّسبة للشعب الفلسطيني؟

لهذا عندما عُدت إلى ما كتبَ قبل أربعة أشهر، قرأتُ ما كتبت نقلاً عن لسانِ أحدهم، عن الثَّمن الذي سندفعه من دمنا ودم أبنائنا من بعدنا. ونقلتهُ في بداية هذا المَقال، فقطْ، لأنَّنا لم نَفعل شَيئاً، وأصواتنا خفتت حيناً بعد حين إلى أن انقطعت إلَّا من بعض الهَمس الخفيف والحِوارات التي يتخللها اليأس. هِي حالةٌ يائسة أجل، هكذا تبدو في السَّطح وفي العمق معاً، وإلَّا فَما حاجتنا إلى الفِعل؟