عن تغييب الحركة الطلّابية في جامعة النجاح

٠٥ أيار ٢٠١٨

أكسبت الانتفاضة الأولى -وما شكّلته من رمزيّة- جامعة النجاح لقب جامعة الحصار والانتصار. وخلال انتفاضة الأقصى تميّزت قيادات العمل الطلّابي بوصفها محرّكاً للأجنحة والعمل العسكري للفصائل الفلسطينية خارج أسوار الجامعة. وتمثّلت ذروة بداية "الانقسام" بتصفية أحد قيادات الكتلة الإسلامية رمياً بالرصاص داخل الحرم الجامعي. وتتجلّى معالم المرحلة الحاليّة بإدارة جامعيّة وفيّة جدّاً للعقليّة الأمنيّة والسياسيّة للسلطة الفلسطينيّة.

عادةً ما تُعقد مقارنة بين جامعة النجاح وحركتها الطلابية ومقابلتها بجامعة بيرزيت، لكن من الإجحاف الخوض بالمقارنات بلا ذكر الظروف الموضوعيّة، التي آلت بالأمور إلى هذه المرحلة والتي يمكن إيجاز البعض منها فيما يلي:

- الدور الذي اتّخذه طلبة جامعة النجاح في فترة العمل العسكري، إضافة لمقتل طالب داخل الجامعة، كانا الذريعة التي بدأت إدارة الجامعة باستخدامها في وجه الحركة الطلابيّة بعد انحسار العمل المسلّح في الضفّة الغربية المحتلّة –إعادة توزيع السلاح بما يتلاءم مع توجّهات السلطة-، فمثلاً، أُغلقت مقرّات الكتل الطلابيّة في الجامعة تحت ذريعة اكتشاف قطعة سلاح داخل مقرّ إحدى الكتل. وحتى بعد مرور أكثر من عشر سنوات على الحادثة لا تزال الإدارة تمنع تخصيص مكاتب للكتل "تخوّفاً" من تكرار الظاهرة. كما يتم منع العديد من الأنشطة الطلابيّة تحت ذرائع "الخوف من سحب الاعتراف الدولي من الجامعة" بحكم الماضي "الأسود" وفقاً لتعبير الإدارة المعتاد.

- وجود تركيبة منتقاة ب"حنكة" في تشكيل أدوات الإدارة والعاملين بها، بدايةً من مجلس أمناء وعاملين في مناصب عليا من نفس الاتّجاهات و"الولاءات"، إضافةً للأمن الجامعي، الذي يتمتّع بسلطات تشريعيّة وقضائيّة علاوةً على السلطات التنفيذيّة.

ومثالاً على ذلك، يروي طالب في جامعة النجاح أنَّ أمن الجامعة منعه من دخول حرمها. وعند لجوئه للنائب الأكاديمي لاستعادة البطاقة الجامعية كان ردّه: "كنت حابب أساعدكم، بس ما قدرنا نمون على أمن الجامعة".

- ساهم ترؤّس رئيس الجامعة رامي الحمد الله لرئاسة مجلس وزراء السلطة بتعزيز حضور جامعة النجاح وترابطها مع الخط العام للحكومة. وفي السياق ذاته يُذكر أنَّ الجامعة أصدرت قانوناً للجرائم الإلكترونية بعد فترة قصيرة من إصدار قانونٍ مشابه من قبل السلطة الفلسطينية.

إنَّ قوّة الحركة الطلابيّة تقاس بقدرتها على النضال النقابي لانتزاع الحقوق وتعزيز الهُويّة الوطنيّة لدى الطالب وإسناد الحالة النضاليّة، بل وقدرتها على القيادة والتوجيه داخل وخارج أسوار الجامعة. وبالإمكان تفسير تركيز جهد الحركة الطلابية على النشاطات الخدماتيّة على أنه تعبير عن الأزمة التي تعانيها، وعدم قدرتها على التغلّب على الظرف الموضوعي الذي يحول دون ممارستها لنشاطها الأصيل، الذي وجدت من أجله وتغييب الطالب عن المفهوم الحقيقي للعمل النقابي.

لكن لا تغيب عن المشهدِ محاولاتٍ شجاعةً لتخطّي هذه الحدود الضيّقة في العمل، التي كانت تقابَل بطريقةٍ حاسمةٍ من قبل الإدارة والأمن الجامعي، فقضيّةُ الزاويةِ الأمريكية في الجامعة، مثلًا، التي بدأت بعد أن قامت جبهة العمل باعتراض موكب القنصل الأمريكي عام 2014 وفصل عددٍ من طلبتها على إثر القضية من قبل الجامعة، أغُلقت مؤخراً بعد ضغط الكتل الطلابية على الإدارة مستغلّين موقف الرئيس الأمريكي ترمب الأخير من القدس وموقف قيادة السلطة الرافض للقرارِ. 

ما العمل؟ لا يمكن الحصول على إجابة، بعزل الحالة داخل أسوار الجامعة فقط، فهذه الحالة ما هي إلا نتاج مرحلةٍ تفشّت في الكثير من المؤسّسات والأطر ولم تكن الحركة الطلابيّة في جامعة النجاح حالة خاصّة. لذلك لابدَ من البحث عن أدواتٍ لتمتين العامل الذاتي للصمود وإيقاف النزيف المستمر في الأفراد والكيانات، التي تناضل ضد المرحلة أولاً ووضع قواعد للمواجهة الرابحة ثانياً، التي لا تتحقّق إلا بظهور قيادة قادرة على التواصل وتمتلك الرؤية ولديها من النفس الطويل ما يكفيها لضمان عدم خذلان الجماهير، التي راهنت على القيادة. قيادة طلابية تمتلك الصفات أعلاه قادرة على تحطيم كل الهالات، التي حاصرنا بها الواقع. وحتى يظهر هذا النموذج يترتب على التنظيمات الفلسطينية أن تعيد افتتاح "مصانع الكادر".