عن "صفقة القرن": معازل على شكل دولة

٣١ تموز ٢٠١٨

وصف المفاوضون الفلسطينيون خارطة الضفة الغربيَّة التي طُرحت عليهم، في مفاوضات الاتفاق الانتقالي في العام 1995، قبل أن يقبلوا بها: بخريطة "جلد النمر"؛ لأنَّ أراضي منطقة "أ" كانت متقطّعة ومفصولة عن بعضها بأراضي منطقة "ب" و"ج"، وأراضي منطقة "ب" بأراضي منطقة "ج"، مما يحوّل مناطق سيطرة السلطة (في أراضي المنطقة "أ") إلى معازل تفصلها المستوطنات والمناطق العسكريَّة الإسرائيليَّة. ها هي خريطة "جلد النمر" تعود ولكنَّها اليوم ليست محطّة أو مرحلة بل تُعرض اليوم تحت مسمى الدولة الفلسطينيَّة التي ستنتج عن "التسوية النهائيَّة للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي" أو ما يسميه مخطِّطها الأمريكيّ بـ"صفقة القرن". 

تشير التسريبات إلى أنَّ الدولة الفلسطينيَّة في الضفة الغربيَّة ستتضمن مناطق"أ" أي ما يساوي 18% من مساحة الضفة الغربية ومناطق "ب" وهو ما نسبته 21% من مساحة الضفة الغربية، وبعضاً من مناطق "ج" لم تحدَّد بعد، ولكن التقديرات تشير إلى انَّها ستتكون من بعض الأحياء المحيطة بالقدس لتشكل بديلاً عنها كعاصمة لهذه "الدولة". ستتضمن أيضا قطاع غزة كاملًا أي (1.33% من أراضي فلسطين)، أي أنَّ الدولة الفلسطينيَّة ستتكون من حوالي 10% من إجمالي أراضي فلسطين. سيضاف إليها مساحات حدوديَّة شاسعة من صحراء سيناء، والتي ستقام فيها مشاريع صناعيَّة. كما أنَّ الدولة منزوعة السلاح ستتضمن مطارًا دوليًّا وميناء. 

لا يوجد إنجاز يذكر حقَّقته السلطة الفلسطينيَّة من خلال المفاوضات؛ حيث تم تأجيل الاتفاق على قضيَّة عودة اللاجئين وقضيَّة القدس منذ بدايات عملية التسوية إلى آخر مرة جلس فيها المفاوضون على ذات الطاولة في العام 2014.كان ذلك للحديث عن قضايا الحدود و"الأمن" التي كانت أقصى منجزاتها توسيع مناطق السيطرة الأمنيَّة والمدنيَّة للسلطة الفلسطينية في المناطق "أ" على حساب مناطق "ب"؛ التي يبطلها على أيّ حال التنسيق الأمني. ولم تحرز السلطة الفلسطينية أي تقدمٍ على مستوى السيادةِ والسيطرة على الحدود والمعابر.  ما يحصل هو أن الصفقة ستبدأ من حيث انتهت إليه المفاوضات أو انتهت به المفاوضات، فالصفقة ستفصل المفاوضات عن أجهزة الإنعاش بعد أن ماتت موتًا سريريًا منذ سنوات. 

على الجانب الآخر من هذه "المعارك الدبلوماسية"، شرعت إسرائيل بالفعل، قبل المفاوضات وأثناء المفاوضات وبعدها، بتنفيذ مخطَّطات تلتف حول المعازل الفلسطينيَّة، أبرزها مشروع القدس الكبرى 2020، الذي يهدف الى مضاعفة مساحة القدس الى حوالي 8 أضعاف مساحتها الحاليَّة وذلك من خلال ضم أراضٍ محيطة، أبرزها منطقة E1 التي تضم الأراضي الواقعة بين مستوطنة "معالي أدوميم" و"شرقي القدس"، التي يعتبرها الاحتلال ضمن الحدود البلدية لمستوطنة "معالي أدوميم". يقطن هذه المنطقة حوالي 3000 نسمة من البدو اللاجئين من بئر السبع في العام 1948 يتوزعون على 20 تجمعًا سكنيًا كلّها مهدَّدة بالتهجير مرة ثانية. كما سيفصل المشروع شمال الضفة الغربيَّة عن جنوبها. 

إن تحركات الأنظمة العربية الأخيرة ومبادراتها للتطبيع مع الاحتلال على المستويات الرسميَّة وكون السلطة الفلسطينيَّة تعيش أكثر  حالاتها ضعفًا من قطع للمساعدات الأمريكيَّة والتهديد بقطع مساعدات بعض الدول الخليجيَّة اذا لم تقبل بالصفقة، هي كلّها ظروف توحي بأن طرح الصفقة الآن مناسب أكثر من أي وقت. ولكن بالرغم من ذلك فإن مقولة "الحل النهائي" تحمل الكثير من التكبر والعجرفة! إن كل مقترحات التسوية الامريكية بطبيعتها تحمل كثيرًا من العجرفة والكبر، اللذان يلازمان أي مشروع استعماري أو إمبريالي، ولكن هذا المشروع بالذات يتفوق على كل المقترحات السابقة كونه يسوَّق على أنَّه حلّ نهائي وسيُفرض من خلال الابتزاز الاقتصاديّ لسلطتي رام الله وغزة مختزلًا القضيَّة الفلسطينيَّة بمشاكل مياه غير نظيفة وكهرباء مقطوعة وبطالة...الخ.

هل يعقل أن ترامب يظن أن التسوية لم تتحقق إلى الآن بسبب انعدام الذكاء والجرأة لدى أسلافه؟ وهل تدفعه غطرسته للظن بأنَّ القضيَّة الفلسطينيَّة بثقل سنواتها الـ70 يستطيع إنهائها بإحراز بعض النقاط مع الأنظمة العربية؟ قد تشتري قيادات فلسطينيَّة وقد تشتري أنظمة عربيَّة بأكملها، لكنَّ الشعوب التي وقفت في وجه الموت ولم تخضع لن تشتريها ولو بمليارات الدولارات. إنَّ معركة الاحتلال والامريكيّين والمتساوقين معهم من الأنظمة العربية مع هؤلاء، وليست مع المفاوض الفلسطينيّ الهزيل الذي لا يملك لا الحنكة السياسة ولا التأييد الشعبي والمجرد تمامًا من أيّ ورقة ضغط. خصمكم هو شعب ما يزال موجودًا وسيبقى يقاوم: الآلاف التي تخرج لمواجهة قوات العدو في غزة والضفة وحيفا، والمقاومة المسلحة غيرت معادلة الردع، وطلاب في مدارس مخيمات الشتات يرفعون خارطة فلسطين رغم أنف المانح.