عن باسل الأعرج

٢٤ آذار ٢٠١٧

 

موقفٌ طريف

في بداية مسيرتها الفنيَّة، رسمَت أختي الصغيرة نفسها. وحين رأى باسل اللوحة، قرَّر أنَّ الصورة غير المرسومة بإتقان تشبهه، وقال: "نمتلك نفس النظَّارة ونفس ديفوهات الوجه، لكنَّ الوجه الطويل هذا، السائب كواحدةٍ من لوحات سلفادرو دالي السورياليَّة، مُضحك، لا أصدِّق كم يشبهني."

اختفاء باسل ورفاقه

في شهر آذار من العام الماضي اختُطِفَ باسل ورفاقه، نحن نسميه اختفاءً، لكنه خَطف وإخفاء، أخفتهم السلطة الفلسطينيَّة فترة قبل أن تعلن أنَّهم متَّهمين بالتخطيط لعمليَّة ضدَّ أهداف صهيونيَّة. قامت السلطة الفلسطينيَّة بعدها بتسريح الشهيد ورفاقه في أيلول من العام نفسه، مسلِّمةً إياهم بذلك تسليماً ضمنياً لقوات الاحتلال.

ماذا يشبه هذا الحدث؟ سيناريو استعمارياً بأحداثه الكلاسيكيَّة المملَّة، عنصره الأساسي «فرض الاحتلال لقوَّة ثنائيَّة باستعمال السلطات المحليَّة»، فرض القوة يعني أنَّ طرفاً على النقيض مظلوم ويقاوم هذه القوة، حتى النهاية.

يشبه هذا الحدث في بؤسه قصةً من قصص كافكا المفتوحة على الخيال والواقع معاً، «المتاهة بلا حدود» كما يسمّيها ميلان، وإن كانت متاهة باسل معروفةً وملعوبةً مراراً، فلا يزال باسل الولدَ الذكيّ الذي أراد أن يجتاز الصياغة المحدَّدةَ سلفاً لمصير الفلسطينيّ.

السلطة الفلسطينيَّة والاحتلال معاً أرادا أن يكون باسل الأعرج مثالًا حياً لكلِّ شخصٍ يحاول المقاومة، بل أن يكون باسل هو أداة الردعِ الحقيقيَّة لذلك. لكن ما الذي حصل؟ لماذا صار باسلُ بطلنا وروحنا الحيَّة؟ لماذا ارتدَّت العصا التي ضربوا بها باسل على جلودهم؟

 

باسلُ مطاردًا

أدرك باسل لعبة السلطة الفلسطينيَّة الفاسدة المكرَّرة، وأخفى نفسه هذه المرَّة، مُطارَداً من جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي لم يعترف باسل به إلا عدواً وكياناً محتلاً.

هذا وقتٌ ميّت، ويطفو على سطح الحياة، الوقت الذي يجلس فيه باسل وحده، مشتاقاً لعائلته والرفاق، مفتوح الشهيَّة لطعام والدته. كانت المقلوبة هي ما اشتاق إليه فور تسريحه من سجون السلطة؛ أكلتنا الفلسطينيَّة التي لا يختلف عليها اثنان. باسل يطلب من والدته طبق المقلوبة، ولم يأكله، ومرَّت سنة كاملة على باسل، لا أحد يعلم كم طبقاً اشتهى هذا الذي جعل نفسه باحثاً اقتصادياً أجنبياً اسمه إبراهيم حجّي، ويتحدث اللغة الإنجليزية، ولا يعرف ما هي المقلوبة.

الشهيد، بطَلُنا وروحنا الحيَّة

و يُخجِله أن يؤوب الهجوم 

نعم لا يؤوب الهجوم 

يكرُّ.. قد ابتسم التعبُ الحلو في وجهِه 

إنه وطنٌ في الهجوم و إن وحدهُ

هي أيضاً فلسطينُه قاومت وحدها

أحجار فلسطين - مظفر النواب

فجراً، في السادس من آذار، وسط رام الله سُمعَ تبادل إطلاق نار، نحنُ نسمّيه اشتباك، رغم أنَّ الاشتباك يكون بين قوَّتين، ليس بين فرد وحيد وترسانة مدجَّجة بالجند والسلاح، دار اشتباكٌ لمدَّة ساعتين. نادرًا ما نلفظ كلمة اشتباك لأنَّ الاشتباكات هذه -بسبب قوة الردع المحليَّة- لا تحصل، بالإمكان أن نمتلك السلاح، لكن لدينا سلطة متحكِّمة تساند و تقف مع الترسانة ضدَّنا وضدَّ سلاحنا، حرصَت السلطة والترسانة معًا ومنذ وقت طويل على أن يظلَّ الفردُ المقاوم فرداً وليس مجموعاً، فلا يكون بإمكان الفرد أن ينجو، مهما طال الاشتباك، لأنَّ الفرد فرد، وحده يرفع سلاحه ووحده يقاتل.

ما الذي كان يقوله باسل لنفسه طيلة ساعتَيْ الاشتباك؟ «الموت ولا المذلَّة؟» «لماذا لا أملك ألف سلاح؟ وألف يدّ، وألف رأس؟» «كيف أقتل الجنديَّ الذي يصوِّب رصاصه عليّ؟» «كيف لا أموتُ وحدي في معركةٍ كبيرة؟» هل كان يبحث في رأسه عن خطَّة للوصول إليهم قبل أن يصِلوا إليه؟ وكيف كانت ردَّة فعل باسل حين نفِذَت ذخيرته؟،  تمَّ تصفية باسل، لكنَّها ليست تصفية، إنَّها اغتيال. في مكان الحادث، خيّم الحزن وحالة التأثُّر والدهشة. مشهد الدم محزن. الدمُّ مسكوب فوق أغراضه وكتبه، فوضى آثار الرصاص المكبوب في كل مكان، ثمَّة سلاح مركون، سلاح كارلو، نفذت ذخيرته. سحَب جنود الاحتلال المدججين الشهيدَ من أقدامه، ربما لأنهم يعرفون جيّداً من هذا الذي قتلوه، كانوا خائفين أن تتلاقى الوجوه، فتكشف لهم جبنهم، أو ربما يصْحُو من موته، كما يفعل الأبطال وكما فعل «علاء أبو جمل « أمام الكاميرا وأمامنا في استعراضٍ للحيِّ الذي يرفض الموت في لقطةٍ أقرب إلى الخيال.

لا يصيرُ باسل جثَّةً أبدًا، يسرقون جسده، ويُخفونه، للمساومة عليه، للتعذيب النفسيّ لعائلته والمقربين، لتلقين الشباب الحرِّ درساً في الخوف من تكرار فعل باسل. والدُ باسل يعرف المتواطئين، ويفهم أساليب الكيان المحتَل، ففور رؤيته وجه ابنه للتعرُّف عليه، قال بفخر: ابني باسل!! الله يرضى عليه، عمري ما شفته أحلى من اليوم.

أطلق باسلُ الرصاص ليس من أجل الدفاع عن نفسه، بل من أجل إثبات أحقيَّته وجدوى وجوده، كل رصاصةٍ خرجت من فوهة بندقيَّته كانت بمثابة البصقة في وجه كل أدوات الردع والمنع، كل رصاصةٍ خرجت كانت إعادة تعريفٍ لفلسطين، ولنا، أبناء هذه الأرض