"عن صناعة “الرأي” والتلفاز واستخدام “المعرفة” في “فلسطين الدول المانحة

٢٧ كانون الثاني ٢٠١٦

في هذا المقال، أعالج كيفية صناعة “الرأي العام”، وعلاقته بمصالح “الفئة” المهيمنة، وكيفية شرعنته “معرفيا”، وتغليف “زعيق” مكبرات الصوت بسلطة المعرفة. من أجل ذلك، لا بد من تسليط الضوء على بعض الآليات التي يقوم بها النظام الاجتماعي القائم بإعادة إنتاج نفسه، عبر تلك الأجهزة (مفهوم لميشيل فوكو، وهي مزيج من الأعراف والقوانين والمؤسسات وشبكات النفوذ التي تجمع الأفراد والمؤسسات…) التي تغلّف فعلها وخطابها بـ”المعرفة”. تقوم هذه الأجهزة بإعادة إنتاج علاقات القوى القائمة في الفضاء الاجتماعي، باسم التغيير والفهم و”الصالح العام” وتقليل الفجوة الاجتماعية، بينما، في حقيقة الأمر، تعمل على تقنيع تعاظم سطوة “الفئة” المهيمنة ونفوذ أيديولوجيتها. بهذا، يتم تقديم الإقصاء وانحدار الموقع الاجتماعي للفئات المهيمن عليها تحت اسم التقدم والتطور والعدالة. بكلمات أخرى، تعمل أجهزة السيطرة هذه؛ على تقديم إعادة إنتاج الظلم الاجتماعي باسم التغيير والتقدم؛ على تقنيع أدوات الهيمنة وممارستها باسم المكاشفة والفضح؛ على ممارستها للهيمنة (التي تنكر وجودها أصلا) باسم الديمقراطية والقانون والصالح العام؛ على إنتاج الجهل والخطاب السائد باسم العلم والمعرفة.

“لا شيء يبعث إلى الدهشة لمن ينظرون إلى الشؤون الإنسانية بعين فلسفية أكثر من رؤية السهولة التي يُحكَم بها العدد الأكبر من قبل العدد الأقل، وملاحظة الخضوع الضمني الذي يُلجم الناس به عواطفهم الخاصة وأهوائهم لصالح حكامهم. عندما نتساءل عن الوسائل التي تم من خلالها تحقيق هذا الشيء المدهش، نجد انه: بما أن القوة في صف المحكومين، لا يجد الحاكمون ما يدعمهم إلا الرأي. إذ يرتكز هذا المبدأ على الرأي وحده، بحيث يمتد من الحكومات الأكثر استبداداً، والأكثر عسكرية إلى تلك الأكثر حرية وشعبية” ديفيد هيوم في “تأملات باسكالية” لبورديو.

باختصار، تعمل أجهزة السيطرة على:

  • صناعة “الرأي”؛
  • إعادة ترتيب المنظومة القيمية التي تفصل ما هو جيد عما هو سيء؛
  • تصوير الحقيقة الاجتماعية بطريقة وهمية تنافي الواقع إلا أنها تشرعّن وجود الفاعلين المهيمنين (أكانوا مؤسسات أم أفراد) والذين يحتلون المساحة الأكبر في “الشأن العام”، وبالتالي تقصي أولئك الذي يرون الحقيقة الاجتماعية بطريقة مغايرة؛
  • تعريف الأولويات والأحداث التي لا معنى لها بمعزل عن الأيديولوجيا المهيمنة.

هي الأجهزة التي تعيد تعريف الاهتمامات الفردية، الأهواء الشخصية والسلوك اليومي، “الهم العام” بطريقة تتناسب والحقيقة الاجتماعية كما يصورها الخطاب السائد الذي يخدم الطبقة المهيمنة ومصالحها وإعادة إنتاج علاقات القوى لصالحها.

اذا ما كان الرأي هو الداء، فمحاربة صناعته هي الدواء. الإشكالية تكمن في أن الرأي المهيمن ليس وليد تنظير فحسب، بل انعكاس مادي للبنية الاجتماعية والاقتصادية بالإضافة لشبكة من المؤسسات والأفراد، جميعها تعمل على صناعته. بهذا، تبقى محاربته بالوعي منقوصة اذا ما لم تحملها الطبقات المهمشة ماديا وبشكل جماعي. لكن، ربما يساهم الوعي الناقض، وتحليل بعض آليات أجهزة السيطرة وصناعتها هذه، في تجريدها، ولو قليلا، من سلطتها المعرفية. فالوعي سلاح في يد البائس، الذي يتواطأ مع شروط بؤسه (وفق بورديو) بفعل تقبله للعنف الرمزي الذي يمارس عليه نتيجة قلة الوعي.

لا تسعفنا مساحة هذا المقال لتفكيك بنية الأيديولوجيا المسيطرة في “فلسطين الدول المانحة” بعد أوسلو، إلا أننا نكتفي بالتذكير بخاصية هيمنة الريع والبرادايم (طريقة النظر) التنموي من جهة، وبـ”الفلسفة” النيوليبرالية وما يندرج تحتها من ثقافة استهلاك ومركزانية السوق من جهة أخرى.

بخصوص الريع، لا تحتكم هيمنة الممول (قدرته على التأثير والتغيير في سلوك متلقي التمويل وفعله وخطابه ورؤيته) على سطوة هذه الدول العسكرية والمالية فقط، بل والأهم انعكاس سطوتها المعرفية والتي تعمل على تصوير الحقيقة الاجتماعية في فلسطين على أنها “حقيقة ما بعد صراع“. أي أنها تقوم أساسا على تحييد السياق السياسي والاجتماعيباستخدام البرادايم التنموي كذريعة. فيتم تقديم الحلول وتعريف الأولويات عبر إعادة تعريف ما هو سياسي واقتصاره على التأييد والمعارضة ضمن سقف اتفاق أوسلو، حيث تغدو الحلول المقترحة مجرد وصفات تقنية وخطط إدارية. اذا، يتم تقديم المجتمع أو الفضاء الاجتماعي هنا وفق منطور إداري (هيمنة الإدارة، في  سياق ما يُعرف الآن بالإدارة العامة الجديدة) بعد أن يتم إخفاء الصراع الطبقي وعلاقات القوى الداخلية، والتطبيع الضمني والصريح لوجود الاستعمار والهيمنة الخارجية. بهيمنة الإدارة والرؤية التنموية، يختفي الصراع كليا من القراءة إلا لذكره أحيانا كمعيق للجهود الإدارية أو من أجل شرعنة سياسة تنموية ولا يتم التعامل معه بتاتا كمحدد بنيوي للفضاء الاجتماعي ككل. تعتمد هذه الرؤية على استدخال فرضية انتهاء الأيديولوجيا والتاريخ، أي محاولة إقصاء التاريخية عن قراءة الظواهر وتهميش دور العنف في صناعة التاريخ (على تقيض ماركس الذي يجعل من العنف محركا للتاريخ). فيصبح الماضي بلا تاريخ بعد أن يتم إقصاء الأحداث التاريخية من القراءة، ويغدو المستقبل بلا صراع كونه يعتمد على قدرات الإداريين في تطبيق وصفات التنمية، أي على الجهود الذاتية دون وضعها في السياق البنيوي التبعي الذي تعمل من خلاله. فتصبح عملية التنقل بالزمن أمرا خطيا (التاريخ بلا أيديولوجيا وبلا صراع) وبالتالي يمكن التحكم بالمستقبل عبر الخطط، أي أن المستقبل يخضع لقدرات الإداري وكفاءته. فيظهر الإداريون والتنمويون هنا كفرسان مخلصين، يجيدون بكفاءتهم وقدراتهم تحييد الصعاب وإدارة العمل وتقليل المخاطر. فيظهر المجتمع كأنه سوق مثالي أو شركة لا هم لها إلا المنافس تعمل على تراكم رأسمالها وفق معادلات رياضية صالحة لكل مكان وزمان. باختصار، يتم إسقاط الرؤية الإدارية ومعاييرها كحقائق صالحة لفهم المجتمع، فيتكاثر الإداريون وتزداد أعدادهم وسلطاتهم داخل المؤسسات البيروقراطية سواء كان ذلك لدى الممولين، السلطة، المنظمات غير حكومية، وحتى الجامعات ومؤسسات البحث.

على الضفة الأخرى، يعكس الفهم النيوليبرالي (الليبرالية الجديدة) للمجتمع النظرة الفلسفية التي ترى في السوق أهم أمثلة الحرية والتحرر. فيظهر الشعب على انه مجموعة من الأفراد، يحتكمون للعقلانية الاقتصادية ضمن هيمنة السوق. فيحل السوق مكان المدينة، باختصار مكان المجتمع، أي “المجتمع السوق”. تصبح حينها مفاهيم الإقصاء والتهميش مفاهيم مرتبطة بالسوق ومدى الاندماج به. تقتصر عملية الاندماج (عكس التهميش) بالقدرة على الاستهلاك كقيمة اجتماعية. فيصبح التنافس في الاستهلاك جزءا جوهريا من عملية التحرر والتحضر والاندماج والعملية المضادة للتهميش والإقصاء. ضمن هذه الرؤية لمركزانية السوق الحر، وحرية الأفراد الاستهلاكية، تختفي علاقات القوى والهيمنة والصراع من التحليل، فيختفي ضمنا الشق المتعلق بالإنتاج ويصبح موضوعا خارج الرؤية والتحليل. فالإنتاج تم احتكاره في مناطق “الشمال” (بعد حقبة كاملة من النهب والاستعمار)، وبالتالي يتم تقديمه وفق هذه الرؤية على أنه نتاج عمل مضن وتطبيق محترف لوصفات التنمية التي تحاول هذه الدول إسقاطها على الدول المتلقية للدعم.

ضمن هذا الفهم واعتبار التمويل كمحدد بنيوي يتم من خلاله مأسسة التبعية والهيمنة والرؤية التقنية، سأحاول الآن التركيز على ميكانيزم الهيمنة، وكيفية ممارسته عبر أجهزة السيطرة وبالتالي تجسيد الخطاب السائد للأيديولوجيا المهيمنة في زمن يتم تقديمه على أنه حقبة نهاية الأيديولوجيا والصراع. سأقوم بالتركيز على فضاءات تظهر متباعدة إلا أنها متداخلة ومتكاملة فيما بينها. سأعمل أولا على معالجة موضوع استطلاعات الرأي ودورها في صناعة الرأي وتحاورها المتناغم مع التلفاز والصحافة والمنتديات الاجتماعية. أسلط لاحقا الضوء على ارتداد ما يتم صناعته في الفضاءات الأولى داخل الحقل الأكاديمي، بحيث يتم اجتراره معرفيا من خلال “أنصاف المثقفين” باسم البحث العلمي.

صناعة الرأي العام

في مقابلة بعنوان “لا وجود للرأي العام” نُشرّت مع مجموعة أخرى من المقابلات في كتاب “أسئلة [مسائل] في علم الاجتماع”، يحاجج بورديو فرضية عدم وجود “الرأي العام” بذاته، ويذهب بالتالي لشرح كيفية صناعته عبر ما يسمى “استبيانات الرأي” بطريقة تجعل السياسي (المهيمن) يقول “الرأي العام معنا” على غرار “الله معنا” (في الحالة الفلسطينية، ما زال هنالك من يستخدم الخطابين معا لشرعنة وجوده وفعله). تساهم طريقة اختيار الأسئلة وطرحها (عادة أسئلة مغلقة “نعم ولا”) في ما يسمى استبيانات الرأي بعملية الصناعة هذه. المسألة لا تقف على حيادية الأسئلة أو معياريتها وبالتالي طريقة توجيهها للإجابات، بل أيضا أن حقيقة طرحها تتضمن في ذاتها عملية شرعنة للمواضيع التي تعالجها وتدور حولها كمواضيع “رأي عام”. فعملية طرح الأسئلة لا تفترض فقط أن هذه المواضيع تخص الجميع، بل أكثر من ذلك فهي تعتبر أن جميع من يتم سؤالهم يمتلكون أراء حول المواضيع المطروحة كونها تخصهم بشكل شخصي.

بكلمات أخرى، عملية طرح الأسئلة تتضمن الادعاء بأن هنالك من الأسباب ما يكفي للانشغال علنا بهذه المواضيع، كونها نابعة من مؤسسات ذات رأسمال معرفي ثقيل، مسؤولة عن الاستبيانات وعن معرفة توجهات الناس. هي مؤسسات تمتلك “الشرعية العلمية” والمعترف بها من الجميع، وبالتالي حقها “استشعار” ما يجول في الخواطر. لهذا، تكون المواضيع التي تطرحها خارجة عن حقل الجدل والنقاش، ووجودها وطرحها في الفضاء العام أمر بديهي ولا بد منه.

باختصار، تقوم هذه المؤسسات، عبر ما تسميه استطلاعات الرأي بصناعته، وببناء الحقيقة الاجتماعية وفق ما يخدم أيديولوجيا الطبقة الحاكمة أو المهيمنة. وفق هذه العملية، تعمل استبيانات الرأي على تعريف الأولويات في “القضايا العامة”، صناعة الحدث الواجب الاهتمام به في الفضاء العام، وإغفال ما يجب إغفاله. فلا عجب، وفق ثقافة الاستهلاك، أن يتم تناول موضوع عشق مغن صنعه التلفاز بمال الفقراء كموضوع رأي عام يستحق أن يتناوله الجميع والحديث عنه على الملأ. فارتباط المغني العاطفي استثناء تاريخي وقضية عامة تستوجب من الجميع التوقف عندها.

صناعة الرأي هنا ليست فقط بناء وتشكيلاً للحقيقة الاجتماعية، وإنما أيضا لتعريف ما هو حدث عام يستدعي النقاش، وما هو رث وهامشي وبالتالي لا يستحق أي عناء وأي وقت. هكذا، تعمل مؤسسات “الرأي العام” على صناعة الفضاء العام، تعريفه، رسم أحداثه، باختصار صناعة حقيقة لا واقع لها، وجعل الحياة مسرحا للفرجة بما يخدم الطبقة المهيمنة ومصالحها والتي تعمل هذه المؤسسات على إعادة إنتاج هيمنتها وأيديولوجيتها تحت شعار الرأي والصالح العاميين.

في عالم تسوده ثقافة الاستهلاك، تنتشر عملية صناعة الرأي بطريقة تعمل فيها على استخدام الأفكار الجاهزة والتغيير الممنهج لمنظومة القيم بطريقة تخدم النظام القائم والسلطات المهيمنة. على سبيل المثال، ساهمت استبيانات الرأي في الحالة الفلسطينية في عملية شرعنة التغير في منظومة القيم السائدة عبر تهميشها للقيم الوطنية بالمعنى السياسي التحرري لصالح مشروع “بناء الدولة”. فعالجت استبيانات الرأي في فترة سلام فياض مواضيع “التقدم” في مسألة “بناء المؤسسات”، “التقدم” في موضوع “الشفافية والمهنية والحوكمة” والطرق الفعالة والكفؤة لاستخدام “التمويل” في عملية “التنمية” (استبيانات ممولة لا يتسع مقالنا هذا لذكرها وتحليل أسئلتها). أصبحت هذه المفاهيم معايير العمل الجديد في “الشأن العام” حين انتقلت العدوى لتصيب المقالات الصحفية، وبعض البرامج التلفزيونية، ومجموعة لا بأس بها من “الأبحاث”. فامتلأت المقالات والأبحاث بالوصفات والأفكار الجاهزة والتوصيات حول “زيادة فعالية التمويل”، وكيف يمكننا الاستفادة منه بكفاءة ونجاعة؟ دون نسيان الندوات التي جعلت من “التمويل شرا لا بد منه”. هي حلقة مفرغة، يتناول فيها الجميع نفس المواضيع، باستخدام الأفكار ذاتها والتي يسهل لفظها وتقبلها والاستماع إليها، أي قابليتها في التواصل، من كثرة تناقلها وابتذالها. فتصبح مسلمات لا تحتاج للبحث والتمحيص والدراسة، وكأنها الحقائق الأبدية اللاتاريخية والتي يجب على كل تحليل البناء عليها. تكرار وإشباع لـ”بديهيات” لا تاريخية لها، تجعل من الوهم حقائق راسخة لا تحتاج لأي تفكير.

باختصار، في وطن تم مأسسة الانقسام فيه، وتجريم العمل الوطني بل وتسخيفه وجعله سبب الهلاك في الخطاب السائد، أقصد في الفترة التي اعتمد فيها فياض على شرعنة حكمه على “المهنية” والشفافية” كنقيض أساس للعمل والقيم الوطنية، سادت، من جهة، الاستبيانات الممولة التي تعالج هذه المواضيع لتشيد بحجم التقدم الذي أنجزته عملية “المأسسة” على صعيد “البناء”، “المحاسبة”، “الشفافية والحوكمة”، “التنمية الشمولية”. من جهة أخرى، مع استثناءات قليلة، سادت الأبحاث التي تدعي تفكيكها للمنظومة والتي لم تكن سوى انعكاس ساذج للخطاب السائد باسم الأكاديمية. فأخذت تجتر مصطلحات الخطاب السائد مرة بلغة “يسارية”، ومرة بلغة “البناء والمأسسة والعقلانية”، حتى أصبحت القيم التي يروج لها، القيم المرجعية التي يجب أن نحققها، بطريقة “وظيفية” لنصل إلى البناء والتطور المنشودين. فنادى البعض باعتماد “الفياضية” ليس فقط كنهج “ثوري” في فلسطين، وإنما كنموذج ملهم للوطن العربي. ضمن خطاب مكبرات الصوت في تلك الفترة، كان من السهل اعتبار من ينتقد فياض بناء على تحليل الوقائع على الأرض بالمزاود، أو بمن لا يريد للمجتمع الازدهار والتقدم والأمن.

باختفاء فياض، ومع الهبة الأخيرة، عادت مفردات الخطاب التي تم شيطنتها خلال الحقبة الماضية. فانعكست “القيم الوطنية” في الخطاب الجديد (حتى في مقالات فياض نفسه بعد زيارته الأخيرة لغزة، والذي طالب فيها تشكيل الحكومة من السياسيين وليس من الأكاديميين عكس خطابه السابق). قيم يتم استخدامها بطريقة دغمائية لتصفية الحساب مع فلان، وشرعنة سلوك فلان. فيُعزل عضو لجنة مركزية باسم الخيانة ويتم إعادة ترتيب المناصب (لا يعني هذا إعادة ترتيب للبينة) في منظمة التحرير باسم القيم الوطنية وضرورة الحفاظ عليها. صحيح أن الإرث النضالي من ناحية تاريخية لا يسعف كثيرا ممن يدعون امتلاكه، إلا أن استخدام القيم الوطنية عاد من جديد إلى المشهد نتيجة للتناقض الشديد بين بنية أوسلو والأدوار التي تصقلها مع القيم الوطنية بالإضافة للفشل الواضح الذي اعترى خطط التنمية التي لم تعد فقط بالدولة والاستقلال بل أيضا بالرفاه والتخلص من الاعتماد على التمويل.

بغض النظر عن اللغة المستخدمة، هدفت استبيانات الرأي وعملية تناقل مفردات الخطاب السائد إلى تأبيد علاقات القوى لصالح فريق أوسلو الذي استدخل حقيقة “فلسطين الدول المانحة” (بالمعنى المشار إليه أعلاه). أما عملية الإقصاء التي تعرض لها بعض الأفراد (المسؤولين السابقين)، فلم تكن سوى تصفية حسابات داخل الطبقة المهيمنة دون أي تأثير في بينة علاقات القوى.

الإلهاء باسم الاستثناء والابتذال من كثرة التكرار

اذا كانت استطلاعات الرأي قد ساهمت في تدعيم أرضية الخطاب السائد، كان للتلفاز والصحافة نصيبهما في ابتذال المواضيع وصناعة الأحداث. في هذا الصدد، لا بد من الإشارة إلى أنه وعلى الرغم من الاختلاف الظاهر بين مجموع الصحافيين (اختلاف في الأصل الاجتماعي، في الشهادات التعليمية أو اللاتعليم الخ)، يتقاسم هذا “الجسد” خاصية بنيوية (كما يبين بورديو في عمله  عن التلفاز والذي أعتمد بشكل كبير عليه لهذا المقال) ألا وهي تعرضه الدائم للمحدد البنيوي: الوصول إلى المشاهد ضمن سياسية تنافسية تجارية من جهة، ونستطيع إضافة تأثير السياسية الحزبية بالمعنى الرث من جهة أخرى. يقوم هذا المحدد البنيوي بصقل منطق العمل بضرورة السبق الصحفي، وتسجيل “الضربات” من أجل التميز التنافسي بين إذاعات التلفزة. أود الإشارة هنا أن نقدي لبنية الصحافة لا علاقة له بإصدار أحكام قيمة على الصحفيين أنفسهم.

ما يهمنا هو أن أعداد كبيرة في المجتمع تعتمد على التلفاز كمصدر للمعلومة والتحليل، وفي حال ما قررت مجموعة أن تعتمد على القراءة، فقلما تجد ما يسعف ضالتها في الأبحاث المنشورة (سأعود للبحث العلمي لاحقا). دون نسيان موضوع “ندرة” الوقت على التلفاز بما يتعلق بالتفكير العميق وتنافس محطات التلفزة فيما بينها على ابتذال الأفكار (أنظر لاحقا)، يصبح التلفاز خطرا حقيقيا سواء على مستوى المصطلحات المستخدمة، المواضيع المقترحة، صناعة الأحداث، ليس فقط لأنه يؤثر في وعي الجمهور والمشاهد، بل لأنه يخلق هذا الجمهور والمشاهد الذي يريد.

يوضح بورديو في عمله عن التلفاز، أثر الصورة على الوعي بل وأثرها على الحقيقة وفيها. ففي الوقت الذي يظهر الزمن كعنصر ثمين على التلفاز، خصوصا أثناء حلقات الجدل “الفكرية” (على غرار “الوقت يداهمنا” لفيصل القاسم)، تمتلئ شاشات التلفاز بالقضايا العامة جدا، والتي من شدة عموميتها لا تفقد معناها فقط بل تبلغ حد الابتذال. مثل هذه القضايا هدفها تعبئة وقت “فراغ” المشاهد أو بالأحرى صناعة وقت فراغه، صناعة ذوقه، صناعة مراجعه القيمية والاجتماعية.

على الرغم من التنوع الظاهر لقنوات التلفزة، تعمل جميعها في تنافس فيما بينها، بطريقة تحتّم على الجميع تناول نفس المواضيع مع اختلاف بسيط في تراتب أهميتها (هذا الموضوع يخص الصحافة الإلكترونية المكتوبة أيضا، التي لا تكتفي فقط بنشر المواضيع نفسها، بل تعتمد غالبا القص واللصق للمقال نفسه حتى دون الإشارة للمصدر). صناعة المشاهد هذه تحدث اذا عبر ما يسميه بورديو “الإخفاء من خلال ادعاء الإظهار”، صناعة وقت الفراغ، وتجانس الإعلام بالمعلومات التي يزودها ونوع التحليل الذي يقوم به.

باختصار، لن يكون الحدث حدثا اذا لم يتناقله التلفاز، وتصبح الأشياء العابرة التي لا يكترث بها أحد أحداثا هامة واستثنائية اذا ما تناقلها. فالناس يفضلون الإثارة والاستثنائية، لهذا لا يعقل في حالة التنافس أن يتم تقديم ما هو عادي، بل يجب التركيز على الحصرية والاستثنائية حتى في أتفه المواضيع. يحرص التلفاز على استثنائية ما ينقله، حتى تتهافت وسائل التلفزة لنقل دردشات القائد العام على أنها “خطاب تاريخي” سيغير وجه البلد. بهذا، يمتلئ الفضاء العام بهذيان استثنائي، بحقائق لا أرض لها، بواقع منفصم عن ما هو مُعاش.

ضمن ثقافة الاستهلاك، والابتذال والابتعاد عن الجدل العميق بحجة تبسيط النقاش “للمشاهد البسيط” (حجة أيضا تستخدم لحذف النقد والعمق النظري من الأبحاث العلمية، أي ضرورة التبسيط)، يصبح التلفاز (كما الفيس بوك والمنتديات الاجتماعية) ناقلا للفكر الثنائي الساذج. أي الأبيض مقابل الأسود، الإعجاب مقابل الازدراء، الابتذال مقابل العمق، الاعتماد على الدراما والبكائيات والإنسانيات مقابل الحجة والعقل. كما أنه خلال مراحل التسييس الشديد (تحديدا في ظل الانقسام)، تتبارى أجهزة التلفزة على التحريض الداخلي لأغراض المناكفة الحزبية. فأغلب الصحافيين، حتى وهم يذكروننا بحياديتهم، لا يتوانون عن تسجيل رأيهم ضمن رأي الجماعة السياسية التي ينتمون إليها.

ابتذال الفكر وغياب العمق متعلق أيضا بالبنية التنافسية للتلفاز. فالفكر العميق كما يحاجج بورديو في المصدر المذكور، يحتاج للتأمل والحجة والبيّنة التي تستوجب زمنا لا يستهان به. بنية التفكير العميق لا تتلاءم مع ما يحصل في التلفاز و”ضرورة” السرعة في تقديم المعلبات “الثقافية السريعة” على غرار “الوجبات السريعة”. فـ”زبائن التلفاز” (المحللون مدفوعو الأجر) موجودين في حلقات النقاش أمام من يتم دعوتهم بشكل موسمي لإظهار اتزان النقاش ووجود الرأي والرأي الآخر. لا يمكن لهؤلاء التعمق ضمن عملية تقسيم الوقت داخل حلقات النقاش، وتقسيم الأدوار، وتقسيم القيم الرمزية للحديث من قبل الصحافي. فهذا الأخير هو من يحدد أهمية المتحدث، مضمون الحديث، متى يتحدث، كم من الوقت المخصص له، على ماذا يجيب بعد أن يكون قد صاغ إشكالية النقاش بطريقة تحقق السبق الصحفي في بنية التنافس. يقوم بهز رأسه، بالتعليق بكلمات عابرة لإعطاء الأهمية أو لتسخيف ما يقال. في حضرة الصحافي، ملك الشاشة، يختفي الفكر، ويتم إشباع المشاهد بحكم القيم الضمني الذي يعمل الصحافي على بثه من خلال حركاته التمثيلية وكلماته وطريقة لفظها ونبرة صوته (باستهزاء، باحترام، برفع صوته أحيانا، بخفضه الخ.) وإسكاته للمتحدث أحيانا وطلبه منه الإسهاب أحيانا أخرى.

بهذا، يعمل الصحافي كما يوضح بورديو على تجريد الأفكار من عمقها. وحين يقف عاجزا على فهم فكرة عميقة، يطالب المتحدث بتبسيطها. أي أن الصحافي بدلا من أن يعترف بقلة ثقافته وحتى “غبائه” في هذه الحالة (والحديث لبورديو)، يعمل على استخدام “الصورة النمطية” أو الفكرة الجاهزة حول “غباء المشاهد”، فيصبح “الناطق باسم الأغبياء”، ليجرد أي فكرة من أهميتها وعمقها. تتشارك بعض مراكز الأبحاث هذه الخاصية، فتصبح “الناطقة باسم الأغبياء” حين تطالب الباحث بحذف البعد النظري، لـ”صعوبته” على الفهم من قبل الفاعل والقارئ “قليل الفهم”.

ثنائية التفكير (أبيض مقابل أسود)، وتسطيحه تجعل من أي نقاش فلسفي وعميق صعب المنال خصوصا اذا ما تم ترويض أجيال كاملة من المشاهدين على هذا الفكر الساذج. فليس عجبا بعدها أن يصبح التلفاز ليس فقط صانعا “للثورات” التي تفتقر للوعي، “للهبات” على التلفاز فقط، للأسواق، للثقافة، للمغنيين، بل وأيضا للمفكرين. دون الحديث عن الدعايات وأثرها، يكفي النظر للمسلسلات التركية رغم انفصالها عن واقعها وأثر ذلك ليس فقط على الحياة الاجتماعية بل وعلى سلوك الاستهلاك بما يتعلق بالملابس التركية. واذا ما فكر أحدهم بظهور هذا المحلل أو هذا المفكر لمحاولة معرفة ما أضافه من معرفة، سيجد في أغلب الأحيان، أنه لم يضف سوى طلعته البهية. فالظهور على التلفاز هو أحد أهم أهداف الكثيرين، فرؤيتهم تعني وجودهم (كما يوضح بورديو مقتبسا بيركلي)، تعني باختصار صناعتهم. أما الجريمة، فتكمن في صناعة المفكر، رجل الدين، باختصار المرجع الملهم للمشاهد الذي تتسابق عليه محطات التلفزة وفق المحدد البنيوي: التنافس للوصول لمشاهد.

ضمن هذا السياق، على الرغم من رغبة بعض الصحافيين في محاولاتهم الجادة للتغيير، وإضفاء معنى مسؤول لعملهم، يبقى المحدد البنيوي العامل الأهم في تحديد سلوكهم المنسجم مع معركتهم على السبق الصحفي والملتزم بقاعدة التنافس على المشاهد وفق التفكير الثنائي والاستهلاكي الرث. وتبقى محددات البنية الأهم في إجبار محطات التلفاز على تغطية الأحداث التي تعالجها أجهزة تلفزة أخرى. فالتميز هنا يعني شدة الانسجام، أي ضرورة معالجة المواضيع التي يعالجها المنافس مع إضافة بعض المسائل التي لم يتم نقاشها من أجل التميز ضمن التناغم. فتختفي المواضيع التي تستحق النقاش ويسود الانسجام حد الابتذال، مما يجعل الفارق بين قنوات التلفزة في الرقم الذي تظهر فيه على جهاز التلفاز ذاته.

يكفي النظر للبرامج “الفنية” الأخيرة (برامج “اكتشاف” المواهب والأصوات)، وكيفية محاولة كل قناة تلفزيونية قص ولصق أفكار قنوات أخرى (تحديدا قنوات التلفاز الغربية الاستهلاكية) حتى في شكل (قصة الشعر والصلعة) وعدد أعضاء لجان التحكيم. ابتذال للفن والموسيقى، مع تمثيل مصطنع لرجال التحكيم وحتى للممتحنين أنفسهم الذين يقبل جزء منهم لعب دور البهلوان سواء مقابل بعض المال أو مقابل ظهوره على التلفاز. يبعث للأسى الحجم المأساوي لثقافة المغنيين الذين لا صوت لهم وتسابقهم على تقييم الأصوات أو اللأصوات “الشابة”. صنع الفراغ بابتذال الفن، وصنع “الفن” بابتذال الجوهر. هي آلة السوق التي تعمل على صناعة الذوق الفني. أكثر من ذلك، بعض برامج التلفاز صارت كبديل للواقع السياسي البائس، تصنع الرئيس تلفزيونيا عبر لجان تحكيم، فالرئيس في الواقع السياسي حقيقة مطلقة لا تتغير إلا بانتهاء الأجل، فصار يتم الاكتفاء باستبداله في الواقع الوهمي الذي يصنعه التلفاز.

هنا لا بد من إيضاح ما سبق عبر استخدام أمثلة تشغل الصحافيين هذه الأيام، وكيفية تغييب الجوهر لصالح قضايا ثانوية. ظهرت مؤخرا بعض المقالات التي تشيد بشجاعة الصحافي بطرح الأسئلة وضرورة فعل ذلك من جهة، ورحابة صدر المسؤول وصراحته في الإجابة عليها. أقصد السؤال الموجه للرئيس عن الشخصية التي ستخلفه. هنا لست أمام إصدار أحكام قيمة على الأشخاص بقدر محاولتي لتحليل منطق الأمور.

لا بد للتذكير هنا أن أحد مهمات الصحافي هي طرح الأسئلة من اجل استقاء المعلومات وتوفيرها للمشاهد، وأن مهمة المسؤول (اسم مفعول لفعل سؤال) هي الإجابة ليس من باب رحابة صدره بل من باب أنه مكلف من الناس بالعمل في الشأن العام (على اعتبار أن منصبه كان نتاجا لفعل انتخابي ديمقراطي). ففي الوقت الذي يتم طرح مثل هذا السؤال، علينا استحضار العديد من السياقات، أهمها “طبيعة الجسم الذي يترأسه الرئيس” والسياق القانوني الذي يعتمد عليه السائل والمسؤول. فمن جهة، تجاوز الرئيس “المسؤول” ضعف مدته القانونية في رئاسته وأنه من الواجب، لا من باب الشجاعة فقط، طرح مثل هذا السؤال من قبل أي صحفي ملتزم. ولكن بما أن الخوف من العقاب هو ما يحدد سلوك الصحافي والأسئلة التي يطرحها، يصبح مجرد سؤاله مثالا في الشجاعة. من جهة أخرى، بعد أن كانت المقاربات لـ”فلسطين الدول المانحة” تستحضر سنغافورة والنظم الغربية للإشارة لمدى التنمية والديمقراطية المنشودتين، صار استحضار النماذج الدكتاتورية لعقد المقارنة في حالتنا هذه لإظهار تسامح المسؤول مع عملية طرح الأسئلة. أليست حقيقة تجاوز الرئيس لمدته القانونية كافية لجعلها قضية عامة؟ وبالتالي تستحق وقوف الصحافة أجمعها لنقاشها وبشكل يومي منذ فترة لا يستهان بها؟ السنا نعيش في كانتونات يغلقها الاحتلال متى شاء حتى نضع هالة حول “منصب” لا منصب له مما يستعدي خوفنا من النقاش في مصيرنا ومصائر أبنائنا؟ هذه الهالة حول رحابة صدر الرئيس، وكأننا نسأل في المحرمات في دولة الرفاه؟ لماذا على الصحافي حين سؤاله عن شأننا العام، أن يبرر عملية طرح لسؤال “من بعد الرئيس” ويلحقه بـ (بعد عمر طويل إن شاء الله) لشرعنة سؤال من البديهي طرحه بل ومن الواجب المهني والأخلاقي والسياسي الاهتمام به ليس فقط كسؤال وإنما كقضية عامة تحتل البرامج التلفزيونية بشكل يومي. ما هو المشروع الذي يشرعن بقاء الرئيس وعلى ماذا تم انتخابه؟ ما هي الإنجازات؟ أين وصلنا من الخطط التي رسمها السياسي لنا وساهمت الصحافة بالتصفيق لها؟ أين وصلنا في “معارك الأمم المتحدة” التي قامت الصحافة بتغطيتها على أنها معارك ما قبل التحرير؟ متى اجتمعت اللجان التنفيذية والمركزية ومؤتمراتها ومختلف المجالس آخر مرة للحديث عن المشروع السياسي وانتخاب هيئاتها؟ كيف ولماذا تم إقصاء من قام الصحافيون أنفسهم بالتغني لهم سابقا بالصوت والصورة؟ ما هو مشروعنا السياسي؟ المسألة ليست فيمن سيخلف وإنما فيما سيخلف وما هو مشروعه؟

على صعيد آخر، ظهرت حملات دفاعية عن أحد الشخصيات التي يتم الحديث عنها كبديل للرئيس. لسنا هنا للتشكيك بالإرث النضالي لصاحب الشأن، وإنما بإيضاح أن حجم حملة الدفاع فاق بكثير حجم “الهجوم” الذي تعرض له (ربما سمع العديد من الناس عن الهجوم عبر حملة الدفاع ذاتها، أي أن الدفاع لم يكتفِ بالدفاع بقدر ما عمل على الترويج والصناعة). نحن لسنا فقط في عملية صناعة للرئيس القادم وفي الحملة الانتخابية، بل إن حجم المشاركة يؤشر أن هذه الصناعة أدائية، أي خلقت حقيقة راسخة مفادها أنه تم اختيار الرئيس القادم حتى دون انتخابات بفعل عمليات الدفاع الكبيرة. بهذا، صار الجميع مجبرا على أن يعطي رأيه وأن يتقرب الآن قبل فوات الأوان وإلا حسب عليه عدم الدفاع عن الرئيس المتوقع في الوقت الذي كان لزاما عليه فعل ذلك. هكذا، تتم صناعة الحقيقة حول البديل المتوقع للرئيس بحرف النقاش حول الإرث النضالي وتهميش الحديث عن المشروع السياسي والبنية التي سيعمل من خلالها. سيقول البعض أن التركيز على الإرث النضالي جاء من طبيعة الهجوم التخوينية. ألم يقل المثل “الشمس لا تغطى بغربال؟” وأنه لا داعي لكل هذا.

بكلمات أخرى، تعكس عملية استحضار الإرث النضالي حجم التناقض الجوهري بين هذا الإرث وبنية أوسلو، أي بين النضال والدور الملقى على الرئيس وعلى أجهزة الأمن في بنية “فلسطين الدول المانحة”: المال مقابل أمن الكيان (كما تشير معظم الدراسات التي تحلل استراتيجيات الممولين في “فلسطين الدول المانحة”). المسألة لا علاقة لها بانتماء وصدق الأشخاص، بل بالبنية التي تم تدشينها بالتبعية وبتطبيع وجود الكيان، بالحقبة المفاهيمية والقيمية التي جسدتها اتفاقيات أوسلو. ألم يقل درويش “ما أكبر الفكرة؟ ما أصغر الدولة؟”. ألا يحق للشعب الفلسطيني أو للطفل الفلسطيني أن يحتج على مشروع الدولتين بعد أن صارت المستعمرات في الضفة أكبر وأهم من مدننا التاريخية وبعد أن تم تهميش مخيمات اللجوء على المستوى الرسمي وحتى من قبل المنظمات الدولية التي “تعمل لصالح” اللاجئين؟

لماذا يصبح الإرث النضالي لمسؤول ما، و”رحابة” صدر الرئيس (الذي يرتع على صدورنا حين تستخدم سياراته المصفحة شارع مديتنا الوحيد المملوء بالتنك والنفايات) وقدرته على سماع الأسئلة التي ضقنا ذرعا بها قضايا عامة ذات أهمية، في الوقت الذي يجب أن تكون فيه كلمة الصحافي سيفا مسلطا على رقاب المسؤول؟ أليست الصحافة “السلطة الرابعة” والأمين على الصالح العام؟ كيف يرضى الجسم الصحافي بمثل هذه الهفوات؟ وكيف يمر البؤس الذي نعيشه وحالة التشرذم التي وصلنا لها دون نقاش بينما نتغنى بتفاصيل لا معنى لها في الشأن العام؟

ليس من المستبعد أن نشهد قريبا مجموعة جديدة من استبيانات الرأي، التي تعمل على صناعة البديل القادم للرئيس الفلسطيني بطريقة تعمل على صناعة تاريخ وطني ومهني لكل بديل، من خلال نوعية الأسئلة وكيفية طرحها مع تهميش كامل لتحليل بنية أوسلو ذاتها. هكذا، باسم محاولة معرفة توجهات الناس حول البديل، يتم صناعته، تجسيده، ليس فقط كبديل للمستقبل، بل كبديل نتج من رحم التاريخ بينما تعيد بنية التبعية إنتاج ذاتها.

هكذا، يتداخل عمل الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي مع التلفاز واستطلاعات الرأي (وما يسمى البحث العلمي، أنظر لاحقا) في صناعة الرأي والأحداث والأوليات. عملية تقنيع تتيح للطبقة المهيمنة إعادة إنتاج لذاتها وللبنية التي تحملها وتشرعن وجودها. كل هذا يحدث بتهميش العمق وتسطيح الجدل والتركيز على صفات الشخوص بينما نتهاوى في بنية من التبعية والبؤس. هكذا امتلأت الساحات العامة كما يقول نيتشه بالكوميديين الذين يعكسون منطق الأمور باسم التحليل ويفقدوننا صوابنا باسم الإقناع.

اجترار الخطاب السائد باسم “البحث العلمي”

ربما تكمن أهمية البحث العلمي في واجبه بإماطة اللثام عن المساحات التي تمارس فيها الهيمنة بالطرق الناعمة كما يحصل في التلفاز وفي استبيانات الرأي. باختصار، ما يهدف إليه الباحث الملتزم هو إنتاج خطاب علمي رصين مقابل الخطاب السائد الذي تدعمه أجهزة السيطرة التي تبث سمومها في وعي المجتمع. أقصد بالبحث هنا، الإيمان والشغف والتوق للانعتاق والتحرر المبني على الوعي والفهم، وليس البحث كمهنة للارتزاق، أي المهنة التي تحتكم لقوانين سوق العمل، وبالتالي يتأثر مضمون ما تنتج وفق الطلب. يكفي التذكير هنا بما قاله ماكس فيبير بهذا الشأن، أن الباحث عندما ينتج معرفته يتمنى لها الزوال، كون زوالها يعني نجاحها أي قدرتها على صياغة أسئلة جديدة تمكن من التقدم بالمعرفة. فنجاح البحث هنا قائم وفق هذا الشغف على فكرة الزوال لا الخلود عكس عملية إنتاج التحف الفنية.

تكمن صعوبة إنتاج الخطاب المعرفي في مجموعة من المحددات البنيوية والذاتية. “باختصار، إن الخطاب العلمي، في صراعه ضد خطاب مكبرات الصوت ورجال السياسة وكتاب المقالات والصحافيين، يجد كل شيء ضده: الصعوبات، وبطء تبلوره الذي يأتي، في أغلب الأحيان، بعد انتهاء المعركة؛ وتعقده المحتوم [حتمية صعوبة لغته] الذي يثبط عزيمة الناس البسطاء وغير البسطاء أو، بكل بساطة، أولئك الذين لا يملكون راس المال الثقافي الضروري لفك رموزه؛ وحياديته التجريدية التي لا تشجع التماهي وكل أشكال الإسقاطات المكافئة، وخاصة ابتعاده عن الأفكار الجاهزة والمسلم بها. ولا يمكن أن نمنحه قوة حقيقية إلا من خلال منحه القوة الاجتماعية التي تتيح له فرض نفسه. وقد يتطلب هذا، من خلال تناقض واضح، أن نتقبل الدخول في اللعبة الاجتماعية التي يعلن عنها ويدين منطقها.” بورديو في تقديم “مسائل في علم الاجتماع”.

من الاقتباس السابق، تظهر العديد من الصعوبات، منها تلك المتعلقة بصعوبة اللغة والخوف من التبسيط وبالتالي الوقوع في فخ التسطيح كما أظهرت سابقا بخصوص التلفاز، مما يجعل الوصول لهذه المعرفة أمرا “نخبويا” عكس خطاب مكبرات الصوت الذي يصل مسامع الجميع ويؤثر فيها بفعل استخدامه للأفكار الجاهزة للقول والسماع، أي تلك الخاضعة لمبدأ سهولة التواصل بالنطق والقبول.

في الحالة الفلسطينية، الأمر أكثر مأساوية. نحن أمام غياب الشرط البنيوي للإنتاج المعرفي. فبالإضافة لصعوبة لغة الإنتاج المعرفي، تظهر مسألة استحالة إنتاجه بالمعنى البنيوي وليس الفردي. بما أن أجهزة السيطرة تستخدم “المعرفة”، فمن البديهي أن تسعى للسيطرة على الحقل الأكاديمي. تظهر نتائج هذه المعركة في المحدد البنيوي الذي جعل من الجامعات الفلسطينية مراتع للتمويل وكأنها جامعات للمنظمات غير الحكومية التابعة لأمزجة الممول المعرفية. هذا بالإضافة، للتهميش الرسمي لدور الجامعات والمحاولة الدائمة لحقل السلطة للسطو على المعرفة مما أدى إلى غياب وجود مؤسسات بحثية مستقلة بالمعنى الحقيقي. أكثر من ذلك، صارت العلوم الاجتماعية والإنسانية تابعة للنظام القائم تماما عكس جوهر وجودها الجدلي والمشتبك معه. نرى ذلك في عملية خضوع الجامعات حديثا لمنطق السوق والتعليم الموازي؛ ضعف وحتى غياب الموازنات للبحث العلمي داخل الجامعات؛ صعوبة الاعتراف بالبحث العلمي من أجل منع الترقيات الداخلية في الجامعات خوفا من التكاليف المالية المترتبة على ذلك ومن تنامي السلطة المعرفية لبعض الأساتذة؛ الشروط السخيفة لمعادلة الشهادات العليا التي تجعل من أختام المطارات لتعداد الأشهر في بلد الدراسة أهم من مضمون الدراسة ذاته؛ تعامل الجامعات مع الأساتذة كمقدمين خدمات (بالقطعة) ومع الطلبة كزبائن وبالتالي مأسسة العمل غير المتفرغ وقبول من يستطيع دفع القسط، وما ينتج عنه من فوضى في العملية التعليمية وعدم التنسيق بين الطاقم التعليمي بالإضافة لصعوبة إيجاد المال والوقت من أجل بحث رصين يعتمد على دراسات معمقة للميدان؛ محاولة البعض وتحديدا في العلوم الاجتماعية، بدلا من المحافظة على دور الجامعة كحامل للتغير، بترويضها لتصبح أداة في يد السوق وما يترتب على ذلك من مواد تعليمية يجب حذفها وأخرى يجب استحضارها. هذه المحددات تلقي بأثرها على التنافس الداخلي بين الأساتذة بطريقة تجعل من السرقة الأكاديمية عادة، ومن التنافس على المناصب الحل الوحيد في تسلق السلم الهرمي وما ينتج عنه من محاولة إقصاء استباقي لكل من يمتلك رأسمالا أكاديميا ثقيلا للدخول في بنية الجامعة الرسمية. كل هذا دون الحديث عن الطائفية الحزبية والدينية والزبائنية وتأثير الجنسانية على عملية التوظيف.

ففي الوقت الذي تكمن فيه أهمية البحث العلمي في قدرته على الفصل (القطع) عن الخطاب السائد، تظهر بنية الجامعات التابعة للسوق والريع والحقل السياسي كمحدد يزيد من صعوبة هذه العملية المعقدة. فالفصل كما يوضح بورديو في كتابه (مع آخرين) “مهنة [حرفة] عالم الاجتماع” يجب أن يكون ليس فقط مع الخطاب السائد والحس العام، بل مع جميع التمثلات الاجتماعية التي يعكسها هذا الخطاب ومع جميع “الأفكار المسبقة” الجاهزة والتي اعتاد التلفاز تناقلها والمشاهد الاستماع إليها والاستمتاع بها. احدى هذه التمثلات تكمن في اللغة. لهذا، يلجأ الباحث لاستخدام المصطلحات والمفاهيم التي تسمح له بوصف وبناء الحقيقة الاجتماعية بطريقة رصينة تعكس الميدان ومعطيات الميدان بعيدا عن (بل عبر تفكيك) تصويرات الخطاب السائد وأجهزة السيطرة التابعة له. إشكالية جديدة تظهر هنا: تبعية الحقول الأكاديمية في المنطقة العربية للنظريات التي أنتجتها المركزانية الأوروبية بشكل عام. هذا لا يمنع من استخدامها، إلا أن ذلك يتطلب جهدا كبيرا ومسؤولية كبيرة للتعامل معها برصانة، بطريقة تضمن استخدام المفاهيم دون فصلها عن السياق التاريخي الذي نتجت فيه وعنه، ومع وعي كامل للصور الضمنية التي ترسمها عملية استخدام المفاهيم. دون ذلك، يقع الباحث في إشكالية صياغة حقيقة اجتماعية منفصلة عن الواقع أو إعادة إنتاج الخطاب السائد باسم المعرفة. أي أنه في محاولة نقده للنظام القائم، يقع في نفس الفخ إما بتشويه الحقيقة أو عبر إعادة إنتاج الخطاب السائد عن قصد أو دون قصد وشرعنته معرفيا.

من جهة أخرى، لا تساعد تبعية الحقل الأكاديمي للأحزاب السياسية وللحقل الاقتصادي على عملية الفصل هذه. أكثر من ذلك، التبعية الكاملة للفضاء الاجتماعي الفلسطيني للريع الدولي تجعل من الحقل الأكاديمي مرآة للتصورات النظرية المغلوطة التي تبث سمومها المنظمات الدولية. فهذه الأخيرة تعمل وفق ما ذكرته سابقا على تصوير الواقع بطريقة تحيّد فيها السياق السياسي والاجتماعي، وتجعل من تصوراتها النيوليبرالية القائمة على فردنة المجتمعات، على تحييد الصراع، على مركزانية الاستهلاك، التصورات المطلقة للمعرفة. يقع العديد من الباحثين، وأنصاف الباحثين بلعبة الفصل الوهمي، بحيث يقومون؛ بمعالجة إشكاليات نتجت عن هذه التصورات دون حتى التمحيص في عملية بنائها النظري؛ باستخدام مفاهيم قامت هذه المنظمات بالسطو عليها من الحقول الأكاديمية بعد أن أعطتها أدوارا أدائية وسياسية تخدم تصوراتها. فيكفي النظر، على سبيل المثال، إلى المواضيع التي تدور حول موضوع “التنمية”، “المجتمع المدني”، الأدوار “الواجب فعلها”، موضوعات “الشباب” و”المرأة” لمعرفة حجم الملهاة التي وقع فيها المجتمع الفلسطيني، نتيجة تبعيته للريع من جهة، واستخفاف الباحثين في الأوراق التي يملؤونها بالسخافات يوما بعد يوما تحت اسم البحث العلمي من جهة أخرى.

من أجل الإنصاف، لا بد هنا من الحديث عن صعوبة عملية الفصل هذه بالإضافة لما سبق من محددات بنيوية. فمن جهة، هي بحاجة لعملية تأمل ذاتية عميقة وقاسية قلما يستطيع المرء فعلها دون تجربة ودون ممارسة ودون عمل جماعي. أي أن توقيتها غالبا ما يأتي متأخرا اذا ما اعتمدنا غلى القدرات الفردية. فعملية الفصل، تتضمن التغيير في الذات المتأملة، كونها توجب على الباحث الفصل مع الصور النمطية التي استدخلها عبر تنشئته الاجتماعية، وتعرضه للخطاب السائد وأجهزة السيطرة بالإضافة لضرورة تحليله لمكانته الاجتماعية. فالبحث الملتزم والرصين، والذي يأتي سؤاله بناء على تجربة شخصية، عادة ما يغير في شخصية الباحث كونه يغير في طريقته للنظر في موضوع يعنيه، قبل أن يغير في القارئ. صعوبة عملية الفصل هذه تجعل الكثيرين وخصوصا أولئك الذين يتعاملون مع البحث كمهنة للارتزاق في بنية تابعة ومحددة (كما أشرت سابقا)، بأن يسلكوا الطرق الأسهل، ويجترون مفردات الخطاب السائد بعد أن يغلفوها بالمعرفة، كي يضمنوا نصيبهم، ومكانتهم الاجتماعية في الفضاء الاجتماعي، والوظيفية في سوق العمل، والأهم في الاعتراف الأكاديمي والمعرفي بقدراتهم من قبل المؤسسات الأكاديمية والبحثية المهيمنة بما يضمن اندماجهم في شبكات القوى الموجودة.

من جهة أخرى، نتيجة للتبيعة للريع الدولي، تقوم المؤسسات التي تدعي قيامها بالأبحاث في فلسطين، على ترجمة الإشكاليات النيوليبرالية في عقود وشروط تقنية تعمل على إقصاء أي رؤية نقدية شاملة وتفكيكية إلى خارج سوق العمل. أي أن الباحث، بحكم التزامه بقوانين سوق العمل التي تعكسها العقود، لا مجال أمامه إلا الالتزام بالإشكاليات المعرفية الجاهزة التي تجسدها هذه الشروط من أجل كسب قوت يومه. باختصار، عليه أن يحتكم لقوانين السوق ويكون مستهلكا معرفيا ليضمن مكانته الاجتماعية والمعرفية. تمارس المؤسسات المحلية اقصى أنواع العنف الرمزي بهذا الصدد، فبالرجوع للشروط التقنية تطالب الباحث بالتغيير، بالتعديل، بالحذف لكل ما هو نقدي وأصيل، مستخدمة حجج مثل “المهنية” والالتزام بالعقد بما يناسب الجهة التي طلبت البحث، دون نسيان التهديد الضمني والصريح بالمعاقبة بالحرمان من المستحقات المالية تحت حجة عدم تلبية الشروط المرجعية وعدم الموافقة على البحث. تظهر التقنية هنا والشروط المرجعية كأجهزة سيطرة على مضمون ما يكتب وما يمكن نشره. أي أن الإقصاء هنا يحصل باسم القانون والشروط القانونية والتي تظهر وكأنها حيادية وتقنية كونها تلزم “الجميع” بنفس المقدار (لا داعي للتذكير أن القانون هو أيضا تطبيع لعلاقات القوى وفق فوكو). أما الإقصاء خارج الاطار المؤسساتي، كون هذه المؤسسات ذاتها تحتكم لشبكة علاقات لأولئك الذين يتشاركون لغة الخطاب السائد والإشكاليات المعولمة، فهو أشد أنواع العقاب لكل باحث يحاول القدوم برؤية نقدية لا تتفق مع “الرؤية الشرعية” السائدة. كل هذا، ونستطيع التذكير بطلبات مثل ضرورة التبسيط على غرار “الناطق باسم المغفلين” الواردة أعلاه، وضرورة الالتزام بوقت المشروع. هنا باختصار، تكمن عملية الإقصاء الممنهج للفكر العميق بحجة “غباء” القارئ”، وضرورة الالتزام بوقت المشروع. فالبحث والتفكير عملية كما ذكرت سابقا تحتاج للوقت، للهضم، ولا يمكن تنفيذها وفق مشاريع تجعل من الأسبوع كافيا للكتابة. استسهال البحث، وإقصاء الفكر العميق جعلنا أمام جوقات من القص واللصق لا قيمة لها إلا باستجداء مال الممول.

باختصار، ضمن هذه البنية المحددة، تنتهي الأبحاث في المكان الذي يجب أن تبدأ منه، وتبدأ وتبني في المكان الذي يجب أن تحفر وتهدم فيه. فعملية الفصل ضرورية لتجريد الخطاب السائد من هيمنته، وبالتالي عملية تفكيك وهدم هذا الخطاب والأفكار الجاهزة والبديهيات المتناقلة بغرض بناء إشكالي معرفي يضمن التعامل الرصين مع معطيات الميدان، لا التفسير الانتقائي لهذه المعطيات بما يخدم الإشكاليات المعرفية الجاهزة التي تم بناؤها بأدوات الخطاب السائد والتمثلات المعرفية للنظام الاجتماعي القائم.

غياب استقلالية البحث، عدم المسؤولية لدى بعض الباحثين، استخدام السلطة (power) للمعرفة لتبرير هيمنتها وإعادة إنتاج نفوذها، أخضعت المؤسسات القائمة لعلاقة تبعية أبحاثها لخدمة النظام القائم، بل وخلقت مؤسسات جديدة هدفها الوجودي هو الشرعنة “العلمية” للنظام القائم وإعادة إنتاج الخطاب السائد. فاختفى الفرق بين التقارير الصحفية و”الأبحاث العلمية” وأصبحت مراكز البحث مؤسسات للشرعنة المعرفية والعلمية للسياسة القائمة. فكتبة التقارير وفق الطلب يشكلون النموذج الذي اعتادت هذه المؤسسات استكتابه، النشر له، القراءة له. كيف لا؟ وأهم ما يقوم به مثل هؤلاء هو إعادة إنتاج الجهل باسم المعرفة لخدمة النظام القائم وإعادة إنتاجه بطريقة تحفظ لهم مراتبهم الاجتماعية التي استقوها من هذه الخيانة للمعرفة. حلقة من الاجترار والتشابه المقيت تؤطر لاغتراب قاس لكل من يحاول كسرها وينأى بنفسه عن استهلاك السم لينعم بالحياة.

احتكار النقد

تعمل هذه السيطرة على إنتاج النقد المناسب لتقوية المنظومة دون المساس بجوهرها. بكلمات أخرى، مع كل الفشل الذي اعترى كل مشروع أوسلو، وما نتج عنه من إشكاليات حول “الديمقراطية” و”البناء”، و”التنمية” و”الحوكمة”، وبقية الهذيان الجمعي حول الاستقلال والسيادة، أصبح لا بد من وجود بعض النقد الذي يخدم تبرير وجود مثل هذا الهذيان وتأبيده. هذا النقد التصحيحي الذي يرتكز على بديهيات النظام القائم (مثلا، علاقة “المجتمع المدني” بـ”الديمقراطية” و”التنمية”، أو ضرورة وجود بديل وطني للرئيس على الرغم من بنية أوسلو الغارقة في التبعية وتطبيع وجود الكيان)، يعمل على استصدار توصيات ووصفات سحرية (عادة قص ولصق) لكيفية تحسن مساهمة “المجتمع المدني” في “التنمية”، دون حتى التفكير في البحث عن الأسس التاريخية والمعرفية لمثل هكذا مقولة ومدى انسجامها مع الوضع الفلسطيني. يكتفي الباحث بـ”رصانة” المقولة كونها مجترة من أدبيات المنظمات الدولية التي تمول بحثه، ويلعب حينها دور “الخبير” الذي ينصح ببعض الأساليب الإدارية، بالكثير من الشفافية الخ. كي تصبح هذه المقولة حقيقة. باختصار، هي عملية اجترار للوهم، تعريف للأولويات وللفعل السياسي مع اعتماد نقد تصحيحي يظهر أمكنة الخراب على أنها أمكنة “فساد” فردية، أو سوء تصرف، لتنتشر التوصيات برفع القدرات (capacity building) وعمل ورشات العمل والعصف الذهني ومؤخرا الوصول للمناطق “المهمشة”، طبعا مهمشة لضعف قدرتها الاستهلاكية (دون حتى سؤال من قام بتهميش هذه المناطق؟). يأخذ النقد هنا المستوى الفردي وعادة يتم استدخال فيه الدونية الثقافية والهوياتية بحيث يبدو الفلسطيني والعربي متخلفا بحكم الوراثة، غير كفؤ، أو لم يتعلم بما فيه الكفاية، وبالتالي يتم إهمال أو عدم النظر للاستعمار، لعلاقات الهيمنة واهمها المعرفية، وعدم التحقق من تاريخية المقولات التي يعتمد عليها التحليل. فتترك البنية الرثة الممأسسة للتبعية على حالها، ويتم احتكار حقل النقد بطريقة تضمن وجود النقد التصحيحي وإقصاء كل ما هو نقد ضخم أو تشكيكي.

فاذا كان محتكري النقد من روافع المنظومة المهيمنة، لنا أن نتخيل أي حقيقة سيتم تركيبها وتغييرها. باختصار، هي مؤسسات تعتمد في وجودها على المنظومة نفسها، تصدر النقد، عبر ما يسمى النقد الذاتي أو نقد الإدراك الجيد، كل هذا مع إقصاء أي نقد تشكيكي. عملية احتكار النقد هذه تجعل من النقد التشكيكي (الذي يسائل البديهيات ولغة الخطاب السائد وصوره النمطية وأفكاره الجاهزة، ويشكك في النظام الاجتماعي القائم) نقدا “غير عقلاني” و”غير واقعي”، بل وأن من الحكمة وجوب إقصائه وإقصاء حامله، بينما يتعزز وجود النقد الذاتي والتصحيحي وذلك الذي يعبر عن الإدراك الجيد. بكلمات أخرى، احتكار حقل النقد من أجل إعادة إنتاج ما هو قائم ولكن عبر عملية شرعنة للهيمنة القائمة إذ يتم تصوير إعادة الإنتاج هذه على أنها عملية تغيير نحو الأفضل.

باختصار يتم إقصاء المنهج النقدي الشامل، الذي يأخذ فيه الباحث على عاتقه عملية إماطة اللثام عن الهيمنة الكامنة في النظام الاجتماعي الذي يقوم بنقده. هنا يستند الباحث على مسافتين (قطعين، نوعين من الفصل، لمزيد من المعلومات أنظر كتاب “في النقد” لبولتنسكي”) في تحليله، الأولى تكمن في المسافة التي تمكنه من وصف النظام الاجتماعي وهرميته ووسائل التسلسل فيه بالإضافة للشروط الاجتماعية التي قام عليها النظام، بينما تعمل المسافة الثانية على تمكينه من أخذ حكم قيمة بخصوص النظام الذي قام بوصفه وبنائه. أي تكون عملية وصف وبناء النظام هي العملية الأولى التي تمكنه لاحقا من صياغة حكمه على النظام الموصوف والمبني نظريا وفقا لمعايير يقوم الباحث بتبنيها وبالتالي الاستناد إليها في معركته ومعركة مجتمعه في عملية الانعتاق (هذه النقطة مهمة لمن يهاجم الأبحاث الأكاديمية “بحجة” فقدانها للموضوعية في حال كان لكتابها مواقف وطنية أو قومية). هذا الوصف المعرفي لمكانة الباحث في الطريقة النقدية الشاملة ينبع من فرضية هذه الطريقة المبنية على اعتبار أن ادراك الفواعل غير مكتمل بخصوص الهيمنة التي يعانون منها نظرا لتأثرهم بالبنى الاجتماعية التي يعيشون فيها. اذا عملية النقد هنا عملية شاملة بحيث تكون مسؤولية الباحث هي كشف مواقع الهيمنة في النظام الاجتماعي وتقديم الحقيقة وفق الرؤية المعيارية التي يتبناها الباحث من أجل أن يساند بل وينهض بالمجتمع من أجل الانعتاق.

لكن في حال كان “الباحث” نفسه أحد روافع المنظومة، كيف سيضع المسافة الأولى لوصف النظام والمسافة الثانية لنقده؟ ببساطة كيف لنا المراهنة على انه سيكشف هذه الهيمنة التي أصبح هو نفسه أحد أهم أدوات إنتاج عنفها الرمزي؟ وماذا يحصل في حال كان دور الباحث إعادة إنتاج الهيمنة وتقويتها بدلا من مساهمته في كشفها للمجتمع الذي يناضل من أجله ومن خلاله؟

باختصار، إزاحة الستار عن الهيمنة من أجل الانعتاق هي جوهر العمل البحثي. ما يهمنا هنا كيفية تصرف الباحث أو المثقف في مشاركته في عملية النقد وإماطة اللثام عن الهيمنة، أو في مدى مشاركته في تبرير هذه الهيمنة تحديدا في أوقات التسييس الكبيرة وبالتالي دوره في عملية صناعة “الرأي العام” وحتى الحقيقة. باختصار في أي جانب يقف الباحث؟ في الجانب الذي يجعله ثائرا على علاقات الهيمنة؟ أم مخبرا وكاتب تقارير لاستدامتها؟

أين هي “النخبة” الفلسطينية وأين مساهمتها النقدية المواجهة لصناعة “الرأي العام”؟ ربما اندثرت مع انصهارها الكامل داخل المنظومة المهيمنة وهي ترفع من أسماء مؤسسات كتبة التقارير وتقدمها على أنها مؤسسات “بحثية” و تقوم بإعلاء شأن “الخبراء” وسطوتهم. بهذا، لم يعد هناك أي اختلاف بين خطاب “النخبة” (القشرة وفق عادل سمارة) التي تقوم بعملية “صناعة الرأي” لصالح مجموعة سياسية معينة بصياغة منمقة عن “الرأي” الذي تنتزعه استفتاءات الرأي من الإنسان العادي في الشارع.

للأسف، من قراءة الترهات المنتشرة تحت اسم “أبحاث” أكاديمية، واضح أننا نتوغل في مراحل جديدة من الاستبداد الفكري والتجييش وصناعة “الرأي العام” وفق نظرة من يمسك النفوذ في البلاد، على الرغم من أنه نفوذا طبقيا تم اختزاله في بعض المجالات الاقتصادية والتسهيلات المهينة من قبل المحتل. على الناقد كما الباحث أن يتحلى بروح المسؤولية وببعض الأخلاقيات ويعلم انه يساهم في تشكيل الحقيقة عبر عملية نقده للمنظومة. عليه قبل كل شيء أن يعمل على بناء إشكالياته بطريقة تساهم في إماطة اللثام عن الهيمنة المتجسدة في النظام الاجتماعي أمام مجتمعه. فكما أشار بولتنسكي في كتابه عن “الروح الجديدة للرأسمالية”، بانها استطاعت إعادة إنتاج نفسها لأنها تحكمت في النقد الموجه إليها والذي لم يصب جوهرها، على المثقف الفلسطيني أن يعرف حجم المسؤولية الملقاة على أكتافه وأن يختار بين أن يكون صمام الأمان لمجتمعه أو حصان تعلفه مؤسسات التمويل حتى التخمة لكي تقتحم به سرديات طروادة، لتهدم قصتها بعد أن هدمت حقيقتها.

27/1/2016